أدركوا أمهاتكم قبل أن تفقدوهن
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. أدركوا أمهاتكم قبل أن تفقدوهن
أدركوا أمهاتكم قبل أن تفقدوهن

أدركوا أمهاتكم قبل أن تفقدوهن

تاريخ النشر: 3 ذو الحجة 1440 (2019-08-05)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

الأم جنة الدنيا وزهرتها وجمالها وأنسها وراحتها فمهما أنست وتمتعت بجلوسك مع قريب أو صديق أوحميم في هذه الحياة الدنيا فلن تتمتع مع أحد كتمتعك برؤية أمك ووالدتك، فخدمتها وجلوسك وقربك منها ومؤانستها في الحديث لا يعدله شيء، لا سيما وأن برّها من أعظم القرب والعبادات لله، فالمحروم من فرط وحرم القرب والأنس بهذه الجنة، لذلك صدق من قال من رُزق بسكن قرب والديه فقد وفِّق لبابين من أبواب الجنة فلا يفرِّط فيهما، إنها الأم العظيمة ذات الحقوق الواجبة الثلاثة.

لا تأنس الأم ولا تسعد ولا تفرح في هذه الحياة الدنيا بشيءٍ أعظم من ابنها وفلذة كبدها حتى لو كان مقصراً في حقها، مع معاناتها وما رأته من المشقة والهوَن والضعف والجهد الذي تحملته تسعة أشهر في بطنها، ثم رأت الموت بعينها حين وضعتك من بطنها، وتتغذى وتأكل من جسدها حال حملها وبعد وضعها حتى تكبر وتقوى على الأكل.

ومن أول لحظة لك في هذه الدنيا حتى آخر لحظاتها وأمك تأنس لأنسك، وتفرح لفرحك، وتغضب لغضبك، وتبكي لبكائك، فمهما قدمت من قدر حجم الدنيا لذاتها وما تملك فيها صغيرها وكبيرها فلن تف بشيء من حقها، {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ}.[لقمان:14].

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلاً ونهاراً؛ ليذكّر الولد بإحسانهما"، وقال عليه الصلاة والسلام يوصي معاوية بن جاهمة بوالدته: (الزمها فإن الجنة تحت رجليها)، فلم يقل رأسها بل قال: (رجليها) يعني: تواضع للوالدة، لأن الجنة عند رجلها.

إنها الأم الحنون وجودها حياة, ودعواتها نجاة، وأقدامها جنة، وقد لا تدرك أيه الابن وأيتها الفتاة مقدار حجم الأم وعلو منزلتها مادامت على ظهر الأرض، تشاهدها وتسمع نداءها ونبرات صوتها، وتلبي طلبها، لكن سيأتي يوم لا محالة تعرف حقيقتها بعد أن تفقدها، أو تفقدك، فالشيء الثمين لا يعرف قدره ومنزلته إلا بفقده، والأم العظيمة لا تُقدَّر بثمن، فويلٌ لمن عصاها وأبكاها وفرط في حقها، وقصر في برها، ورفع صوته عليها، أو أغلظ القول في حقها مخالفاً ربه وخالقه سبحانه {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، أو قدم محبة وخدمة وطلب الزوجة أو الولد أو الصاحب عليها، فرغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة، بهذا صح الخبر عن خير الخلق عليه الصلاة والسلام، فأدركوا أمهاتكم واستغلوا أيامهن المعدودة وبادروهن بالبر والوفاء والإحسان والحب قبل أن تفقدوهن، ففي يوم الاثنين الموافق الحادي عشر من شهر ربيع الأول لعام ألف وأربعمائة وأربعين من الهجرة النبوية شعرت بهذا الفقد العظيم حينما غيب الموت جزءً من حياتي وخَلقي وجسدي، ومن كانت سبباً في وجودي في هذه الحياة بعد رب العزة جل جلاله أمي وحبيبتي وسيدتي وقرة عيني وأنسي أم محمد الشثري منيرة بنت سعد أبو حيد رحمها الله وغفر لها وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنة، عن عمر يناهز الستين عاماً، رحلت الأم الحنون الرؤوف الرؤوم الرحيمة بأبنائها وأقاربها، الطائعة المطيعة لزوجها، صاحبة الجزل في العطاء والكرم، ذات الخُلق الرفيع، والمنزلة العلية، لم أسمعها يوماً رافعة صوتها على أحدٍ صغيراً كان أو كبيراً، واصلة لرحمها تسأل عن الصغير والكبير، والقريب والبعيد، ولم أذكرها قاطعة لأحد من أرحامها وأقاربها طيلة حياتها، تقبل رأس ويد إخوانها وأخواتها الأكبر منها، وتحثني وإخواتي وأخواتي دائماً على الصلة والتواصل، وتحذرنا من القطيعة مع أقاربنا أو أحد من إخواننا المسلمين، (والرحم من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) بهذا صح الخبر عن خير الخلق عليه الصلاة والسلام، وتردد لنا رحمها الله دائماً خلكم غالين على الجميع، محبة للخير والطاعة والعبادة لا تأنس ولا تفرح إلا بعبادة ربها وخالقها سبحانه، حتى سفر النزهة والسياحة المحبب لكثير من أهل زماننا لا ترغب فيه إلا إلى الأماكن التي تشد إليها الرحال للعبادة مكة والمدينة حتى وهي في حال مرضها طلبنا منها السفر للعلاج عدة مرات فكانت تمانع حتى لقيت ربها سبحانه، وتذهب للعمرة في كل عامٍ مرتين أو ثلاث، حجت والدتي أربع حجج، آخرها عام 1430هـ ذلك العام الذي غرقت فيه جدة في اليوم الثامن من ذي الحجة وكانت على طريق الحرمين بجده فنجاها الله وحفظها بعد أن غرق عدد كبير على الطريق, وأخبرني من حج معها من الأقارب بالسيارة قديماً بأنهم لم يسمعوا لها صوتاً أبداً في جميع أثناء الرحلة.

كانت رحمها الله تتبّع وتتفقد حال الفقراء والمساكين والضعفاء من جيرانها ومن حولها، وتجزل لهم في العطاء والبذل، وتسأل عن أحوال كثيرٍ منهم وتمدهم بالمال والطعام والكساء وغير ذلك، مقتدية بقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)، فملكت قلوب كثير منهم بأخلاقها وأفعالها، حتى البهائم فقد كانت محبة لها حريصة على تربيتها، وتذكر أن فيها أجراً، ففي كل كبد رطبة أجر، وتهدي وتتصدق منهن، حريصة على كل ما يقربها إلى الله لا تكل ولا تمل من ذكر الله تعالى ودعائه، أما الصلاة فهي أنسها وراحتها حتى وهي في حال مرضها، أدخل عليها بعد أذان الفجر وأجدها قد فرشت سجادتها تصلي وتتهجد من الليل ما كتب الله لها حتى يطلع عليها الفجر، وهذا ديدنها منذ أدركتها، وقد بنت مسجداً وهي في حياتها وكامل صحتها, وأدخل عليها بعد صلاة العصر وأجدها قد لبست نظارتها وفتحت مصحفها بين يديها تقرأ القرآن، لا يفتر لسانها من ذكر الله تعالى ودعائه، مواظبة على صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، وتذكر بأنها تتمنى أن تصوم يوم الخميس لكن يمنعها قدوم أبنائها عليها فتعمل على الخدمة في إكرامهم وضيافتهم، فهذا هو يوم عيدها وسعادتها، وصامت آخر رمضانين في حياتها مع شدة مرضها صابرة محتسبة مع تأكيد الأطباء لها على الفطر, ولم تفطر فيهما إلا خمسة أيام فقط، مطيعة لزوجها والدي حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية تذكرنا دائماً بالحرص به ومتابعة دوائه وعلاجه وغذائه حتى وهي في مرضها، ولا تسافر ولا تخرج إلا بإذنه وموافقته، ولا تسافر وتتركه في المنزل وحده، وتقوم بواجب خدمته وخدمة أضيافه على أكمل وجه، وليس ذلك بمستغرب على المرأة العاقلة الصالحة، فالرسول عليه الصلاة والسلام جعل الزوج سبب لدخول الزوجة الجنة أو النار، فقال:(انظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك)، فنالت والدتي رحمها الله بطاعتها لزوجها حبه ورضاه، ودعاءه لها في حياتها وبعد مماتها، ليشملها الرضى المذكور في قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة).

ولا تُذكرُ أمي رحمها الله عند والدي حفظه الله بعد وفاتها إلا ويبادر إلى الدعاء لها، وتسابقه الدمعة على فراقها كلما تذكرها، ولا يُلام على ذلك فقد كانت المعين الأول والأخير له بعد الله سبحانه، والمؤانس والمعاشر والمجالس له في جميع أوقاته، بارة بوالدتها قريبة منها حتى ماتت جدتي قبيلها بفترة وجيزة رحمهم الله جميعاً، وأسعد لحظات أمي رحمها الله حينما تجمع أبناءها وبناتها وأحفادها وزوجات أبنائها، حتى إنها تعامل زوجات أبنائها كبناتها في التقدير والاحترام المتبادل، ولا ترضى إلا أن تقدم لذريتها جميعاً واجب الغداء أو العشاء من حسابها، وتعمله بيدها، وتتفنن في طبخ عدد من الأكلات العصرية التي لا يجيدها كثير من قريناتها، فيوم اجتماعهم استنفار في البيت، ليجد الجميع على مائدتها ما لذ وطاب من أصناف الطعام والشراب، يحبها الأطفال الصغار قبل الكبار لما يجدون من الحفاوة والهدايا والحلوى التي لا يخلوا جيبها ولا حقيبتها ولا غرفتها منها, وتتلمس النقود الجديدة التي يحبها الأطفال لتوزيعها عليهم دائماً، حتى وهي في مرضها، وقد وجدنا نقود الأطفال وهداياهم في غرفتها بعد وفاتها وإقبالها على خالقها سبحانه, ثم وهي في حال مرضها حينما أصيبت بالسرطان الذي استمر معها سنتان ونصف ضربت فيه أروع الأمثلة في الصبر والجلد والتحمل لم تشتك ألماً، ولم أشاهدها تسقط لها دمعة طيلة مرضها، بل ترفع يديها دائماً شاكرة حامدة لله سبحانه، وكلما سئلت عن حالها تردد الحمد لله أنا طيبه، ويتعجب من حالها وصبرها وشكرها لله دائماً كل من يزورها من أقاربنا، فكان هذا حالها حتى فارقت الدنيا، وهذه صفة المؤمن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر، فإذا قارنت حال أمي ومثيلاتها من الأمهات الخيرات الصالحات ذوات الخُلق الرفيع القريبات من أزواجهن، ومن أقاربهن، القريبات من الخالق والخلق، المحبات للخير والصلاح، لا يحملن غلاً ولا حقداً على أحد، العفيفات المتعففات المتسترات المحتشمات بحجابهن، تجد الفرق والبون الشاسع بينهن وبين نساء وبنات أكثر أهل زماننا هدانا الله وإياهن وردهن إلى الحق رداً جميلاً.

ومما يخفف لوعة وألم الفقد والفراق في أمي وحبيبتي رحمها الله أن الله قد ختم لها بخاتمة حسنة رافعة سبابتها متشهدة قبيل وفاتها وهي بكامل قواها العقلية والجسدية، (والمؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها) بهذا صح الخبر عنه عليه الصلاة والسلام, ومن عاش على شيء مات عليه، ولا يثبت في هذا الموقف العصيب إلا من ثبته الله، نسأل الله بمنه وكرمه أن يثبتنا على الحق حتى الممات، وبعد وفاتها رحمها الله خبت تلك المصابيح التي نستضيء بنصحها وتوجيهها وتربيتها، وغابت شمسنا التي تظلنا، ونأنس باجتماعها في حياتنا، وتركت بعد فراقها فراغاً كبيراً لا يملؤه أحد غير الأم، وافتقدنا تلك الجنة التي نقبلها كل ما أصبحنا أو أمسينا، فأدركوا أمهاتكم قبل أن تفقدوهن.

اللهم تجاوز واعف عنا تقصيرنا في حقها، واغفر لها وارحمها، وارزقنا دوام البر بوالدينا أحياءً وأمواتاً، واجمعنا بهما في دار الخلود في الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره