الأوجه الإعرابية في قراءات البصرة
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. الأوجه الإعرابية في قراءات البصرة
الأوجه الإعرابية في قراءات البصرة

الأوجه الإعرابية في قراءات البصرة

تاريخ النشر: 16 ربيع الأول 1441 (2019-11-14)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  

الأوجه الإعرابية في قراءات أهل البصرة وأثرها في دلالة النص القرآني رسالة تقدم بها الطالب أسامة صباح عبد الله الرفاعي  إلى مجلس كلية الآداب - جامعة البصرة وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها بإشراف الأستاذ الدكتور عدنان عبد الكريم جمعة بتاريخ 1425هـ/2004م

 لقد اختار الباحث  هذا البحث الموسوم (الأوجه الإعرابية في قراءات أهل البصرة وأثرها في دلالة النص القرآني) والذي  عرض من خلاله تراث أهل البصرة والجهود الكبيرة التي بذلوها في خدمة كتاب الله تبارك وتعالى، وما تحملوا من أمانة عظيمة تمثلت بالقراءات التي قرؤوا بها ونسبت إليهم فعرفت بهم .

وتتعدد الأوجه الإعرابية في تلك القراءات , فاكتفى الباحث  بتناول مجموعة من القراءات في الرفع والنصب والجر دون غيرها لكثرتها واتساع مادتها، فكان مبتغاه أن نصل إلى معنى قراءة القرّاء بهذه الوجوه، وهل قراءتهم قائمة على دليل شرعي مُسَبَّق استند إليه القارئ فوافقت قراءته الجانب النحوي للمعنى المطلوب مع عدم معارضته لأصل من أصول الدين أو فروعه.

  ومن الأهمية بمكان أن نبين في هذا المقام مسألة لا تخفى، وهي أن القارئ لا يستند فقط إلى الجانب اللغوي دون غيره من الجوانب الأخرى التي لها علاقة وثيقة بتلك القراءة، فلا يمكن أن يقرأ حتى تكون عنده نظرة مسبقة بالســنة المطهرة الشـارحة لكتاب الله عز وجل, وعلى هذا الأساس يكون العلم بالشريعة مقيِّدًا للقارئ، وهذا القيد هو الذي ينظر إليه القارئ قبل أن يقرأ بالوجه الذي تحتمله القراءة ، فتكون عندئذ القراءة غير مخالفة للمعاني الأخرى التي تحتملها الأوجه المختلفة.

لكن إذا قُرئ بقراءة تخالف أصلا من الأصول أو فرعاً من الفروع، كأن تخالف -مثلاً- فعلاً متواتراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه القراءة لا تجوز شرعاً، لأنها ستكون من باب اختلاف التضاد، وهذا النوع من الاختلاف غير مقـبول في باب القراءات، وما كان على شاكلته فإما أن يُردَّ أو يوجّه التوجيه السليم الذي يزيل وجه الخلاف، كتوجيه القراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة (رحمه الله): )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( ]فاطر:28[ برفع لفظ الجلالة على أنه فاعل ونصب العلماء على أنه مفعول، فهذه القراءة تخالف أصلا من أصول ديننا، ووجه المخالفة أن الخشية نوع من أنواع العبادات، ومعلوم أن العبادة حكم تكليفي على العباد حقاً لله سـبحانه وتعالى ، فكيف يكـون العكـس وهو أن الله يخشى العلماء -تعالى الله عن ذلك-، فمثل هذه القـراءة إما أن تُردّ في حال عدم صحة نسبتها إلى قائلها فلا يكون لها أصل، أو أن نثبت العكس فتوجّه بما يلائم الأصول، فيكون المعنى: أن الخشية يراد بها هنا الإجلال ورفع الشأن، فالله سبحانه وتعالى يُبَجِّلُ العلماءَ ويرفع شأنهم لأنهم أشد ُّ الناس خشية له سبحانه.

وما كان فيه مخالفة لأصل من الأصول أو فرع من الفروع لا يخلو من الخطأ، وهذا الخطأ يظهر جلياً في مخالفة النبي (صلى الله عليه وسلم)، إذ لا يعتقد أن أحداً يفهم ما في كتاب الله (عز وجـل) أحسن من فهم النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وهو المبلِّغ عن الله (تعالى)، والوحي ينزل عليه تارة بعد أخرى.

وهذا الأثر يرى واضحاً في قراءات القرّاء، فإننا نجد قراءاتهم لا تخالف وجهاً من الوجوه، فإما أن يكون المعنى موافقاً تماماً فيكون بمثابة التأكيد، أو يأتي بمعنى جديد تحتمله الآية فيكون بمثابة الفائدة المرجوَّة, أو تحتاج إلى توجيه يزيل عنها الغموض والإبهام ويزيدها وضوحاً.

والقـرّاء متفاوتون فيما بينهم، فمنهم من كان له اختيار في القـراءة، ومنهم من كان له متابعة، ومنهم من له اختـيار ومتابعة، ولعل هذا يفسـر لنا معنى تعـدد القراءات السـبع، والثلاث المكملة للعشرة، والأربع المكملة للأربعة عشر، فضلاً عن غيرها من القراءات.

وقد اعتمدت الباحث في بداية دراسته لهذا الموضوع على معجم القراءات القرآنية في استخراج قراءات القرّاء البصريين، وهو من تأليف الأستاذ احمد مختار عمر والأستاذ عبد العال سالم مكرم, وكان المعجم قد رُتِّبَ بشكلٍ جيدٍ سَهَّلَ عليَّ الكثير من الصعوبات لأنه يذكر قراءة المصحف، ثم يذكر الأوجه التي قُرِئ بها ، ومن قرأ بكل وجه، والمصادر التي ذُكِرَ فيها ذلك الوجه من القـراءة والمتمثلة بكتب إعراب القــرآن وكتب معاني القـراءات والتفاسير, وغيرها من الكتب القديمة والحديثة لتتمة البحث.

وقد اقتصر البحث في منهجيته على دراسة الجانب النحوي وأثره في الدلالة , ولم يتطرق إلى غيره في توجيه أو توضيح إلا ما كان له صلة بالجانب النحوي وذلك خشية الإطالة والإسهاب.

ومنهج البحث في الدراسة يقوم على ذكر الآية برسم المصحف وتبيين وجهها، ومن ثم ذكر الوجه الذي قُرِئ به ومن قرأ به من قرّاء البصرة، ثم إعراب قراءة المصحف وقراءة البصـريين، وتبييـن المعـنى المراد من كلا القراءتين حتى يتسنى لنا معرفة المعنى الجديد, ومن ثم يتبين لنا الوجه الذي أُريد من القراءة.

وعندما نتطلع إلى القراءات القرآنية نجدها قد وُجِّهَت من حيث الإعراب والمعنى وهذا ما يُسَهِّل علينا التوجيه في قراءات قرّاء البصرة لنتعرف على السـبب الذي من أجـله عَمَدُوا إليه , وقد قمت بتوثيق هذا التوجيه من كتب التفسير، ومن أهـم ما اعتمدته في توثيق وتوجيه القراءات يمثل بحق الوسيلة المعتبرة عند أهل الصنعة في إزالة ما يُتَوَهم أنه تناقض، أو أن ما ورد بخلاف المصحف هو باطل فضلاً عما خالف السبعة على رأي من يقول أن الحق في كل شيء واحد، وهذا في اختلاف التضاد لا التنوع.

فهي حق من عند الله (عز وجل)، ولهذا انبرى لهذه المسألة من يدافع عنها على أنها مقبولة كغيرها من القراءات القرآنية، فمن المعاني ما يبرز عن النص أول وهلة، وهذا ما أتى به أصحاب التفسير، ومنها ما يأتي للوهلة الثانية، وهذا ما أتى به أصحاب كتب معاني القرآن.

ولا يخفى ما للإعراب وصلته بتوجيه القراءات من أهمية كبيرة، فهو المسألة الجوهرية لتغيير المعاني، وهذا الشيء لا يخفى على أحد يتلذذ بسماع الفصيح من الكلام وما يطرأ عليه من تغيير يؤدي إلى اتساع أفق المعنى وتوضيحه.

 

مكونات البحث:

وقد ضمَّ البحث في طياته تمهيداً وأربعة فصولٍ وخاتمة.

*التمهيد :تناول الباحث  في التمهيد التعريف بالقراءات ومسألة الرواية وأنواع القراءات من حيث السند واتصاله أو عدمه , وشروط القراءات التي اتفق أهل الصنعة على صحتها ، وموجزاً لتراجم قرّاء البصرة الذين ورد ذكرهم في البحث.

*أما الفصل الأول فقد تناول الباحث  فيه ما له علاقة مباشرة بمادة البحث , وقد ناقش  مسألة اختلاف القراءات وتوجيهها وأهمية الإعراب لمعانيها.

وتناول الباحث  في الفصل الثاني والثالث والرابع دراسة قراءات البصريين التي قُرئت بغير وجه المصحف، فكان الفصل الثاني عن قراءة الرفع ودلالتها , وكان الفصل الثالث عن قراءة النصب ودلالتها, والفصل الرابع عن قراءة الجر ودلالتها.

وفي الخاتمة وضح الباحث  ما توصل إليه البحث من نتائج على سبيل الإجمال، وهي:

نتائج البحث:

v         يمكننا أن نعرّف القراءات تعريفاً يفرق لنا بينها وبين الأحرف السبعة, ويبين نشأتها وتطورها, وتحديد الفترات الزمنية التي مر بها ذلك التطور إلى أن استقر مصطلح القراءات عند أهل الصنعة, فهي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه القراءة التي تسمى بالأحرف السبعة, وما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم من فيِّ النبـي صلى الله عليه وسلم إلى أن وُحِّد  المصحف, وما تلقاه التابعون عن الصحابة, وفي هذه الفترة وما بعدها اكتمل تطورها فأصبحت قراءات بالمعنى الذي نعرفه, فهي مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القرَّاء, مخالفاً به غيره في النطق بالقرآن الكريم, مع اتفاق الروايات والطرق عنه, سواء كانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها اختياراً أو إتِّباعاً.

v         إن اختلاف القراءات معجـزة من معجزات الله تبارك وتعالى التي أودعها في كتابه العزيز, فالتوافق الذي بين الوجوه المختلفة , وتأييد بعضها لبعض من غير تناقض في المعاني والدلائل , ولا تناف في الأحكام والأوامر, مع زيادة الفوائد الجديدة في تنزيل القرآن بالانتقال من وجه إلى آخر, واستخدام ذلك التعدد في تفسير كلامه من باب تفسير القرآن بالقرآن, واتساع رقعة المعاني لإثراء النص القرآني في حدود ما يسمح به المعنى العام للنص, وغيرها من الأمور لتُبيِّنَ لنا بصدق هذه الآية العظيمة التي أعجـز الله (سبحانه) بها أكابر أهـل العلم والمعرفة فضلاً عن غيرهم, وما كان هذا الأمر على هذا الوجه إلا لأن الاختلاف في القراءات عبارة عن اختلاف تنوع وتلائم, وهو محمود لما ذكرنا من المحاسن, بعكس الاختلاف المذموم , وهو اختلاف التضاد وعدم الانسجام.

v         الاختلاف في القراءات حق نزل من عند الله تبارك وتعالى , فلا يجوز لأحد أن يُعرض عن وجه منه بإرادته, ولا يفضل بعضها على بعض إلا ما كان فيه وجه تفضيل مقبول من كمال اكتمال شروطٍ أو رقي نوع من الأنواع, مع مراعاة قدسية الأخرى وعدم تسقيطها أو إهمالها لأننا نعتقد أنها من عند الله تعالى .

v         اختيار القارئ للقراءة لا يكون بديهياً, ولا يكون تبعاً لهوى في نفسه , فلو كانت كذلك لما اتسمت بطابع القدسية, فجوهرها قائم على ضوابط كانت تدور في خَلَد القارئ ، بيَّنها العلماء فيما بعد , وجُعِلت مناط قبول القراءة أو ردها, وهي موافقة العربية وموافقة رسم المصحف وصحة السند. وهذه الضوابط إنما هي وسائل تعين على الفهم الصحيح للقراءة , والغاية الكبرى تحقيق ما أراد الله سبحانه من هذه القراءة في تحقيق الأصول والفـروع, وغالبا ما يقرأ القرَّاء إتِّباعا لمن قبلهم, على اعتبار أن القراءات سنة متبعة , ومع اعتبار الأوجه الإعرابية والمعنى, ولو كان الأمر على غير هذه الصورة لقرأ من شاء ما شاء , فاختيار القارئ للقراءة يقوم على أساس عدم مخالفة أصل من أصول الدين وفروعه.

v         لقد وُجِّهت القراءات توجيهات كثيرة , فأزال العلماء الغموض عنها , ودفعوا اللبس الواقع عليها , وبينوا أحسن وجوهها, وهذا الأمر لا يشكل نقصاً أو ضيراً في القراءات , فلم ينظر العلماء الذين عملوا بالتوجيه إليها من هذا المنطلق بدافع تغيير الخطأ إلى الصواب, بل كان عملهم قائماً على أساس توضيح المعنى الذي أراده الله تبارك وتعالى , والذي في حقيقته لا خلاف فيه, إلا أن إدراك العقول هو الذي يختلف , والأَفهام غالباً ما تكون متفاوتة , ولهذا فتوجيه القراءات لا يغير خطأً إلى صواب , وإنما يجلي الغموض الذي اعترى الصواب.

v         يعتبر الإعراب من الوسائل المهمة التي يركن إليها العلماء في توجيه القراءات, وإن حركات الإعراب تدل على معانٍ في غيرها, تُدخل الوضوح إلى النص بعد غموضه فتكسبه سلاسة وسهولة في النطق, وسرعة في الإدراك والفهم , وكلا الأمرين قد تُكلِّم فيه, فالأول ينطبق على قول من قال أن الحركات يُتوصل بها إلى النطق بالكلمات , والثاني ينطبق على قول من قال إن الحركات الإعرابية دلائل على المعاني.

v         هناك ارتباط وثيق ودقيق بين القراءات والنحو يَظهَرُ بوضوح عند العلم بحقيقة (أن النحاة الأُوَل الذين نشأ النحو على أيديهم كانوا قرّاء كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي ويونس والخليل , ولعـل اهتمامهم بهذه القراءات وجههم إلى الدراسة النحوية ليلائموا بين القراءات والعربية , بين ما سمعوا ورووا من  القراءات وبين ما سمعوا ورووا من كلام العرب).

v         كانت صحبة بعض مشاهير البصرة مباركة فيما رأينا من قراءاتهم , فأتضح لي من خلال ما تقدم أوجه قراءاتهم , والتي تُعتَبَرُ بحق روافد تصب في كتاب الله تعين بعد إعانة الله أصحاب اللغة والأدب والفقهاء والأصوليين والمفسرين فضلاً عن غيرهم.

v         إن مَثَلَ تعدد أوجه القراءات والإفادة منها مَثَلُ طريقة الإفهام, راعى فيها ربنا جل وعلا عقول الناس ومداركهم, ووضَّح لهم كل طريق يُسَهِّلُ لهم الهداية والتبصر بأمور العبادة والنظر بعين البصيرة إلى هذه الدنيا وما فيها, ولهذا أخبرنا الله  عن كتابه فقال عزَّ من قائل: ] إِنَّ هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم[ ]الإسراء: 9[, أخبرنا عن (شرف القرآن وجلالته, وأنه يهدي لأعدل وأعلى العقائد والأعمال والأخلاق , فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن, كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره).

v         وضوح أثر الأوجه الإعرابية في قراءات قراء البصرة على دلالة النص القرآني من خلال ما بحثنا فيه مما له علاقة مباشرة لإظهار المعنى القرآني.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات