البنى النحوية وأثرها في المعنى
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. البنى النحوية وأثرها في المعنى
البنى النحوية وأثرها في المعنى

البنى النحوية وأثرها في المعنى

تاريخ النشر: 4 جمادى الأول 1441 (2019-12-31)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

البنى النحوية وأثرها في المعنى أطروحة تقدم بها الباحث أحمد عبد الله حمود العاني إلى مجلس كلية الآداب جامعة بغداد وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه فلسفة في اللغة العربية وآدابها

إشراف الدكتورة هدى محمد صالح الحديثي1423ه/ـ 2003م

مكونات الدراسة:

اشتملت الدراسة على بابين ، وفي كل باب عدد من الفصول.

فأما الباب الأول، فكان عنوانه (أحوال البنى النحوية) وقد انقسم على خمسة فصول:

- الفصل الأول: التقديم والتأخير.

- الفصل الثاني: الحذف والتقدير.

- الفصل الثالث: التعريف والتنكير.

- الفصل الرابع: الحصر والقصر.

- الفصل الخامس: الفصل والوصل.

ومن قراءة أولى لهذه العنوانات ، قد يتراءى أنها درست كثيرا ، ولا سيما فيما تناوله البلاغيون ، ولكن من قراءة أخرى وهي قراءة ما ورد فيها قراءة مفصلة سوف يتبين المستوى الذي درست فيه ، فهدف الأطروحة الرئيس كما ذكرنا هو الوصل بين  النحو والمعنى ، وهذا يعني أن اهتمامنا كان بالنحو ، وما يحصل فيه من متغيرات، ولم نغفل في الوقت نفسه عن المعاني الناشئة عنها، بخلاف البلاغيين، فإن اهتمامهم كان بالنتائج أو المعاني من دون النظر في أصولها كثيرا، ومن دون استقصاء تلك المتغيرات جميعا، فلم نر عندهم على سبيل المثال- ذكرا لمواضع الوجوب في دراستهم التقديم والتأخير والحذف والتقدير، حكما منهم على ما أرى بأن هذه المواضع خاضعة لأمر الصنعة والإعراب، وليس لها من المعنى شيء، بيد أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، فإن من مواضع الوجوب ما هي خاضعة للمعنى بشكل مباشر ورئيس.

وكذلك الأمر في دراستهم الظواهر التي تضمنتها الفصول الأخرى من (تعريف وتنكير، وحصر وقصر، وفصل ووصل) فهي وإن غلبت عليها سمة البلاغة، بيد أن الكشف عن جانب النحو فيها ذو أثر مهم في الكشف عن المعنى وتشكيل البنية والسياق.

فللنكرة موقع يخالف موقع المعرفة في الكلام، وذلك بحكم دلالتهما وعلاقتهما نحويا بما يساندهما أو يتعلق بهما من ألفاظ.

وللحصر والقصر، والفصل والوصل أساس نحوي يقومان عليه، ولولا ذاك الأساس ما كان ثمة وجود لهما، ثم إن تبني جانب النحو فيهما من رتب وصيغ وأدوات قد يكشف عن المعنى الكثير.

وفضلا عن هذا وذاك، فإن هناك ظاهرتين يقوم النحو العربي عليهما، وهما ظاهرة التلازم بين الألفاظ، وظاهرة الإعراب، فقد جعلنا منهما عنصرين مهمين في تشكيل البنية وتوخي الدقة في المعنى على وفق استدعاء الأمر ذلك ، وهذا كله لم يفصل البلاغيون قولا فيه.

أما من حيث الخصوص في تقسيم الفصول، فقد اشتمل كل فصل على عدد من المباحث فـ(الفصل الأول)، اشتمل على مبحثين رئيسين:

المبحث الأول: تقديم على نية التأخير.

المبحث الثاني: تقديم لا على نية التأخير.

وقد تضمن كل من المبحثين تقديم العمدة أو الفضلة ، غير أن الاهتمام في المبحث الأول كان بالتقديم بين الوجوب والجواز ، فضلا عن تبيين أثر المعنى في التمييز بين الرتبتين المتكافئتين، في حين كان الاهتمام في المبحث الثاني بما يحدثه هذا النمط من التقديم من انتقال بين رتب النحو والإعراب ، ومن تغير واسع في نمط البنية والمضمون.

أما الفصل الثاني، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حذف العمدة.

المبحث الثاني: حذف بعض العناصر المتلازمة.

المبحث الثالث: حذف الفضلة.

وقد تضمن المبحث الأول حذف المبتدأ والخبر من الجملة الاسمية، وحذف الفعل والفاعل من الجملة الفعلية سواء أكان الحذف واجبا أم جائزا، وكذلك تضمن المبحث بعض مسائل الخلاف في تعيين نوع المحذوف بين المبتدأ والخبر، أو الخلاف في تقدير محذوف أو عدم تقديره إن كان هناك ما يغني عنه في الكلام، وجعلنا الترجيح في ذلك قائما على موافقة المعنى، من دون مخالفة حكم النحو والإعراب.

أما المبحث الثاني، فقد تضمن ثلاثة أنواع من الحذف، وهي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وحذف الموصوف أو صفته، وحذف جواب الشرط، بناء على أن هذه الألفاظ من العناصر المتلازمة التي لا يقوم أحدها من دون الآخر، فصار على هذا تقديرها أو تتبعها لازما عند النحاة.

وأما المبحث الثالث، فقد تضمن حذف المفعول به والحال والتأكيد، مراعين في ذلك أمرا مهما، وهو أن هذا الحذف قد يستلزم التقدير على الرغم من كون المحذوف فضلة، وذاك لحاجة المعنى إليه.

وتمت الإشارة  في مواضع عدة من هذا الفصل إلى أن تقدير المحذوف قد يختلف لفظه أو موضعه بين النحاة؛ ذلك أن من البنى النحوية ما يحتمل ظاهرها أكثر من لفظ أحيانا، وأكثر من موضع أحيانا أخرى ، بيد أن للمعنى أساسا في الاختيار بينهما، لتوخي الدقة فيه. وقد يكون كل تقدير مقصودا وصحيحا إذا كان غرض الحذف هو العموم والإطلاق.

وأما الفصل الثالث، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين:

المبحث الأول: النكرة وأثرها في البنية شكلا ومعنى.

المبحث الثاني: المعرفة وأثرها في البنية شكلا ومعنى.

ونعني بالشكل الصيغة التي تكون عليها البنية من حيث تعلق الألفاظ فيما بينها، وإنما وقفنا عند هذا الأمر في دراسة هذين القسمين؛ لتأكيد ما لهما من وظيفة في تشكيل البنية وليس الأمر مقتصرا عليهما منفردين، وأما المعنى، فنعني به ما يحصل من صلة الألفاظ فيما بينها أو من خلال طبيعة اللفظين بحد ذاتهما وتباينهما تنكيرا وتعريفا.

وأما الفصل الرابع، فقد اشتمل على مبحثين أيضا:

المبحث الأول: طرق القصر.

المبحث الثاني: تقسيم القصر.

وقد تناول الباحث في المبحث الأول طرق القصر، وما بينها من فروق على مستوى الشكل والمضمون. وأما المبحث الثاني فقد تناولنا فيه تقسيم القصر على أسس مختلفة بحسب ما نظر البلاغيون، إذ نظروا إلى طرفيه بين الصفة والذات فقسموه على أساسهما على  قسمين: قصر موصوف على صفة ، وقصر صفة على موصوف، ونظروا كذلك إلى مطابقته الواقع فقسموا القصر على أساسه على قسمين أيضا : قصر حقيقي وآخر    إضافي . ونظروا أخيرا إلى حال المخاطب، فقسموا القصر على أساسه على ثلاثة أقسام : قصر قلب وإفراد وتعيين .

ومع أن هذه التقسيمات كانت من عند البلاغيين، إلا أن بعضها قائم على أساس نحوي ولا سيما القسم الأول منها ؛ وقد اهتممنا به لاجتماع أكثر من متغير نحوي فيه.

وأما الفصل الخامس، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مواضع الفصل.

المبحث الثاني: مواضع الوصل.

المبحث الثالث: الجملة الحالية بين الفصل والوصل.

وكان اهتمامنا في هذه المباحث جميعها بالنحو والإعراب؛ لما في ذلك من أثر في المعنى كبير.

وأما الباب الثاني، فكان عنوانه (التناوب في البنى النحوية) وهو نمط آخر من أنماط التغيير، فإذا كان التغيير في الباب الأول قائما على أساس تغير مواضع الألفاظ، أو حذفها، أو تنكيرها، أو تعريفها 000، فإن التغيير هنا يكون عن طريق استبدال لفظ بلفظ أو وقوع لفظ مكان لفظ آخر على سبيل النيابة سواء أكانت النيابة بمعناها الاصطلاحي أم بمعناها اللغوي العام، ولكن بشرط أن يكون لذاك الاستبدال صلة بالألفاظ الأخرى، وتغيير للبنية لكي يصدق علم النحو عليه؛ لأن النحو كما هو معلوم لا يعنى باللفظة إلا من خلال إسنادها أو تعلقها بغيرها من الألفاظ.

وقد قام هذا الباب على أربعة فصول:

الفصل الأول: نيابة الاسم عن الفعل.

الفصل الثاني: التناوب بين الأسماء.

الفصل الثالث: التناوب بين حروف المعاني.

الفصل الرابع: انعدام المطابقة بين المتلازم من الألفاظ.

وقد اشتملت هذه الفصول على مباحث أيضا.

فـ(الفصل الأول)، اشتمل على أربعة مباحث.

المبحث الأول: نيابة اسم الفاعل.

المبحث الثاني: نيابة اسم المفعول.

المبحث الثالث: نيابة اسم الفعل.

المبحث الرابع: نيابة المصدر.

ومن أدلة النيابة هنا هو العمل النحوي، إذ الأصل فيه للفعل والاسم فرع عليه. وقد جعلنا من هذا العمل عنصرا مهما في تعلق هذه النيابة بالنحو ، وذلك من حيث صلة الأسماء النائبة بغيرها من الألفاظ.

بيد أن هذا لا يعني أننا اقتصرنا على هذا العمل فحسب، بل تناولنا النيابة من جهتين: الجهة الأولى، هو ما تؤديه الأسماء من دلالة مخالفة لدلالة الأفعال، والجهة الأخرى، هي ما تؤديه الأسماء للبنية من شكل لا يكون بغيرها.

وكذلك تحدثنا عن ظاهرة مختصة بالأسماء دون الأفعال وهي التنوين ؛ لنرى أثرها في المعنى ولا سيما أنها عنصر بارز في متغيرات البنية النحوية؛ لوجودها في الأسماء تارة، وزوالها عنها تارة أخرى .

أما الفصل الثاني، فقد اشتمل على خمسة مباحث:

المبحث الأول: نيابة المصدر المؤول عن المصدر الصريح.

المبحث الثاني: النيابة عن المفعول المطلق.

المبحث الثالث: التناوب بين المشتقات .

المبحث الرابع: نيابة المصدر عن المشتق في موضع (الخبر والصفة والحال).

المبحث الخامس: نيابة المفعول به عن الفاعل.

وواضح دليل النيابة هنا، إذ الأصل في اللفظ أو الرتبة عند النحاة أن يكون بصيغة معينة، ولكنه قد يأتي بصيغة أخرى ، فهو على سبيل النيابة، ولعل ذلك يبرز بالمعنى الاصطلاحي لها في المبحثين الأول والأخير، إذ يرد عند النحاة مصطلح النيابة فيها، وأيا كان شكل النيابة، فإنها تحقق معاني أخرى فوق المعاني الأصول.

وأما الفصل الثالث، فقد اشتمل على مبحثين رئيسين:

المبحث الأول: التناوب بين حروف الجر.

المبحث الثاني: التناوب بين حروف المعاني الأخرى.

ودليل النيابة في المبحث الأول يعود إلى نوع الفعل تعدية ولزوما، أو إلى تعدي الفعل بحرف دون غيره، بناء على أن هذه الحروف غالبا ما تكون صلة بين الفعل والمفعول.

وأما المبحث الثاني، فيمكن القول، إن مصطلح الإيثار يصدق عليه أحيانا، ومصطلح التناوب يصدق عليه أحيانا أخرى. فأما المصطلح الأول، فيتحقق من خلال إيثار حرف على حرف يشابهه في المعنى العام مع وجود اختلاف جزئي في الدلالة بينهما كـ(حروف النفي) مثلا، وإنما قلنا (إيثارا)؛ لأن الحرف لم يكن ذا دلالة مخالفة لما عليه الصلة بين الألفاظ من معنى كما هو الشأن بين حروف الجر آنفا. وأما المصطلح الآخر، فيتحقق من خلال وقوع الحرف خلافا لأصل دلالته المشهور بها، ومع أن المصطلح الأول هو الشائع في هذا المبحث، غير أن صلته بهذا الفصل قوية أيضا، ويمكن إطلاق مصطلح النيابة عليه مجازا ، ولا سيما في البنى المتشابهات إلا من الحروف فيها.

أما الفصل الرابع، فقد اشتمل على ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: التناوب بين المفرد والمثنى والجمع.

المبحث الثاني: التناوب بين التذكير والتأنيث.

المبحث الثالث: التناوب بين صيغ الغيبة والتكلم والخطاب (الالتفات).

ودليل التناوب في المبحثين الأول والثاني هو النحو، تبعا لوجوب التطابق بين المتلازم من الألفاظ فيه إفرادا وتثنية وجمعا ، وتذكيرا وتأنيثا، إلا أن بعض الألفاظ قد يأتي بصيغة مخالفة للواجب فيه على سبيل النيابة لغة بين هذه الصيغ أو الألفاظ.

أما المبحث الثالث، فمقيس على ما ورد في المبحثين الأول والثاني من ظاهرة انعدام المطابقة بين الألفاظ؛ وذاك لقيام الالتفات على انعدام المطابقة بين الجمل تكلما وغيبة وخطابا.

ومن حيث المنهج، فيحسن الحديث عن ملامحه الرئيسة التي وسم البحث بها، سواء أكانت تلك الملامح في المنهج العلمي أم المنهج الشكلي بوجه عام.

فمن ملامح المنهج العلمي ما يأتي:

- جاء المنهجان الوصفي والتحليلي مقترنين، تبعا لما قام عليه البحث من تنظير وتطبيق، فالمنهج الوصفي يعنى بجانب التنظير في إثبات أحكام النحو أو المتغيرات فيه، والمنهج التحليلي يعنى بأثر هذه المتغيرات في المعنى، وإنما اقترن المنهجان لتحقيق هدف البحث في الوصل بين النحو والمعنى، ولا شك في أن ذلك لا يكون إلا من خلال هذين المنهجين.

- جاءت جل شواهد البحث من القرآن الكريم؛ لأنه الكتاب الأسمى الذي نزل بلغة العرب، ولأنه الكتاب الذي بلغ الإعجاز بكلامه، فلا تعبير فيه إلا لمعنى مقصود.

- سعيت إلى إيجاد العلاقة أو الوحدة المعنوية بين المتغيرات النحوية، متى ما وجدت إلى ذلك سبيلا، سواء كان ذلك على مستوى التنظير أو التطبيق.

- بينت في مواضع أثر المتغيرات في البنية شكلا ومضمونا، ولعل ذلك يكون مطردا مع المتغيرات التي تحمل ظاهرا سمة الانفراد ، كـ(التنكير والتعريف، واسم الفاعل  والمفعول)؛ وذلك تبيانا لصلتها وعلاقتها بغيرها من الألفاظ، موافقة لبحثنا المعني ببنية النحو وليس بالإفراد .

- هناك موازنات يسيرة بين مذاهب النحاة أنفسهم، أو بينهم وبين أصحاب المعاني من البلاغيين ولا سيما في المسائل المهمة التي تتطلب الترجيح والاختيار لموافقة المعنى والسياق.

- وهناك أيضا تقديم لآراء النحاة على البلاغيين إذا كان بينهم اشتراك في بيان المعنى؛ إشارة إلى أنهم لم يغفلوه، بل تنبهوا له فكانوا هم أصحاب الشأن فيه.

- وتبعا لذلك تنوعت مصادر البحث بين النحو والبلاغة والتفسير، غير أن مصادر النحو هي الغالبة على المصادر الأخرى على وفق عناية البحث بالنحو بشكل رئيس وحاجته إلى مصادره تنظيرا وتطبيقا، وما وجود المصادر الأخرى إلا لعنايتها ببعض جوانب المعنى فيه.

- وكان الاهتمام بالمصادر القديمة ؛ لتأكيد أصول النحو العربي القديم وبيان مافيه من ثروة في المعنى، فضلا عن قيامها أصلا خدمة للقرآن الكريم، بخلاف المراجع القائمة على النظريات الحديثة ، كـ(التحويلية والتوليدية والأسلوبية)، فإنها للأدب أقرب منها للقرآن.

ومن ملامح المنهج الشكلي ما يأتي:

- الفصل بين المتغيرات النحوية على شكل بابين يرجع إلى الاختلاف البارز بين طبيعتها وصيغتها.

- الترتيب الشكلي بين بابي البحث وفصوله ومباحثه وفقراته تقديما وتأخيرا مبني على شيئين رئيسين بوجه عام هما: موافقة ترتيبه عند النحاة، أو عناية بأهمية المادة فيها، فمن موافقة الترتيب عند النحاة جاء تقديم مادة الباب الأول على الثاني؛ وذاك لما ورد فيها من ذكر المبتدأ والخبر والفعل والفاعل فضلا عن ذكر الفضلات بوجه عام سواء أكان ذلك تقديما وتأخيرا أم حذفا وتقديرا أم تنكيرا وتعريفا 000 فإنها أسبق عند النحاة من مادة الباب الثاني الذي اشتمل مثلا على اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر المؤول والصريح وحروف المعاني.

وكذلك جاء تقديم مواضع الوجوب على مواضع الجواز في الفصلين الأولين؛ مراعاة لتقديمها عند النحاة، فضلا عن الاهتمام بها.

ومن التقديم عناية واهتماما ورد تقديم الفصلين الأولين على الفصل الثالث في الباب الأول، فمع أن النكرة والمعرفة هما المتصدرتان كتب النحاة، غير أن ظاهرتي التقديم والتأخير، والحذف والتقدير أهم منها شكلا ومعنى.

وكذلك شأن فصول الباب الثاني، فإن ترتيبها جاء موافقا للعناية والاهتمام؛ فنيابة الاسم عن الفعل أهم من التناوب بين الأسماء، والتناوب بين الأسماء أهم أيضا من التناوب بين الحروف، وإن كانت جميعها مهمة ، إلا أن هناك نوعا من التفاضل بينها سواء أكان ذلك على مستوى الشكل أم المضمون. نتائج الدراسة:

في خاتمة هذا الدراسة توصلنا إلى نتائج عدة، منها ما اتسم بالعموم، إذ جاء في عموم الأطروحة، ومنها ما اتسم بالخصوص، إذ جاء في المادة المدروسة في المباحث أو الفقرات.

فمن النتائج العامة ما يأتي:

- إن بين النحو والمعنى صلة وأسبابا، ولم يكن النحو مقتصرا على ما في أواخر الألفاظ من علامات.

- إن للنحاة اهتماما بالمعنى إلى جانب اهتمامهم بصنعة النحو والإعراب.

- إن البنى النحوية أساس في أداء المعنى الموافق للموقف أو المقام أو مقتضى الحال.

- إن معاني النحو تنقسم على قسمين رئيسين: أحدهما وظيفي، قائم على الوضع الأول للألفاظ إسنادا وتعليقا ، والآخر، معنى مزيد على الأول يتناسب مع الموقف والسياق، وإنما جعلناه معنى نحويا مع أنه منسوب إلى البلاغة كثيرا لقيامه على تغير ذلك الإسناد والتعليق.

- هناك صلة بين المتغيرات النحوية وما ينشأ عنها من معنى بوجه عام، وهناك وحدة معنوية بين شواهد القرآن القائمة عليها.

- إن تعليل المتغيرات النحوية ضمن المعنى والسياق هو الأوفق لها.

ومن النتائج الخاصة ما يأتي:

- إن التقديم والتأخير ينقسم من حيث اقترانه بالحكم النحوي ثباتا وتغيرا على قسمين: أحدهما، يبقى اللفظ المقدم فيه على حكمه النحوي الذي كان عليه، والآخر، يتغير معه ذلك الحكم من باب إلى باب.

- وتبعا لذلك، فإن القسم الثاني يفوق القسم الأول وظيفة ومعنى؛ بناء على اجتماع تغييرين للفظ فيه: أحدهما في الموضع، والآخر في الإعراب.

- إن مواضع الوجوب في التقديم تنقسم على قسمين من حيث أثرها في المعنى: قسم، يكون الوجوب فيه أصالة فلا يؤدي سوى المعنى الوظيفي الأول ، وقسم آخر، يكون الوجوب فيه فرعا ، وهذا هو الذي يؤدي المعنى الموافق لمقتضى الحال.

- إن جواز التقديم قد يكون نظيرا لوجوبه إن حصل في تأخير اللفظ لبس في المعنى ومشكل فيه.

- إن المعنى دليل على معرفة التقديم والتأخير ، وهو بذلك يشترك مع دلالة الرتبة وعلامة الإعراب، وإنه دليل أيضا على التمييز بين الرتب تمييزا قد يخالف حكم النحو في بعض الوجوه ، ولكنه يوافقه في وجوه أخرى.

- إن تتبع المحذوف من حيث المبدأ- أمر تقتضيه الصنعة ويطلبه المعنى على حد سواء.

- إن الحذف الواجب ينتهي إلى الرفض أو القبول، تبعا لقيامه على الصنعة فحسب، أو مراعاة المعنى معه. وهذا إنما يثبت للنحو اهتماما بالمعنى في الحكم على بعض مواضع الحذف بالوجوب.

- إن هناك اختلافا في التقدير نوعا وموضعا، وإن التقدير الأمثل هو ما ناسب أحكام النحو ومعانيه، فضلا عن مناسبة السياق.

- ليست العمدة هي الواجب تقديرها عند النحاة فحسب، بل هناك عناصر متلازمة ، وفضلات واجب تقديرها -عندهم- أيضا، بناء على حاجة المعنى إليه.

- ليس المعتمد في الوصول إلى المحذوف صنعة النحو والإعراب فحسب، بل المعنى معتمد في ذلك أيضا.

- إن النكرة والمعرفة لا يتفاضلان في الاستعمال خفة وثقلا، بل يتفاضلان في تكوين البنية شكلا ومعنى، تبعا لاختلافهما في الدلالة والصفات.

- وإن تفاضلا قائم أيضا بين ضروب المعرفة نفسها؛ بما لها من تباين في الشكل والمضمون.

- إن للقصر أساسا نحويا يقوم عليه، وذاك يتمثل في وجود رتبتين متلازمتين منه إسنادا وتعليقا، فضلا عن وجود أداة أو صيغة تجمع بينهما.

- إن تعدد طرق الحصر والقصر دليل على ثراء اللغة وتنوع صيغها، وهي ليست من قبيل الترادف، بل بينها فروق جوهرية في النحو والمعنى.

- إن من أقسام القصر ما هو قائم على النحو بشكل رئيس، وذاك هو القائم على أساس الصفة والذات، إذ يعتمد النحو على هاتين الصيغتين كثيرا.

- إن أحكام الوجوب انتقلت من النحو إلى البلاغة في تمييز مواضع المقصور من المقصور عليه، وهذا الوجوب يمنح المعنى دقة وبيانا.

- إن الفصل والوصل عند البلاغيين صلة وامتداد لباب العطف عند النحاة؛ وذاك لقيامهما على أساس واحد، سوى أن الباب الأول مختص بين الجمل، والآخر بين المفردات.

- إن للنحو والإعراب نصيبا كبيرا في التمييز بين الجمل فصلا ووصلا، وإن إهمال هذين الموضعين أو تغييرهما إنما هو إهمال للمعنى أو تغيير له إلى حد النقيض.

- إن من مواضع الفصل ما لا يكون شاهد له من القرآن، وذاك هو موضع انعدام المناسبة بين الجملتين؛ بناء على تحقق المناسبة بين الآيات، سواء أكانت بظهور أم بتدبر وخفاء.

- إن جملة الحال بحث قائم على مبدأ الفصل والوصل؛ وذلك لاقترانها بالواو تارة وامتناعها منه تارة أخرى، وإن الأساس المعتمد في الوصول إلى هاتين الحالتين هو النحو والمعنى.

- إن لنيابة الاسم عن الفعل دلالتين: إحداهما عامة والأخرى خاصة، فأما الدلالة الأولى فتكمن في أنها لا تتحدد في أداء الاسم عمل الفعل وإجرائه مجراه فحسب، بل إن فيها زيادة معنى، لاختلاف الدلالة بينهما من تجدد إلى ثبوت ، ومن حدوث إلى استمرار.

- وإن وقوع الاسم بدلا من الفعل من شأنه أن يكون بنية جديدة لا تكون بغيره، تبعا لعلاقة الاسم بغيره من الألفاظ .

- وإن التنوين في هذه الأسماء إلا اسم الفعل دليل على عملها دون إضافتها، وإن وجوده أو انعدامه يعد تمييزا للمعنى بين حال وحال .

- وأما الدلالة الأخرى، فتكمن في أن اسم الفاعل يحقق للبنية سمة الإيجاز ؛ بناء على دلالته على الفعل وفاعله في الآن نفسه، وأن اسم المفعول يحمل فضلا عن ذلك معنى مركبا، لاجتماع تغييرين فيه: أحدهما، هو لفظه بحد ذاته، والآخر، هو أصله المشتق منه فهو فعل بني للمفعول ، وأما اسم الفعل، فإن سمة المبالغة هي الغالبة عليه ، وأما المصدر ، فله حالتان ينوب فيهما عن الفعل: إحداهما، بمعناها اللغوي القائم على وقوع لفظ محل لفظ، وأخراهما، بمعناها الاصطلاحي القائم على الحذف والإحلال.

- إن لنيابة المصدر المؤول عن المصدر الصريح دلالات عدة، تنشأ من الأداة المصدرية أو الفعل المقترن بها.

- وإن لهذه النيابة أثرا نحويا في تكوين بنية لا تكون بغيره ، كـ(سده مسد المفعولين) في باب ظن وأخواتها، بخلاف المصدر الصريح، فإن وقوعه مفردا لا يحقق للبنية تمامها.

- إن نيابة بعض الأسماء عن المفعول المطلق لا تكون من قبيل الحذف والإحلال على نحو ما ذهب بعض النحاة ، بل هي نيابة تكون بوقوع لفظ مكان لفظ؛ لأن غرض النيابة يتحدد باللفظ النائب دون إرادة ما ناب عنه من مصدر أو مفعول.

- لا يكون التناوب بين المشتقات طريقا إلى المجاز فحسب، بل قد تراد الحقيقة من اللفظ نفسه أيضا، وبعبارة أخرى ، فإن الحقيقة والمجاز قد يجتمعان في لفظ واحد طلبا للمعنى ومناسبة للسياق.

- إنه لا تنافي بين المصدر والخبر أو الصفة أو الحال إذا ما وقع موقع المشتق فيها، بل الإتيان بهذه الرتب بلفظ المصدر دون المشتق يفيد ما يفيده المشتق مع زيادة فائدة ؛ فهو أقل مبنى وأتم معنى.

- إن نيابة المفعول به عن الفاعل تؤدي دلالات عدة، ومنها بشكل رئيس هو القصد إلى المفعول.

- إن في الحروف دلالة ناقصة قبل دخولها البنية أو التركيب، وإن هذا هو السبب في حصول التناوب بينها، بحسب الأحوال الداعية إليه.

- إن الاستعارة والتضمين اللذين قال بهما البصريون في تخريج ما ظاهره نيابة عندهم هما في الحقيقة غرضان من أغراض التناوب بين الحروف.

- إن مصطلح الإيثار هو الأقرب في كثير من الأحيان من مصطلح النيابة إلى حروف المعاني الأخرى، ولكن مع ذلك فإن استنباط الدلالات متحقق فيها ولا سيما إذا تشابهت البنى سوى من هذه الحروف.

- ليس بمستنكر في النحو العربي أن يكون اللفظ واحدا والمعنى جميع وكذلك الشأن بين الصيغ العددية الأخرى ولكنه خروج عن الأصل لانعدام المطابقة بين المتلازم من الألفاظ فيه.

- وليس بمستنكر أيضا أن يكون اللفظ بصيغة التذكير بدلا من التأنيث ، وكذلك العكس يجوز.

- إن الالتفات مقيس على انعدام المطابقة بين الألفاظ إفرادا وتثنية وجمعا، وتذكيرا  وتأنيثا؛ وذلك لانعدام المطابقة فيه غيبة وتكلما وخطابا، وهو بذلك ينتقل من علم البديع إلى علم المعنى والبيان.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات