براءة الحنفيّة من الفرق البدعية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:  

فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

وبعد؛

التمهيد:

فإن أعظم نعم الله عزًّ وجلَّ على هذه الأمة أن أنزل إليها خير كتبه، وأرسل إليها أفضل خلقه وخاتم أنبيائه ورسله، وجعلها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110] ثم جعل الصحابة والتابعين وأتباعهم بالحق على بصيرة بفهم نصوص الكتاب والسنة والتمسك بهما والاعتصام بهديهما، ثم جعل من العلماء في كل عصر من دعا إلى كتاب الله والسنة، ليبددوا بهما أرجاس الشركيات والوثنيات، ويبددوا بهما ظلمات البدع والخرافات ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكلهم متفقون على وجوب التمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وترك كل قول يخالفهما؛ فهذا الإمام أبو حنيفة يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي." ويقول: "لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت." [1]

وهذا يقول الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه..." [2]

وهذا الشافعي يقول: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فقولوا بسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم– ودعوا ما قلت"، وفي رواية: "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد..." [3]

وهذا الإمام أحمد يقول: "من رد حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فهو على شفا هلكة..." [4] ويقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا..." [5]

 

تعصب الناس لأبي حنيفة:

تلك أقوال الأئمة –رضي الله عنهم– في الأمر التمسك بالسنة والنهي عن مخالفتها، ومع ذلك فقد تعصب بعض الناس للأئمة وخاصة للإمام أبي حنيفة، وخصوصاً الكوثري الذي لقب بـ"مجنون أبي حنيفة"، ومنهم حتى قاربوا به منازل النبيين والمرسلين، فزعموا أن التوراة بشرت به، فقد روى المكي عن عبد الكريم بن مسفر أنه قال: "سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: مكتوب في التوراة صفة كعب الأحبار والنعمان بن ثابت ومقاتل بن سليمان" [6] ومن ذلك زعم بعضهم أن محمداً –صلى الله عليه وسلم– ذكره باسمه وبين أنه سراج أمته، ومن زعم ذلك أن الرسول –صلى الله عليه وسلم– قال: "سيكون في أمتي رجل أسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي" [7] واستدل بعض الحنفية به على فضل أبي حنيفة، قال الخطيب: "هو حديث موضوع تفرد بروايته البَوْرقي وقد شرحنا فيما تقدم." يشير إلى ما ذكره في ترجمة محمد بن سعيد البَوْرقي [8]، ثم قال: هذا البَوْرقي قد وضع المناكير على الثقات ما لا يحصى وأفحشها روايته عن بعض مشايخه، عن الفضل بن موسى السناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ثم ذكر الحديث وقال على أثره هكذا حدث به في بلاد خراسان، ثم حدث به بالعراق وزاد فيه أنه قال: "سيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من فتنة إبليس"، قال الخطيب بعده: "ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب كأنه لم يسمع حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" نعوذ بالله من غلبة الهوى ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى."[9]

كما أن بعضهم نعتوه بالصفات والمناقب ما عدوا به رتبته وتجاوزوا معه درجته، ومن ذلك قول الحصكفي: "أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولاً إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، قد جعل اللهُ الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام إلى أن يحكم بمذهبه عيسى –عليه السلام–" [10] وهذا القول تَقَوُّلٌ وغلو ظاهر وتنقص لنبي الله عيسى –عليه السلام– إذ كيف يظن بنبي أن يتبع عالماً مجتهداً؟! وقد رد ذلك قول ابن عابدين في حاشيته ونقل قول السيوطي في رد ذلك وفيه: "... ما يقال إنه يحكم أي عيسى -عليه السلام– بمذهب من المذاهب الأربعة باطل لا أصل له. وكيف يظن بنبي أنه يقلد مجتهداً مع أن المجتهد من آحاد هذه الأمة لا يجوز له التقليد، إنما يحكم بالاجتهاد..." [11] كما زعم الحصكفي أن سهل بن عبد الله التستري قال: "لو كان في أمتي موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا ولما تنصروا." [12] ولهذا القول رد، فقد كانت في الحنفية أبو حنيفة نفسه، ومع ذلك فإن من الحنفية من أعتزل وتشيع وتجهم وانحرفوا عن الإسلام، فلو تهودوا أو تنصروا لكان خيراً لهم من أن يتجهموا أو يعتزلوا أو يتشيّعوا. والأحرى أن هذا كذب على سهل، وهو قول باطل في نفسه فقد عبد بنو إسرائيل عجلاً وهارون نبي الله بينهم، وكذلك كفر من كفر منهم وعيسى –عليه السلام– بين أظهرهم كما قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ}[آل عمران:52] ومن ذلك قول الحصكفي: "وعنه –عليه السلام-: إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني" [13] وهذا لا شك كذب محض لا يجوز ذكره فضلاً عن اعتقاده.

 

مكانة أبو حنيفة العلمية:

فإنه ليس بالغريب أن يفترى على الإمام أبو حنيفة –رحمه الله تعالى– الكذب وذلك لمكانة علمية رفيعة، فقد أخذ من العلوم الشرعية نصيباً وافراً فنبغ في العلوم الشرعية، ولقد كانت له قدرة على الإفتاء والتدريس وحل المشكلات الدقيقة التي تعرض عليه. وكان له مع ذلك معرفة في علم الكلام والجدل؛ إذ كانت معرفته تلك مرتبطة بنشأته بالكوفة؛ حيث كانت موطناً لأهل الأهواء والملل والنِّحل المختلفة، والفرق المتباينة، وإذا كان المجتمع على هذه الشاكلة كثر فيه الجدل والمناظرات حول العقائد. لذلك أنشغل إمام السلفية أبو حنيفة –رحمه الله– في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام حتى برع فيه ونبغ، وبلغ فيه مبلغاً يشار إليه بالبيان، وكان به يجادل وعنه يناضل، وكان يرتحل إلى البصرة لمناقشة أصحاب الخصومات، وهذا ما يدله قوله: "كنت رجلاً أعطيت جدلاً في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة، فدخلت البصرة نيفاً وعشرين مرة..." [14] وقال قبيصة بن عقبة: "كان الإمام أبو حنيفة –رحمه الله– في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأساً في ذلك منظوراً إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنَّة وصار إماماً" [15] وهناك ممن ينتسب إلى الحنفية كالماتريدية يقول بأن إمام السلفية أبو حنيفة لم يترك الكلام تركاً كلياً بعد أن فضح المتكلمين وأظهر عوراتهم، وهذا الكلام فيه تخليط لأن الإمام أبا حنيفة ترك علم الكلام تركاً كلياً وصرح بذلك مبيناً سبب الترك، حيث قال: "رأيت المشتغلين بالكلام قاسية قلوبهم، غليظة أفئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولو كان خيراً لاشتغل به السلف الصالحون." [16] وهذا القول يرد زعم من زعِم إن الماتريدية ليست إلا استمراراً لمدرسة الإمام الأعظم، من غير أن يكون بينهما إلا فرق بسيط، ولا يعتد به. [17] فكيف يقال إن الماتريدية ليس إلا استمراراً لمدرسة الإمام أبي حنيفة والماتريدية خالفت أبا حنيفة في نفي كثير من الصفات الإلهية، والقول بكلام النفسي، وفي مسمى الإيمان، وفي مصادر الاستدلال في الاعتقاد؟!

لم ينبغ الإمام في الكلام والجدال فحسب، فحين أراد الله بالإمام خيراً ترك علم الكلام والجدال، حتى أصبح إمام الفقه في عصره، ساعده على ذلك ما فطره الله عليه من الذكاء والفطنة والسجايا الحسنة كالصبر والحلم، وهذه الأمور كلها ساعدت على نبوغه؛ ففاق أقرانه والكثير من أهل عصره في هذا العلم، فكان الناس عيالاً عليه، كما قال الإمام الشافعي: "من أراد أن يعرف الفقه؛ فليلزم أبا حنيفة وأصحابه؛ فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه." [18] وقال عبد الله بن المبارك: "أبو حنيفة أفقه الناس" [19] وقال حفص بن غياث: "كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشَّعر" [20] وقد صدق حفص بن غياث، فمن المسائل الفقهية الدقيقة التي عرضت على أبي حنيفة، ما ذكره الصالحي عن وكيع قال: "كنا عند أبي حنيفة فأتته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني منها ديناراً واحداً، قال: ومن قسم فريضتكم؟ قالت: داود الطائي. قال: هو حقك أليس خلَّف أخوك بنتين؟ قالت: بلى، قال: وأُمَّاً؟ قالت: بلى، قال: وزوجة؟ قالت: بلى، قال: واثني عشر أخاً وأختاً واحدة؟ قالت: بلى، قال: فإن للبنات الثلثين أربعمائة، وللأم السدس مائة، وللمرأة الثمن خمسة وسبعين، ويبقى خمسة وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرون لكل أخٍ ديناران، ولكِ دينار." [21] لذلك قال الذهبي في فقه أبي حنيفة: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه – ثم أستشهد بهذا البيت:

وليس يصح في الأذهان شيءٌ                 إذا احتاج النهار إلى دليل [22]

 

سلفية أبو حنيفة:

أن من أهل البدع من انتسبوا إلى الإمام أبي حنيفة النعمان –رضي الله عنه- كالماتريدية وغيرهم، ونسبوا إليهم عقيدة التعطيل بالتأويل الباطل، وهذا فرية بلا مرية، ومن شك في ذلك، فليطالع "الفقه الأكبر" و"الفقه الأبسط" و"العقيدة الطحاوية" و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة" يظهر له أن زعمه موقع له في خسران، وإن ليس كل من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة وبقية أئمة أهل السنة والجماعة -رضوان الله عليهم- يعدُّ موافقاً له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى الإمام أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف، فبالمقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية يظهر إنَّهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع، وإنه ليس من منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام الإمام تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويضٌ مقيَّدٌ بنفي العلم بالكيفيَّة فقط لا المعنى، فقد أثبت الإمام جميع الصفات: ذاتيَّة كانت أو فعليَّةً بدون تأويلٍ، أو تحريفٍ، وظلَّ ملتزماً بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يُؤوِّل اليد بالقدرة أو النعمة، والرضا بالثواب، والغضب بالعقاب. فهم يُأولون صفات الله تعالى بلا ضابط شرعي فيُأولون الاستواء بالاستيلاء كالمعتزلة والجهمية، والحق أن يثبت صفات الله بلا كيف ولا تعطيل، وهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل. فعقيدة الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رضوان الله عليهم- اعتقاد واحدٌ في أصول الدين. وقد جمعت نصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد. إن عقيدة الإمام أبو حنيفة النعمان -رضي الله عنه- في توحيد الأسماء والصفات، واضحة جلية غير قابلة للتأويل، وبيان ذلك:

1)        قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولك يكن له كفواً أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه. [23[

2)        قال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال… [24[

3)        قال البزدوي: العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسُّنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنُّة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة -رضي الله عنه- في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات الصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله. [25[

4)        قال الإمام أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله تعالى ربّ العالمين. [26[

5)        سئل الإمام أبو حنيفة عن النزول الإلهي، فقال: ينزل بلا كيف. [27[

6)        قال الملاَّ علىُّ القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف مجهول…": اختاره إمامنا الأعظم –أي أبو حنيفة– وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذْ تَعقُّل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم كيفية الصفات. والعصمة النَّافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزهاً عن التشبيه، ونفيك منزَّهاً عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبَّهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبِّه، ومن قال استواء ليس كمثله شيء فهو الموحِّد المنزه. [28[

7)        قال الإمام أبو حنيفة: ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأنَّ فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال. [29[

8)        قال الإمام أبو حنيفة:وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه. [30[

9)        قال الألوسي الحنفيُّ: أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التَّشبيه والتجسيم. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعيَّ، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزيُّ، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهُويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني.. [31[

10)   قال الإمام أبو حنيفة: ولا يشبه شيئاً من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته... [32[

11)   قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلَّم لا ككلامنا... [33[

12)   قال الإمام أبو حنيفة: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين. [34[

13)   قال الإمام أبو حنيفة: وصفاته الذاتية والفعلية: أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة، وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته. [35[

14)   قال الإمام أبو حنيفة: ولم يزل فاعلاً بفعله، والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى، والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق. [36[

15)   قال الإمام أبو حنيفة: من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض. [37[

16)   قال الإمام أبو حنيفة للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: إن الله سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض، فقال رجل: أرأيت قول الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ}[الحديد: 4] قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه. [38[

17)   قال الإمام أبو حنيفة: والقرآن غير مخلوق. [39[

18)   قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق. [40[

19)   قال الإمام أبو حنيفة: ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة. [41[

انتشار مذهب أبو حنيفة وانحراف بعض المنتسبين إليه:

فكلام هؤلاء الأئمة في تقدير فقه الإمام أبي حنيفة ليس فيه مبالغة؛ فأثر فقه الإمام واضح على تلاميذه، وعلى من جاء بعدهم، فالمنتسبون إلى مذهبه في زماننا هذا جمع غفير من أمة الإسلام. وممَّا ساعد على انتشار مذهبه أن قيض اللهُ لأبي حنيفة تلامذة نشروا المذهب، تأليفاً وتدريساً وإفتاءً. ثم إن منهم من تولى القضاء، فصار سبباً في شيوع مذهب أبي حنيفة في القرون الأولى. ولقد انتسب إلى مذهب أبي حنيفة في القديم والحديث أناس كثيرون، منهم من وافقه في الأصول والفروع، ومنهم من وافقه في الفروع فحسب، وهم في الأصول على طريقة المتكلمين وهذا أمر اعترف به أحد علماء الحنفية فقد قال اللكنوي الحنفي ما نصَّه: "وتوضيحه أن الحنفية عبارة عن فرقة تقلِّد الإمام أبا حنيفة في المسائل الفرعية... سواء وافقته في أصول العقائد أم خالفته، فإن وافقته يقال لها (الحنفية الكاملة) وإن لم توافقه يقال لها (الحنفية) مع قيدٍ، يوضِّح مسلكه في العقائد الكلاميَّة، فكم من حنفي حنفيٌّ فرعاً مرجئٌ أو زيديٌ أصلاً وبالجملة فالحنفية لها فروع باعتبار اختلاف العقيدة فمنهم الشيعة ومنهم المعتزلة ومنهم المرجئة..." [42]

ثم بيَّن النسبة بين الحنفية وبين أهل السنَّة فيذكر: أن النسبة بين الحنفية –بمعنى المتابعين له أصلاً وفرعاً– وبين أهل السنَّة عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل حنفي بهذا المعنى من أهل السنة ولا عكس لأنَّه قد يكون من أهل السنَّة ولم يكن حنفياً كأهل السنة من المالكية والشافعيَّة وغيرهم. فأهل السنَّة وبين الحنفية –التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع بدون اشتراط موافقة العقيدة– عموم وخصوص من وجهٍ، فمادة الافتراق من يكون حنفياً ولا يكون من أهل السنَّة وليس حنفياً أصلاً كأهل السنة من الشافعيَّة ونحوهم فهاتان المادَّتان مادَّتا الافتراق، أما مادَّة الاجتماع فمن يكون حنفياً فرعاً وأصلاً فهو من أهل السنة أيضاً.

والنسبة بين أهل السنة وبين الحنفية الناقصة –التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع فقط مع اختلاف في العقيدة– نسبة تباين كلِّي كالحنفية المرجئة والحنفية المعتزلة ونحوهم ليسوا من أهل السنَّة. [43] ولقد ذكر العلامة عبد الحي اللكنوي في كلامه هذا خمس فرق تنتسب للحنفيَّة وهي:

أولاً: الحنفية الكاملة (السلفية).

ثانياً: الحنفية من الشيعة (الرافضة).

ثالثاً: الحنفية من الزيديَّة.

رابعاً: الحنفية من المعتزلة.

خامساً: الحنفية من المرجئة.

وقد أضاف الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس [44]:

سادساً: الحنفية من الجهمية.

سابعاً: الحنفية من الاتحادية.

وبيان ذلك:

أولاً: الحنفية الكاملة [السلفية]:

ويعني بها اللكنوي من وافق الإمام أبا حنيفة في الفروع وأصول العقيدة وهذه أسماء طائفة ممَّن انتسب إلى أبي حنيفة ممن وافقه في الاعتقاد سواء من تلامذته أو ممَّن جاء بعده وانتسب إلى مذهبه في الفروع. ونكتفي بذكر الموافقين لأبي حنيفة في الاعتقاد إلى القرن الرابع الهجري إذ في هذا القرن وبعده ظهر التقليد لأبي منصور الماتريدي وأبي حسن الأشعري في الأصول ثم استحكمت أطنابه فيما بعد ذلك إذ مشى غالب الحنفية على عقيدة أبي منصور الماتريدي وذلك لانتشار على الكلام في نواحي بلاد المسلمين في تلك الحقبة الزمنية وتغلب المتكلمين وتصدرهم في أماكن حسَّاسة كالمدارس والقضاء والإفتاء والخطابة فزاحمت العقيدة الكلاميَّة الماتريدية العقيدة السلفية التي عليها الإمام أبو حنيفة حتى أزالتها فلا يعرف حنفي إلا وهو ماتريدي في الاعتقاد. هذا في الجملة وإلا فإنه يوجد فئات من الحنفية سلكت ما قرَّره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة كابن أبي العز الحنفي شارح عقيدة الإمام الطحاوي. ومن هؤلاء الحنفية الكاملة (السلفية):

1)        زفر بن الهديل المتوفى سنة 158هـ:

هو زفر بن الهذيل بن قيس الكوفي, من تميم وأصله من أصبهان . أبو الهذيل. فقيه كبير من أصحاب أبي حنيفة, وأحد الذين دونوا الكتب. أقام بالبصرة وتولى قضائها وتوفي فيها. كان في أول أمره من أصحاب الحديث, ثم غلب عليه الرأي (القياس) فكان أقيس أصحاب أبي حنيفة. كانوا يقولون : إن أبا يوسف أتبعهم للحديث, ومحمد بن الحسن الشيباني أكثرهم تفريعا, وزفر بن الهذيل أقيسهم. وكان زفر يقول: "نحن نأخذ بالرأي ما دام لا يوجد أثر, فإذا جاء الأثر تركنا الرأي." [45] وقد امتحن بالقضاء فأبى فعوقب بهدم داره أكثر من مرة. [46]

2)        إبراهيم بن طهمان المتوفى سنة 163هـ [47[:

كان شديداً على الجهمية [48] حتى إنه أخَّر رحلته إلى الحجِّ للرَّد على الجهمية [49] وألَّف في الرَّد عليهم كتاباً بعنوان "سنن ابن طهمان" المطبوع باسم مشيخة ابن طهمان وهو أول كتاب وصل إلينا في الرد على الجهمية [50]، وذكره اللالكائي فيما أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن [51]، ورُمِيَ بالإرجاء وذكر ابن حجر أنَّه رجع عنه. [52]

3)        القاسم بن معن المسعودي المتوفى سنة 175هـ [53[:

روى له أصحاب السنن، وثَّقه أحمد وأبو حاتم وقال عنه أبو داود: "كان ثقةً يذهب إلى شيءٍ من الإرجاء" [54] وقال عنه ياقوت: "كان فقيهاً على رأي أبي حنيفة ولقيه... وكان عالماً بالحديث والفقه والشِّعر والنسب وأيَّام الناس" [55]

4)        يعقوب بن إبراهيم القاضي (أبو يوسف) المتوفى سنة 182هـ:

هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي. أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وتلميذه، وأول من صنف الكتب على مذهبه وأملى المسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. اشتغل برواية الحديث، وروى عن أئمة المحدثين وتفقه أولا بابن أبي ليلى ثم انتقل إلى أبي حنيفة. رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، وناظره في مسائل كان يقول فيها بمذهب أهل العراق فرجع عنها لقول مالك، ثم رجع إلى العراق بأفكار أهل الحجاز فمزجها بمذهب العراقيين، ورجع في كثير من المسائل إلى رأي مالك، فهو أول من قرب بين المذهبين. تولى القضاء سنة 166 هـ في عهد الخليفة المهدي واستمر في القضاء أيام الهادي والرشيد، وجعله الرشيد قاضيا للقضاة في جميع مملكته، وأصبحت تسمية القضاة راجعة إليه من خراسان إلى أفريقية وهو أول من كان له هذا المنصب الخطير، وقيل في سبب ذلك أن الرشيد قال لزوجته زبيدة: أنت طالق ثلاثا إن بت الليلة في مملكتي، ثم ندم الرشيد وأراد مخرجا، فاستفتى أبا يوسف، فقال: تبيت في بعض المساجد فإن المساجد لله، فولاه قضاء القضاة. هو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان يحضر مجلس قضائه العلماء على طبقاتهم. كان واسع العلم بالتفسير والمغازي وأيام العرب. مكث في القضاء من بعده ابنه يوسف وكان نائبه على الجانب الشرقي من بغداد. مات وهو في منصب القضاء، وله من العمر 69 عاماً. من آثاره كتاب الخراج وقد ألفه للرشيد، وكتاب النوادر، وأدب القاضي، والأمالي في الفقه، والرد على مالك بن أنس، وغير ذلك، وقد اندثر جل كتبه. [56] وقد قرَّر الطحاوي عقيدة أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، أبي جعفر في الرِّسالة التي كتبها في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة على مذهب فقهاء الملَّة أبي حنيفة وصاحبيه، ومن جملة ما قرَّره اعتقادهم في الإيمان أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان [57] غير أن ابن حبان ذكر أنه يباين صاحبيه في الإيمان. [58] وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن وروى اللالكائي عن أبي يوسف: "من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه وفرض مباينته" [59] وذكره اللالكائي فيمن منع الصلاة خلف القدرية. [60] وقال: "لا أصلي خلف جهمي ولا رافضي ولا قدري"[61].

5)        يحيى بن زكريا بن أبي زائدة المتوفى سنة 183هـ [62[.

روى له الجماعة، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن [63]، وأقرَّ قول مالك فيمن قال القرآن مخلوق بأنَّه كافرٌ زنديقٌ [64].

6)        محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189هـ:

هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء. أبو عبد الله وأبو الحسن. أصله من قرية حرستا من غوطة دمشق. قدم أبوه من تلك القرية إلى واسط فولد فيها ابنه محمد ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة وأخذ عنه طريقته ولم يجالسه كثيرا لوفاة أبي حنيفة وهو حدث، فأتم الطريقة على أبي يوسف، وغلب عليه مذهب عرف به، وكان هو المرجع لأهل الرأي في حياة أبي يوسف فنشأت بينهما وحشة استمرت زمنا حتى توفي أبو يوسف رحل إلى المدينة وأخذ عن مالك بن أنس، وأخذه عن مالك كبح جماحه عن التغالي في الرأي، فأدخل بسبب ذلك تعديلا كبيرا على أهل الرأي. اتصل بالشافعي لما كان بالعراق وناظره في مسائل كثيرة، ذكرها الشافعي في كتابه "الأم" وغيرها من كتب الشافعي. انتقل إلى بغداد فولاه الرشيد قضاء الرقة ثم اعتزل القضاء ووقف نفسه على تعليم الفقه، وقد قيل إن علاقته ساءت مع الرشيد بسبب فتواه في مسألة أمان الطالبي، فتعرض لغضب الرشيد وفتشت كتبه خوفا من أن يكون فيها شيء مما يحض الطالبيين على الخروج، وما هي إلا فترة حتى صلح الحال بينه وبين الرشيد وخرج معه إلى الري ومعه الكسائي أيضا، فماتا في يوم واحد ودفنا هناك، وقال الرشيد في موتهما: لقد دفنت اللغة والفقه جميعا. عن محمد بن الحسن أخذ العلماء مذهب أبي حنيفة، فإن الحنفية ليس في أيديهم إلا كتبه وهي مستندهم في مذهب أبي حنيفة، وهي على قسمين: كتب رويت عنه واشتهرت حتى اطمأنت إليها نفوسهم تعرف بكتب "ظاهر الرواية" وهي كتاب: الجامع الصغير وهو كتاب في الفروع مجرد عن الأدلة والجدل، وكتاب "الجامع الكبير" وهو أطول من الصغير، وله كتاب ثالث هو كتاب "المبسوط" ويعرف عند الحنفية بالأصل وهو أطول كتاب أملاه شمس الأئمة السرخسي. وهو أهم كتاب عند الحنفية القدماء، وله كتاب "السير الكبير" وكتاب "السير الصغير" وتشتمل على أحكام الجهاد وشريعة الحرب وكتاب "الرد على أهل المدينة" وله كتاب "الآثار" الذي يحتج به الحنفية، والقسم الثالث من كتبه لم تشتهر عنه وهي الكتب التي تعرف عند الحنفية بالنوادر، وهي في درجة ثانية من الاعتماد عندهم، والقسم الأول من كتب محمد بن الحسن الشيباني هي أساس مذهب الحنفية وهي التي اشتغل بها علماؤهم وعليها عولوا شرحاً وتعليقاً. [65] قرَّر عقيدة محمد بن الحسن وأبي حنيفة وأبي يوسف، أبو جعفر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن [66] وكان لا يرى الصلاة خلف من قال القرآن مخلوق [67]، ويأمر من صلَّى خلف من يقول: القرآن مخلوق، بالإِعادة. [68] وروى اللالكائي عن محمد بن الحسن أنه ذكر اتفاق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– في صفة الرب عزَّ وجلَّ.

7)        حفص بن غياث القاضي المتوفى سنة 194هـ [69[:

روى له جماعة، وذكره البخاري في علماء الأمصار الذين يقولون: إن القرآن كلام الله [70]، وكذا اللالكائي ذكره فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن [71]، فمن قال: القرآن مخلوق فهم عنده جهميَّة لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم [72]، روى عنه البخاري حديث الصوت في صحيحه. [73]

8)        أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني المتوفى بعد سنة 200هـ [74[:

روى اللالكائي عن القاسم بن أبي رجاء قال: "كنت عند أبي سليمان الجوزجاني وجاءه رجل فقال: مسألة بلوى فإنَّ رجلين البارحة حلف أحدهما فقال: امرأتي طالق ثلاثاً البتَّة إن كان القرآن مخلوقاً، وقال الآخر: امرأتي طالق ثلاثاً إن لم يكن القرآن مخلوقاً. فقال: إن الذي حلف إنَّ امرأته طالق إن لم يكن القرآن مخلوقاً قد بانت منه امرأته." [75] وروى اللالكائي عن محمد بن عبد الله الظاهراني قال: "سمعت الجوزجاني – يعني موسى بن سليمان – وسأله رجل عن مسألةٍ فأفتى ثم قال له: إنَّ المريسي يقول بخلاف هذا. فقال الجوزجاني لمن حضره: سبحان الله، أعجب من هذا سألني عن مسألةٍ فأجبته، ثم حكى لي عن كافرٍ" [76].

9)        معلَّى بن منصور الرازي المتوفى سنة 211هـ [77[:

روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه ووثَّقه ابن معين قال الذهبي في الكاشف: "قال العجلي: هو ثقةٌ نبيلٌ صاحب سنَّة طلبوه غير مرَّةٍ للقضاء فأبى وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد" [78] وذكره اللالكائي فيمن كفَّر القائل بخلق القرآن.[79]

10)   شدَّاد بن حكيم القاضي البلخي المتوفى سنة 212هـ [80[:

ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن. [81]

11)   عبد الله بن داود الخريبي المتوفى سنة 213هـ [82[:

روى له جماعة غير مسلم، وكان شديداً على الجهميَّة، فقد نقل عنه البخاري قوله: "لو كان لي على المثنَّى الأنماطي سبيلٌ لنزعت لسانه من قفاه وكان جهمياً." [83]

12)   هاشم بن عبيد الله الرازي المتوفى سنة 221هـ [84[:

من تلاميذ محمد بن الحسن وكان ليِّناً في الرواية قال عبد الرحمن بن حاتم: "وجدت في كتابٍ عند أبي ممَّا وضعه هاشم في الردِّ على الجهميَّة قال هاشم: وكان فيما سألتم في كتابكم عن أهل الجنَّة أنَّهم يرون ربَّهم. قال هاشم: ورد علينا في تفسير القرآن ومحكم الحديث أن الله جلَّ ثناؤه يُرى في الآخرة ثم ذكر الروايات في تفسير القرآن والأخبار عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -." [85] ونقل اللالكائي عن هاشم قوله: "الجهميَّة من زعم أن القرآن مخلوق" [86] وحبس بتهمة التجهم حتى تاب [87]. وقال عن بشر المريسي: "المريسي عندنا خليفة جهم بن صفوان الضَّال وهو وليٌّ عهده ومثله عندنا مثل بلعم بن باعورا الذي قال الله فيه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف:175] " [88]

13)   الليث بن مساور البلخي المتوفى سنة 226هـ [89[:

ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائلين بخلق القرآن [90] وكان قاضياً ببلخٍ ولمَّا ورد كتاب الخلافة بوجوب القول بخلق القرآن قال: الله أكبر ظهر الكفر... كل من يقول بخلق القرآن فهو كافر ثمَّ رمى عمامته على الأرض وخلع نفسه من القضاء" [91].

14)   إبراهيم بن يوسف الباهلي البلخي الماكياني المتوفى سنة 239هـ [92[:

قال عنه ابن حبان: "كان ظاهر مذهبه الإرجاء واعتقاده في الباطن السنَّة سمعت أحمد بن محمد بن الفضل يقول سمعت محمد بن داود الفوعي يقول: حلفت ألاَّ أكتب إلاَّ ممَّن يقول الإيمان قولٌ وعملٌ فأتيت إبراهيم بن يوسف – يعني الباهلي – فأخبرته فقال: اكتب عني فإني أقول الإيمان قول وعمل" [93] وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت محمد بن الصديق يقول: "سمعته – يعني إبراهيم بن يوسف – يقول القرآن كلام الله ومن قال: مخلوق فهو كافر بانت منه امرأته ولا يصلَّى خلفه ولا يصلَّى عليه إذا مات ومن وقف فهو جهمي" [94].

15)   يحيى بن أكثم التميمي القاضي المتوفى سنة 243هـ [95[:

روى عن محمد بن الحسن وسمع منه وروى عنه البخاري في غير الجامع والترمذي وذكره اللالكائي فيمن كفَّر القائلين بخلق القرآن [96] وكان يقول: القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلاَّ ضُربت عنقه" [97]. وقال عنه الإمام أحمد: "ما عرفناه ببدعة" [98]. وقال عنه الخطيب: "كان يحيى سليماً من البدعة ينتحل مذهب أهل السنَّة" [99].

16)   محمد بن أحمد بن حفص الزرقان المتوفى سنة 264هـ [100[:

له كتاب "الأهواء والرد على اللفظية" وكان مرافقاً للبخاري في الطلب [101].

17)   الحكم بن معبد الخزاعي المتوفى سنة 295هـ [102[:

مؤلف كتاب السنة [103]. قال عنه أبو نعيم: "على مذهب الكوفيين صاحب أدبٍ وغريبٍ" [104].

18)   مقاتل بن فضل البلخي [105[:

ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن [106].

19)   أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى سنة 321هـ [107[:

هو أحمد بن محمد بن سلمة أو (سلامة) بن مسلمة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي. أبو جعفر. فقيه إليه انتهت رياسة الحنفية في مصر. ولد في قرية طحا من صعيد مصر وإليها نسبته. تتلمذ على خاله إسماعيل بن يحيى المزني المتوفى سنة 264هـ وكان إمام الشافعية في عصره, فتلقى عنه ابن أخته المذهب الشافعي, ثم انتقل إلى المذهب الحنفي وصار حنفياً وكان مجتهداً في الفروع. من تصانيفه: شرح معاني الآثار, أحكام القرآن, المختصر في الفقه. الاختلاف بين الفقهاء. مناقب أبي حنيفة, [108] وغير ذلك من الكتب. وأيضاً هو صاحب كتاب بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة على مذهب فقهاء الملَّة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، وما يعتقدون من أصول الدين. توفي عن 82 عاماً.

ولا شكَّ أنه أثبت من غيره في تقرير عقيدة الإمام أبي حنيفة وذلك للآتي:

1-   الطحاوي عند أهل العلم ثقة ثبت قال عنه الذهبي: "الإمام العلاَّمة الحافظ الكبير محدِّث الديار المصرية وفقيهها" [109]. وقال عنه أبو سعيد بن يونس: "كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً لم يخلف مثله" [110].

2-   إن جمهور العلماء تلقوا عقيدة الطحاوي بالقبول. قال السبكي الشافعي: "جمهور المذاهب الأربعة على الحق، يقرون عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفاً وخلفاً بالقبول" [111]. وقال الناصري الحنفي: "إن كتاب العقائد الذي رواه أبو جعفر الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد هو الذي اعتمد عليه أهل السنَّة والجماعة سلفهم وخلفهم" [112]. وقال أبو المعين النسفي: "إن أبا جعفر الطحاوي ممن احتوى على علوم سلف الأئمة على العموم، وعلى علوم أبي حنيفة وأصحابه على الخصوص. قال في كتابه الذي افتتحه في العقائد: صح عندي مذهب فقهاء الملَّة أبي حنيفة النعمان بن ثابت وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين" [113]

3-   إن ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة يوافق في الجملة ما قرره أبو حنيفة في الكتب المنسوبة إليه، ثم إنه كذلك موافق لعقيدة سائر أئمة السنَّة باستثناء مسألة الإيمان. بخلاف ما قرره الماتريدي، فقد دخلت عليه الفلسفة والكلام، ومن ثم دخلت عليه عقائد بدعية فلسفية، فالإمام الطحاوي محدِّث ثقة ثبت فيما يقرر وينقل احتوى على علوم أبي حنيفة وأصحابه، ولم تدخل عليه المذاهب الكلامية.

 

ثانياً: الحنفية من الشيعة [الرافضة]:

قد ذكر أبو مظفر الإسفراييني أن من أهل الرأي من تلبس بشيءٍ من مقالات الروافض والقدرية، وإذا خاف سيوف السنة نسب ما هو فيه إلى أبي حنيفة تستُّراً به وكذا العلاَّمة اللكنوي، وقد ذكر أن من فرق الحنفية الشيعة، ومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة الشيعة الباطنية ابن سينا، أبو عليّ الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البلخي، والمعروف بالرئيس المتوفى سنة 428هـ فقد قال عنه ابن صلاح: "كان شيطاناً من شياطين الإِنس" [114]. ومع هذا هو عند بعض كتّاب التراجم من الحنفية ولي من أولياء الله تعالى، صاحب كرامات مشهورة [115]. ويقول السيد حسن الصدر الرافضي: " أبو علي ابن سينا، شيخ الحكمة في المشائين، حاله في الفضل أشهر من أن يذكر، وقد أطال القاضي المرعشي في طبقاته الفارسية في الاستدلال على أمامية الشيخ الرئيس، ولم أتحقق ذلك، نعم هو ولد على فطرة التشيع، كان أبوه شيعياً إسماعيلياً..." [116].

فالشيعة والخوارج فرقتان متقابلتان [117] في آرائهما في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه– فالخوارج تكفره وتتبرأ منه، والشيعة تنصره وتؤيده وتفضله على عثمان –رضي الله عنه- بل أن منهم من يفضله على أبي بكر وعمر –رضي الله عنهم أجمعين– فردوا الشيعة على بدعة الخوارج ببدعةٍ أخرى لا تقل فساداً عنها ألا وهي عصمة عليّ بن أبي طالب، وأفضليته على أبي بكر وعمر وعثمان –رضي الله عنهم-، وأنه الإمام بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم– مع قولهم بفسوق أبي بكر وعمر وعثمان وبكفرهم.

فمن يقول بهذه البدعة فهو كاذب مفتر، قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وعقابه الجلد حداً على فريته وكذبه. وكما قال خليفة المسلمين وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلاَّ جلدته حد المفتري" [118] وكان يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر" [119] وسأل محمد بن الحنيفة أباه علياً فقال: "أيُّ الناس خير بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلاَّ رجل من المسلمين." [120] ولا ريب أنَّ خير الصحابة هم أهل بدر، وخيرُ أهل بدر هم العشرة، وخير العشرة الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ –رضي الله عنهم أجمعين-. وهذا هو ما عليه جمهور أهل السنَّة، قال ابن عمر: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم– فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان –رضي الله عنهم–" [121] وفي رواية أخرى قال: "كنا في زمن النبي –صلى الله عليه وسلم– لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي لا نفاضل بينهم." [122]

وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة –رحمه الله– حيث قال: "وأفضل الناس بعد النبيين –عليهم الصلاة والسلام– أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم عليّ بن أبي طالب المرتضى –رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعاً" [123] وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم– أولاً لأبي بكر الصديق –رضي الله عنه-؛ تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، ثم لعثمان بن عفان –رضي الله عنه-، ثم لعليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون." [124]

وكان بالكوفة من رؤساء الشيعة محمد بن عليّ بن نعمان بن أبي طريفة البلجي الكوفي، والذي لقبه أبو حنيفة بشيطان طاق نسب لسوق طاق المحامل بالكوفة [125]. وإليه تنسب الشيطانيَّة من فرق الشيعة، جمع بين بدعة التشيع في الإمامة والقول إنَّ الله لا يعلم الشر قبل أن يكون. وكان يروي حديث رد الشمس لعلي فهو حديث منكر مضطرب، فلفظه هو: "كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم– يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ –رضي الله عنه– فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فرد عليه الشمس قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت" [126] فلذلك كان بين شيطان طاق وأبي حنيفة مناظرات عديدة في فضائل عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه-، أحدها في أمر حديث رد الشمس، وقد أورد تلك المناظرة ابن تيمية في مناهج السنَّة [127] وفيها: "أن أبا حنيفة لقي محمد بن نعمان فقال أبو حنيفة: عمن رُوِّيت حديث رد الشمس؟ فقال: عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل" قال ابن تيمية على إثرها: "هذا يدل على أن أئمة أهل العلم لم يكونوا يصدقون بهذا الحديث، فإنه لم يروه إمام من أئمة المسلمين. وهذا أبو حنيفة أحد الأئمة المشاهير، وهو لا يتهم علياً فإنَّه من أهل الكوفة دار الشيعة، وقد لقي من الشِّيعة وسمع من فضائل عليّ ما شاء الله، وهو يحبه ويتولاه ومع هذا أنكر هذا الحديث على محمد بن النعمان، وأبو حنيفة أعلم وأفقه من الطحاوي وأمثاله ولم يجبه النعمان بجواب صحيح إلى أن قال: فأبو حنيفة لا ينكر أن يكون لعمر وعليٍّ وغيرهما كرامات، بل أنكر هذا الحديث للدلائل الكثيرة على كذبه ومخالفته للشرع والعقل" [128].

وتناظر كذلك بمن هو أحق بالخلافة والأرشد بعد النبي –صلى الله عليه وسلم– فأجاب الإمام أبو حنيفة بما حيره فأسكته حيث قال له: "نحن نقول كان الحق للصديق، فسلم عليّ –رضي الله عنهما– الحق له فكان من أشد الناس، وأنتم قلتم: كان الحق لعليّ فأخذه الصديق بقوة فكان الصديق أشد الناس حيث أخذ منه حقه بقوته بلا تسليم" [129]، فلأجل كذب وتمويه طائفةٍ من الشيعة رد الإمام أبو حنيفة شهاداتهم فلا يجيزها.

جاء في كتاب الكفاية عن عمر بن إبراهيم قال: "سمعت ابن مبارك يقول: سأل أبو عصمة الإمام أبا حنيفة بمن تأمرني أن أسمع الأثر؟ قال: من كلِّ عدل في هواه إلاَّ الشيعة فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-.[130]

وفي هذا المعنى يذكر ابن تيمية [131] أنَّ أبا حنيفة ردَّ شهادة من عرف بالكذب كالخطابية، هذا هو موقف الإمام من الشِّيعة وبدعتهم.

 

ثالثاُ: الحنفية من الزيدية:

هم أتباع زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه– ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة –رضي الله عنها– ولا يرونها في غيرهم، إلاَّ أنهم جوَّزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل، لذا صححوا إمامة أبي بكر الصديق –رضي الله عنه-. وكان زيد بن عليّ لا يتبرأ من الشيخين، فلما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة رفضوه فسميت رافضة [132]. وقد تتلمذ زيد بن عليّ هذا على واصل بن عطاء الغزَّال إمام المعتزلة، وحكى المقبلي [133] عن بعض الأشعرية أن الزيدية مقلدون للمعتزلة في الأصول، والحنفية في الفروع. ولكن علق على ذلك بقوله: "فليس موافقتهم للحنفية غالبة، بل ذلك في بعض أئمتهم"[134]. لكن ذكر الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي الحنفي: "أن الزيدية في الفروع على مذهب أبي حنيفة وفي الأصول على مذهب المعتزلة" [135]. أما الكوثري فقد ذكر أن مذهب زيد بن عليّ متفق في معظمه مع مذهب أبي حنيفة لاتحاد مصدر المذهبين [136].

فتأثر الزيدية بالإمام أبو حنيفة، ذلك لأن الإمام كان يرى في أول أمره جواز الخروج مع زيد بن عليّ أي الخروج بالسيف على السلطان الجائر، فقد قال الجصاص: "وكان مذهبه –رحمه الله– مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتَّى جاءنا بالسيف –بعني قتال الظلمة– فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر يزيد بن عليّ مشهورة في حمله المال إليه، وفتيا الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن..." [137] فقد خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخوه بالبصرة فأيَّدهم بعض العلماء والقُراء، ومنهم أبو حنيفة. قال ابن العماد: "خرج مع إبراهيم كثير من العلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعياد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة كان يجاهر بأمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد"[138] ويؤيد ما حكاه الجصاص وابن العماد ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسندٍ صحيحٍ عن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة يرى السيف"[139]. وروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس قال: "قال رجلٌ لابن المبارك ونحن عنده إن أبا حنيفة كان مرجئاً يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك"[140].

ولكن، قد أستقر آخر الأمر عند الإمام أبو حنيفة على عدم الخروج. دلَّ على هذا ما قرره واختاره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزَّ وجلَّ فريضةً، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعو لهم يالصَّلاح والمعافاة"[141]. وما ذكره الطحاوي هو ما حكاه ابن الهمام عن أبي حنيفة في المسايرة وأقرَّه الشارحان، ابن أبي الشريف وابن قطلوبغا وكذا ذكره البزدوي. قال ابن همام: "وإذا قلَّد عدلاً، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة"[142]. وقال البزدوي: "الإمام إذا جار أو فسق لا ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرتضيُّ"[143]. وقد اقر الإمام أبو حنيفة نفسه بهذا، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلاً له: " ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتَّبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟ قال: لا. قلت: ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}[الحجرات:9] قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن قبل وإلاَّ قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائراً، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائرِ ولا تكن مع أهل البغي" [144] وهذا يدل على إن الأمر استقر عند الإمام على عدم الخروج.

 

رابعاً: الحنفية من المعتزلة:

إن إمام المعتزلة هو واصل بن عطاء بن حذيفة الغزال من موالي بني ضبة أو بني مخزوم. لقب بالغزال ولم يكن غزالا لتردده على سوق الغزالين. سمي أصحابه بالمعتزلة لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري مع صاحبه عمرو بن عبيد. إن الاعتزال كمذهب عقائدي نشأ حين افترق الناس إلى الخوارج وشيعة, وتساءل الناس عن مصير الذين خاضوا في الفتن, وفيها قتلت نفوس بغير حق, مما يعتبر من الذنوب الكبائر. وهنا طرحت مسألة مرتكب الكبيرة, فقال لخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- إن مرتكب الكبيرة كافر يجب قتله وهو مخلد في النار, وسئل الحسن البصري عن ذلك, فقال: إنه مؤمن ولكنه فاسق, فخالفه تلميذه واصل بن عطاء ومعه عمرو بن عبيد فقالا: إن مرتكب الكبيرة فاسق, ولكنه في منزلة بين المنزلتين, فهو غير مؤمن إيماناً مطلقاً, ولا هو كافر مطلقاً, ويكون كافراً ومخلداً في النار إذا مات ولم يتب توبة نصوحاً. وهنا أعتزل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مجلس أستاذهما الحسن البصري وسمي أتباعهما المعتزلة. كان هذا بداية اتجاه فكري, وسمو بالعقلانيين, أحرار الفكر الذين يقولون بأن للعقل الولاية الأولى في الحكم على الأشياء. وبذلك يكون لمفكري الإسلام قصب السبق إلى هذا الاتجاه الفكري. أقام المعتزلة مذهبهم على خمس أصول هي: أولاً؛ التوحيد: وهو لب مذهبهم, فهم يرون أن الله واحد أحد ليس كمثله شيء, وأنه ليس بجسم ولا شبح ولا صورة ولا شخص, ولا هو جوهر ولا عرض, وهو عندهم منزه عن المشابهة والمماثلة مع المخلوقات والمحدثات. وقالوا: لو كان لله صفة كالعلم والإرادة والسمع والبصر, مستقلة عن ذاته, لاقتضى أن تكون تلك الصفة قديمة, والإقرار بقدمها يقتضي الإقرار بوجود قديمين, وبذلك يكون لله شريك في القدم, وهذا شرك ينافي التوحيد. وعلى ذلك بنوا قولهم بنفي الصفات عن الله وبخلق القرآن –تعالى الله عما يقول الظالمون-. ثانياً؛ حرية الاختيار: وعندهم أن الأصل في الإنسان أنه حر في اختيار أفعاله, وهو الذي يفعلها ويحاسب عليها, فيثاب إن كانت خيرا ويعاقب إن كانت شرا. فهو مسئول عن أفعاله. وعندهم أن الإنسان قادر على خلق أفعاله بقدرة أودعها الله فيه, وجعله يميز بها الخير عن الشر. ومن أجل ذلك سمي مذهبهم بمذهب القدرية نسبة إلى قدرة الإنسان على صنع أعماله, وفي ذلك خالفوا الجبرية الذين قالوا إن الله هو الذي يخلق أفعال الإنسان, وإن الإنسان مجبر عليها ولا خيرة له فيها. وحجة المعتزلة في مذهبهم أن الله تعالى لو كان هو الذي يخلق أفعال الشر, فيكون ظالماً إذا حاسب الإنسان عليها والله تعالى منزه عن الجور. وقد تلقوا هذا الأساس عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي القدريين. ثالثاً؛ الوعد والوعيد: وهو يعني أن من أطاع الله تعالى دخل الجنة, ومن عصاه دخل النار, وهذا وعد الله للمطيعين ووعيده للعاصين. من هذا الأصل قالوا: لا يغني عن المرء إيمانه إذا لم يفعل الخير ويصدق العمل الصالح هذا الإيمان. رابعاً؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ومن هذا الأصل انطلقوا في الدفاع عن الإسلام والذود عنه أمام سيل الزندقة الذي اندفع في أول العصر العباسي. خامساً؛ المنزلة بين المنزلتين: ويعني الحكم على مرتكبي الذنوب الكبيرة بالخلود في النار إذا ماتوا دون توبة نصوح, وتسميتهم فسقة وجعلهم في مرتبة أدنى من المؤمنين وأعلى من الكفار, وهذا ما عنوه بقولهم إنهم في منزلة بين المنزلتين. [145] والمعتزلة كانوا في بدايتهم أصحاب فكر جدلي منطقي متحمس وثقافة واسعة ناقدة استخدموها في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وفي مواجهة خصوم الإسلام خصوصاً من أصحاب الأديان المنسوخة وبعض أصحاب الثقافات الدينية الوثنية الذين دخلوا بتراثهم إلى الإسلام وأردوا نشره بين المسلمين، فكان للمعتزلة في البداية، جهد مشكور ودور محمود ونجاح مشهود في هذا المضمار. ولأن الخصم في الطرف المقابل يرفض القبول بالنقل عن نصوص الإسلام كحجة عليه والمعتزلة يرفضون نصوص عقيدته أو ثقافته كحجة عليهم أو على الإسلام، كان لابد من لجوء الطرفين إلى الأدلة العقلية المحضة في المجادلة والحجاج وكان النصر في الغالب حليف المعتزلة على خصومهم من أصحاب الأديان المنسوخة والنحل الوثنية. لكن طول الجدل والحجاج بالأدلة العقلية أدى بالمعتزلة كما قلنا آنفاً إلى حالة من العدوى المزمنة وإلى نوع من الشطط والإفراط والإغراق في استخدام تلك الفرضيات والنظريات والبراهين العقلية، وأتجه بهم إلى الركون المطلق على العقل فقط ورفض -أو على الأقل- استبعاد النقل من نصوص القرآن والسنة في مسائل العقيدة، وإلى تطرف وتعصب ممقوت وإلى تقديس للعقل وإعجاب بالنفس واستعلاء على الغير فاعتسفوا وتنطعوا كثيرا وبشكل أدى بهم إلى انحرافات خطرة كان من أبرزها رفض الأدلة النقلية من نصوص المصادر الإسلامية في مسائل العقيدة بل ومخالفتها في كثير من الأحيان من النقيض إلى النقيض وإلى الاستقواء بالحكام الذين ذهبوا مذهبهم لفرض معتقداتهم كما حصل في قضية خلق القرآن في عهد المأمون العباسي وغيرها من أصولهم الخمسة، حين فرضوها على العلماء والعامة بسوط السلطان وقهر القوة وإرهاب الدولة.

وفد تسرب الاعتزال إلى الحنفية شيئاً فشيئاً حتى دخل الاعتزال إلى أسرة الإمام أبي حنيفة فقد كان حفيد الإمام من دعاة الفتنة بخلق القرآن [146]. ومن هؤلاء الحنفية المعتزلة [147]:

1)        إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.

2)        بشر المريسي، جهمي معطل خالف المعتزلة في أفعال العباد ووافق السلف لذا هجرته المعتزلة. [148[

3)        محمد بن شجاع البلخي، تلميذ المريسي. [149[

4)        أحمد بن ابن أبي داود بن جرير الحنفي المعتزلي، قاضي المأمون. [150[

5)        محمد بن أبي الليث الأصم الحنفي المعتزلي، قاضي مصر وأحد رؤوس الفتنة في تعذيب أهل السنَّة. [151[

6)        أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي المعتزلي إمام الهاشمية من فرق المعتزلة. [152[

7)        أحمد بن عمر الخَصَّاف، قال عنه اللكنوي: " كان فرضياً عارفاً بمذهب أبي حنيفة" [153[

8)        عبد الله بن احمد البلخي أبو قاسم الكعبي الحنفي إمام الكعيبة من المعتزلة بغداد. [154[

9)        محمد بن عليّ البصري أبو الحسين الحنفي المعتزلي صاحب كتاب "المعتمد في الأصول". [155[

10)   أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي، إمام المعتزلة في وقته وشيخ أبي الحسن الأشعري. [156[

11)   أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي القاضي الحنفي، رأس المعتزلة وشيخ أبي الحسن عبيد الله الكرخي. [157[

12)   الحسين بن عليّ البصري المعتزلي الحنفي، قال عنه الصيمري: "لم يبلغ أحد مبلغه في العلمين أعني الفقه والكلام". [158[

13)   أبو الفتح عثمان بن جني الحنفي المعتزلي. [159[

14)   إسماعيل بن عليّ بن الحسين الحنفي المعتزلي أبو سعيد السمان. [160[

15)   عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني المعتزلي الحنفي. [161[

16)   محمود بن عمر الزمخشري، قال عنه اللكنوي: "كان إمام عصره بلا مدافع نحوياً ذكياً فقيهاً مناظراً متكلماً أديباً شاعراً مفسراً من أكابر الحنفية، حنفي المذهب معتزلي المعتقد." [162[

17)   مختار بن محمد أبو رجاء نجم الدين الزاهدي الغزميني، قال عنه اللكنوي: "كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء عالماً... له اليد الباسطة في الخلاف والمذهب والباع الطويل في الكلام والمناظرة... صرح ابن وهبان وغيره أنه معتزلي الاعتقاد حنفي الفروع." [163[

وغيرهم من أئمة الإعتزال. قال المعلمي: "وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلاَّ على يدي أصحابكم –يعني الحنفية المعتزلة– ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم –يعني أبا حنيفة– إلى أن قال: كانت المحنة على يدي أصحابكم، واستمرت خلافةَ المأمون، وخلافةَ المعتصم، وخلافةَ الواثق، وكانت قوة الدولة كلها تحت إشارتهم، فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه بأنواع الأذى ولذلك تعمدوا أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي والإمام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي وابن الحكم وغيره." [164]

وكان من أشد الناس تعذيباً للمخالفين وتحمساً للقول بخلق القرآن، أحمد بن أبي داود قاضي القضاة ومحمد بن أبي الليث قاضي مصر في أيام المعتصم والواثق. قال ابن قديد: "ورد كتاب المعتصم على هارون بن عبد الله –قاضي مصر– بحمل الفقهاء في المحنة فاستغنى هارون من ذلك فكتب ابن أبي داود إلى محمد بن أبي الليث يأمره بالقيام في المحنة وذلك قبل ولايته القضاء وكان رأساً في القيام بذلك فحمل نعيم بن حماد والبويطي وخشنام المحدث في جمعٍ كثيرٍ سواهم." [165] وقال عليّ بن عمرو بن خالد: "لما استخلف الواثق ورد كتابه على محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمع، فلم يبقَ أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أُخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث بالاكتتاب على المساجد "لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق" فكتب بذلك على المساجد فسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد، وأمرهم ألاَّ يقربوه." [166]

واستمرت المحنة حتى تولى الخلافة المتوكل؛ فأظهر الله السنَّة وفرج عن الناس [167]. قال الذهبي: "وفي سنة 234هـ أظهر المتوكل السنَّة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار واستقدم المحدثين إلى سمراء وأجزل صلاتهم ورووا أحاديث الرؤية والصفات." [168] وقال ابن الجوزي: "وفي سنة 407هـ استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية فأظهروا الرجوع وتبرأوا من الاعتزال ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتَّعظ بن أمثالهم." [169]

الإمام أبو حنيفة ثاقب البصيرة، وقد علم بشر المعتزلة ولعنهم، فقد لعن الإمام أبو حنيفة عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء إمام الإعتزال؛ فقد روى الهروي عن محمد بن الحسن قال: "قال أبو حنيفة: لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام." [170] وقال الإمام أبو حنيفة عن المعتزلة: "لم يكن في طبقات أهل الأهواء أحد أجدل من المعتزلة؛ لأن ظاهر كلامهم مموه تقلبه القلوب." [171] وأنكر عليهم إبطالهم للصفات حيث قال: "ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه أبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف." [172] ورد عليهم قولهم: إن القرآن مخلوق؛ حيث قال: "وكلام الله تعالى غير مخلوق." [173] وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه؛ حيث قال: "وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية." [174]

أما الصاحبان فأبو يوسف كان يرمي المعتزلة بالزندقة [175]، وأما محمد بن الحسن فيوصي من صلَّى خلف المعتزلي بإعادة صلاته [176] ويرى أن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه [177]. وبالجملة فكتاب الإمام أبو حنيفة "الفقه الأكبر" رد على الجهمية والمعتزلة فيما أنكروا من أسماء الله تعالى وصفاته، فقد ضمنه جملة من الصفات الإلهية التي وردت في الكتاب والسنَّة الصحيحة.

 

خامساً: الحنفية من المرجئة:

المرجئة والخوارج فرقتان متقابلتان في الإيمان، فالخوارج تعد كل كبيراً كفراً سواء كفر نعمة أو كفر شرك، فجاءت المرجئة فأعلنت أن الإيمان هو المعرفة [178] فقط. وهؤلاء معروفون بمرجئة الجهمية، وبعضهم قالوا: "إن الإيمان هو إقرار باللسان [179]، وهم مرجئة الكرامية، وبعضهم زعموا أن الإيمان: هو تصديق فقط [180]. وذهب جمهورهم [181] إلى أن الإقرار شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وهؤلاء معروفون بمرجئة الماتريدية. وقال بعضهم: إن الإيمان هو التصديق والإقرار [182]. وهؤلاء معروفون بمرجئة الفقهاء. وسموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان."

ولم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة إلا مرجئة الكرامية ومرجئة الفقهاء، فكان الإمام أبو حنيفة يرد على من يقول: إن الإيمان هو المعرفة، وأن أهل القبلة لا يدخلون النار مهما اقترفوا من المعاصي، وزعموا أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة [183]: "ونقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، لا نقول: إنه لا يدخل النار... ولا نقول إن حسناتنا مقبولة وسيئاتنا مغفورة كقول المرجئة." [184]

مع هذا فأبو حنيفة عنده شيء من الإرجاء الخفيف، وهو من مرجئة الفقهاء، غير أنه بريء من بقية أنواع الإرجاء. ولقد تبرأ الإمام أبو حنيفة ممن نسب إليه الإرجاء؛ فقال في رسالته إلى البتي: "وأما ما ذكرت من اسم المرجئة فما ذنب قوم تكلموا بعدل، وسماهم أهل البدع بهذا الاسم، ولكنهم أهل عدل وأهل السنَّة وإنما هذا اسم سماهم به أهل الشنآن." [185] وإنما قال ذلك بناء على مفهوم الإرجاء عنده، وهو مذهب غلاة المرجئة الذين يجعلون الإيمان: هو المعرفة؛ فلا يضر معه ذنب. والمسائل الخلافية بين مرجئة الفقهاء وبين بقية أهل السنَّة يرجع إلى خلاف لفظي في بعض المسائل المتنازع فيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنه لم يكفر أحد، من السلف من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنَّة هو الصواب." [186] ويقول: "ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنَّة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلاَّ فالقائلون بأن الإيمان قول من فقهاء – كحماد بن أبي سليمان وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم – متفقون مع جميع علماء السنَّة أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا: إن إيمانهم كما كإيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقاً للذم والعقاب كما تقوله الجماعة. ويقولون أيضاً: إن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة." [187]

فإن بين مرجئة الفقهاء، ومنهم الإمام أبو حنيفة، وبين بقية أئمة السنَّة قدراً مشتركاً وقدراً مفترقاً. فأما القدر المشترك فهو:

1)        أن الإيمان مركب وليس بسيطاً، كما عليه غلاة المرجئة من الكرَّامية والماتريدية.

2)        أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يُنْفى عنه مسمى الإيمان ولا يخلد في النار بل هو مؤمن فاسق.

3)        أن الإقرار يزول وقت الإكراه، دون التصديق. [188[

4)        أن الاستثناء في الإيمان لا يجوز لأجل الشك.

وأما القدر المفترق فيه:

1)        الإيمان عند أبي حنيفة التصديق بالجنان والإقرار باللسان فقط، وأما بقية الأئمة فهو هذان الأمران والعمل بالأركان.

2)        أن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان عند أبي حنيفة داخلة فيه عند بقية الأئمة.

3)        أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص عند أبي حنيفة ويزيد وينقص عند بقية أئمة السنَّة.

4)        لا يجوز الاستثناء في الإيمان عند أبي حنيفة مطلقاً، ويجوز في حال دون حال عند أئمة السنَّة.

لذلك ذهب الغزالي [189] والذهبي [190] وابن أبي العز، إلى القول بأن الخلاف هو خلاف صوري. وفي ذلك يقول ابن أبي العز: "الاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنَّة صوري فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزء من الإيمان مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد." [191] فليس المقصود النزاع اللفظي الذي لا يترتب عليه خلاف في المعنى، فيكون من قبيل اختلاف التنوع، بل مقصوده أنه نزاع يتعلق بالأسماء وهي من الألفاظ، يدل عليه قول ابن تيمية: " بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنَّة هو الصواب". [192]

ومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة المرجئة:

1)        بشر بن غياث المريسي المتوفى سنة 228هـ وإليه تنسب المريسية وقد عدَّها بعض كتاب المقالات [193] من فرق المرجئة. قال عنه الإسفراييني: "منهم المريسية أصحاب بشر المريسي ومرجئة بغداد من أتباعه، وكان يتكلم بالفقه على مذهب أبي يوسف القاضي ولكنه خالفه بقوله إن القرآن مخلوق وكان مهجوراً من الفريقين وهو الذي ناظر الشافعي – رضي الله عنه – في أيامه فلما عرف الشافعي أنه يوافق أهل السنَّة في مسألةٍ والقدرية في مسألةٍ قال له: نصفك مؤمن ونصفك الآخر كافر. وكان يقول: الإيمان هو تصديق بالقلب واللسان كما قاله ابن الراوندي. هذه المرجئة المحضة الذين يتبرأون عن القول بالجبر والقدر." [194[

2)        محمد بن كرام الجستاني المتوفى سنة 255هـ وإليه تنسب فرق الكرامية وقد عدها بعض كتاب المقالات من المرجئة [195]، فمحمد بن كرام جمع مع بدعة الإرجاء بدعة التجسيم وقد زعم أن الله تعالى له جسم له حد ونهاية [196]. قال عنه الذهبي: "المبتدع شيخ الكرامية، كان زاهداً عابداً ربانياً بعيد الصيت كثير الأصحاب... كان يقول: الإيمان هو نطق باللسان بالتوحيد مجرداً عن عقد قلب وعمل جوارح. وقال خلق من الأتباع له: إن الباري جسم لا كالأجسام... وكان الكرامية كثيرين بخرسان ولمهم تصانيف ثم قلوا وتلاشوا نعوذ بالله من الأهواء" [197[.

3)        محمد بن محمد بن محمود أبو منصور, والمعروف بالماتريدي, نسبة إلى ماتريد محلة بسمرقند فيما وراء النهر. والمتوفى سنة 333هـ، فهو من أئمة علم الكلام, أقام نظرياته في العقائد على المأثور عن أبي حنيفة النعمان, فهو يثبت أدلة الشرع بالأدلة العقلية والمنطقية والبراهين التي لا مجال للشك فيها, وهو يجعل للعقل سلطاناً ولكن تحت ظل النقل, فهم يفسرون النصوص على مقتضى حكم العقل, والماتريديون أقرب إلى المعتزلة منهم إلى الأشاعرة. فمباحث الإيمان من الأمور التي اعتركت الآراء حولها قديماً وحديثاً، والماتريدية لم موقف من الإيمان وافقوا في بعض نواحيه الإمام أبا حنيفة – رحمه الله – وخالفوه في بعضها. اتَّفقت الماتريدية مع أبي حنيفة في أربعة أمور، وهي: إخراج العمل عن مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق [198]، عدم زيادة الإيمان ونقصانه [199]، تحريم الاستثناء [200]، عدم تكفير صاحب كبيرة [201]. أما ما خالفت الماتريدية الإمام أبو حنيفة في مفهوم الإيمان، إن مفهوم الإيمان عند الإمام أبي حنيفة مركب من أمرين التصديق بالقلب، والإقرار باللِّسان. فالإقرار باللسان شطر من الإيمان وداخلٌ فيه. أما الماتريديُّ وجمهور أتباعه – لأن بعض الماتريدية ذهبوا إلأى أن الإيمان هو التصديق والإقرار - [202] فقد جعلوا الإقرار باللسان خارجاً عن حقيقة الإيمان، فالإيمان عندهم هو التصديق [203]، غير أنَّهم جعلوا الإقرار شرطاً لإجراء الأحكام الدنيوية فقط [204]. وهذا النَّوع من الإرجاء الغالي.

 

سادساً: الحنفية من الجهمية:

إن مذهب الجهمية يقوم على أساسين: الأول؛ نفي الصفات عن الله تعالى, والثاني؛ القول بخلق القرآن, فالله تعالى عندهم ليس له صفة غير ذاته, لأن قيام صفات الله تعالى تجعله شبيهاً بمخلوقاته. ولما كان الكلام من صفات الإنسان المخلوق فلا يمكن أن يكون الله متكلماً, لأن من اتصف بصفة الكلام وجب أن تكون له آلة الكلام فيكون مشابها للحوادث, ومحال على الله تعالى مشابهة الحوادث, لأنه قديم أزلي, وهو وحده الخالق ولا يمكن أن يشبه مخلوقاته, وعلى هذا الأساس قالوا بأن القرآن مخلوق, ولو كان قديما لكان شريكا لله في القدم, والله وحده هو الأزلي المختص بالقدم, وأن ما سواه, مهما كانت قدسيته, لا يعلو إلى مرتبة القدم, وكل شيء ما عداه محدث. ونفي الصفات عن الله تعالى تعطيل لها, لذلك يدعى مذهبهم باسم "التعطيل" ويدعون باسم "المعطلة". ويترتب على رأيهم أن الله وحده هو القادر والخالق, ولا يصح للمخلوقات أن تتصف بهاتين الصفتين, وإذا انتفت هاتان الصفتان عن المخلوقات, فلا يمكن أن يكونوا مختارين ولا قادرين على خلق أفعالهم, بل يكونون مجبورين عليها. وهذا هو أساس القول بالجبر الذي اعتمده المعتزلة. ولما كان الله تعالى هو الأزلي الدائم, فإن كل ما عداه فان زائل, وعلى ذلك فإن الجنة والنار في رأيهم تفنيان, لأن ثبات البقاء الدائم لنعيم الآخرة وعذابها فيه مشاركة لله في اتصافه وحده بصفة البقاء والأزلية ويريد الجهم بقوله بالجبر إثبات التوحيد المطلق لله, وأنه هو الواحد لا يشترك معه في خلقه أحد. فقد أجمع أئمة أهل السنَّة والجماعة على تكفير الجهمية، ومع ذلك ثبت أن من الحنفية من تلبس بمقالات الجهمية، منهم:

1)        بشر بن غياث المريسي المعتزلي الجهمي المرجئئ. [205 [

2)        محمد بن شجاع البلخي المعتزلي الجهمي، المتوفى سنة 266هـ، تلميذ المريسي، قال عنه المزي: "كان أحد الجهمية". وقال عنه ابن كثير: "كان أحد عباد الجهمية." وقال عنه الذهبي: "كان يقول: عند أحمد بن حنبل كتب زنادقة." وجاء من غير وجهٍ أنه كان ينال من أحمد وأصحابه ويقول إيش قام به أحمد؟ وكان يقول: أصحاب أحمد يحتاجون أن يذبحوا. وكان يقول إنما أقول كلام الله كما أقول سماء الله وأرض الله. وأوصى وصية كان فيها: "لا يعطى من ثلثي إلاَّ من قال القرآن مخلوق." وكان ينال من الإمام الشافعي ويقول: "من الشافعي؟ إنما كان يصحب بربر المغني." ورجع عن مقالاته هذه لما احتضر. [206] ولقد ادعى هذا الجهمي أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألفاً من الحديث وروَّجوها على رواة الحديث. فتحدَّاه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي بوضع عشرة أحاديث فضلاً عن اثني عشر ألف حديث. [207[

3)        أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي المتوفى سنة 199هـ، فقد قال عنه الإمام أحمد: "لا ينبغي أن يروى عنه حكوا عنه أنه يقول الجنة والنار خلقتا فستفنيان وهذا كلام الجهم" [208 [

4)        محمد زاهد بن حسن بن علي بن خضوع بن باي بن قانيت بن قنصو الجركسي الكوثري، قد وهاجم الكوثري في مصر علماء عصره بدافع التعصب لمذهبه الحنفي ولآراء أبي حنيفة، واشتهر عنه ذلك التعصب حتى لقب بـ"مجنون أبي حنيفة" [209]. وذكر المعلمي أن الكوثري- بتعصبه هذا - أساء جداً حتى إلى الإمام أبي حنيفة - رحمه الله ورضي عنه -. ومع تعصب الكوثري لمذهبه ومغالاته فقد كان فيه انحراف في المعتقد وعدول عن منهج السلف، وانحياز إلى مذهب الجعد والجهم، وميول إلى الاعتزال [210[

 

سابعاً: الحنفية من الحلولية الاتحادية:

هم من يقولوا أن البارئ يحلّ في الأشخاص، وأنه جائزٌ أن يحلَّ في إنسان وسبع، وغير ذلك من الأشخاص، وأصحاب هذه المقالة إذا رأوا شيئاً يستحسنونه، قالوا: لا ندري لعل الله حالٌّ فيه، ومالوا إلى اطّراح الشرائع، وزعموا أن الإنسان ليس عليه فرض، ولا يلزمه عبادة إذا وصل إلى معبودة. [211] فمن الحنفية من اعتنق هذا المهب، وهم:

1)        علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني، والمتوفى سنة 816هـ. [212]

2)        الفناوي بدر الدين ملا حسن الشبلي (جلي) ابن محمد شاه الرومي، والمتوفى سنة 886هـ. [212[

3)        نور الدين عبد الرحمن بن أحمد الجامي، والمتوفى سنة 898هـ. [213[

4)        لطف الله بن حسن التوقاني الرومي، المقتول 900هـ، فقد ألف كتاباً سماه "سبع الشداد". وأوله: "حمداً لك يا من هو الموجود في كل مكان". [214] وهذا حلول صريح.

5)        إسماعيل صفي بن مصطفى الجلوتي الإسلامبولي مؤلف روح البيان، على الطريقة الجلوتية الصوفية على غلوه في وحدة الوجود. [215[

6)        بدر الدين محمد بن محمد بن خليل القاهري، أبو اليسر، والغرس لقب جده خليل. من فقهاء الحنفية. حج وجاور وألقى دوسا بمكة. كان غاية في الذكاء، يجيد اللعب بالشطرنج. كان يقول بوحدة الوجود التي يقول بها الحلاج وابن عربي وابن الفارض وحزبهم. [216] كان مع جلالته وإمامته في العلوم من الاتحادية قال البقاعي: "... فصار من رؤوس الاتحادية التابعين للحلاج وابن العربي وابن الفارض." [217[

7)        محمد بن يوسف بن علي بن محمد الحسيني. أبو الفتح صدر الدين الدهلوي، والمتوفى سنة 825هـ. زاهد من العلماء، اتحادي خرافي باطني. [218[

8)        محمد شجاع بن معز الدين اليحيوي الهندي الاتحادي ومن أعيان القرن الثالث عشر. [219[

 

الخاتمة:

والرَزِيَّةُ كل الرزية أن من تلبس بشيء من هذه البدع فإنه ينسب ذلك إلى أبي حنيفة وهو بريء منها. فقد أنتسب إليه الحنفية من المعتزلية بعضاً من عقائدها [220]، وكذا المرجئة إرجاءً مطلقاً؛ ومن ذلك قول الشهرستاني: "ومن العجب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة – رحمه الله – مثل مذهبه في الإيمان ويعده من المرجئة ولعله كذب كذلك عليه" [221]. وهذا والله لمسبة. وقد حقق أهل العلم أن انتسابهم إلى الإمام أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – منكر من القول وزور.

قال ابن أبي العز – رحمه الله : "ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك –يعني علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه– ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاده. وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد –رضي الله عنهم– من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله عزَّ وجلَّ فوق العرض، مشهورة." [222]

وقال شيخ الإسلام: "وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها ولاسيما وقد تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئاً من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد. وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئاً من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة." [223]

وقال أبو مظفر الإسفراييني: "قد نبغ من أحداث أهل الرأي من تلبس بشيء من مقالات القدرية والروافض مقلداً فيها، وإذا خاف سيوف أهل السنَّة نسب ما هو فيه من عقائده الخبيثة إلى أبي حنيفة تستراً به فلا يغرنك ما ادعوا من نسبتها إليه فإن أبا حنيفة بريءٌ منهم ومما نسبوه إليه." [224]

وقال شيخ الإسلام: "فما من إمامٍ إلاَّ وقد انتسب إليه أقوام وهو منهم بريء. فقد انتسب إلى مالك أناسٌ، مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أُناس، هو منهم بريٌ، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريْ منهم." [225]

وبعد هذا نصل إلى نتيجة واقعية وهي أن الحنفية تلبس كثير منهم بعقائد فرق شتىـ وجعلت كل فرقة تنسب عقيدتها إلى الإمام أبي حنيفة بخاصة وأهل السنَّة عامة، وكان بين هذه الفرق قدر مشترك من البدع كالتعطيل للصفات، والتحريف لنصوصها تحت ستار التنزيه، والتأويل، والقول بالإرجاء. وكان بين هذه الفرق احتكاك لرابطة عقائدية فيما بينها في الجملة، ولاعتناقها المذهب الحنفي، فصار هذا كله سبباً مهماً في اضمحلال العقيدة الحنفية التي قررها الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنَّة والجماعة وصارت العقيدة الماتريدية تمثل عقيدة جمهور الحنفية منذ عهد بعيد إلى العصر الحاضر، وأبو حنيفة بريء من الماتريدية براءة الذئب من دم يوسف.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أعدّه وجمعه أخوكم/ أبو إبراهيم الرئيسي الحنفي (23 من ربيع الثاني 1423هـ)

المصادر والمراجع:

[1] إيقاظ الهمم ص62.

[2] الانتقاء لابن عبد البر ص145.

[3] إيقاظ الهمم ص72.

[4] مناقب الشافعي ج1 ص472؛ والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية ج9 ص107.

[5] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج3 ص430.

[6] إيقاظ الهمم ص113.

[7] مناقب أبي حنيفة للمكي ص20.

[8] تاريخ بغداد ج5 ص309.

[9] تاريخ بغداد ج5 ص310.

[10] الدر المختار ص1 ص55-56.

[11] رد المحتار ج1 ص57.

[12] الدر المختار ج1 ص53.

[13] الدر المختار ج1 ص52.

[14] مناقب أبي حنيفة للمكي ص54.

[15] عقود الجمان ص161.

[16] مناقب أبي حنيفة للمكي ص53.

[17] الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلم، لعناية الله إبلاغ الأفغاني ص96.

[18] تاريخ بغداد ج13 ص346.

[19] سير أعلام النبلاء ج6 ص403.

[20] سير أعلام النبلاء ج6 ص403.

[21] عقود الجمان ص261.

[22] سير أعلام النبلاء ج6 ص403.

[23] الفقه الأبسط ص56.

[24] الفقه الأكبر ص302.

[25] أصول البزدوي ص3، كشف الأسرار هن أصول البزدوي ج1 ص7، 8.

[26] شرح العقيدة الطحاوية ج2 ص427 تحقيق د. التركي وجلاء العينين ص368.

[27] عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، الأسماء والصفات للبيهقي ص456، وسكت عليه الكوثري، شرح الطحاوية ص245، شرح الفقه الأكبر للقاري ص60.

[28] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج8 ص251.

[29] الفقه الأكبر ص302.

[30] الفقه الأبسط ص56، وسكت عليه محقق الكتاب الكوثري.

[31] روح المعاني ج6 ص156.

[32] الفقه الأكبر ص301.

[33] الفقه الأكبر ص302.

[34] الفقه الأبسط ص56.

[35] الفقه الأكبر ص301.

[36] الفقه الأكبر ص301.

[37] الفقه الأبسط ص49، مجموع الفتاوى لابن تيمية ج5 ص48، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص139، العلو للذهبي ص101، 102، العلو لابن قدامة ص116، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص301.

[38] الأسماء والصفات ص429.

[39] الفقه الأكبر ص301.

[40] الجواهر المنفية في شرح وصية الإمام ص10.

[41] شرح الوصية ص10.

[42] الرفع والتكميل ص385 بتصرف، وأقره محقق الكتاب ص387.

[43] الرفع والتكميل ص387 بتصرف.

[44] أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة ص611-635 بتصرف.

[45] الفوائد البهية ص76.

[46] الأعلام ج3 ص78. شذرات الذهب ج1 ص243. العبر ج1 ص229. وفيات الأعيان ج2 ص317. الدكتور مصطفى الشكعة, الإمام الأعظم أبو حنيفة ص232. بتصرف.

[47] تاريخ بغداد ج6 ص107.

[48] الطبقات السنية ج1 ص198.

[49] تاريخ بغداد ج6 ص107.

[50] انظر مقدمة محقق كتاب مشيخة ابن طهمان ص4606.

[51] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص306.

[52] تهذيب التهذيب ج1 ص131.

[53] الفوائد البهية ص145.

[54] الفوائد البهية ص145.

[55] معجم الأدباء ج17 ص6.

[56] تاريخ بغداد ج4 ص242. ابن خلكان ج6 ص378. شذرات الذهب ج1 ص298. البداية والنهاية ج10 ص180. تذكرة الحفاظ ج1 ص292. بتصرف.

[57] العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص42.

[58] الثقات ج7 ص645.

[59] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص277.

[60] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص270.

[61] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج3 ص730.

[62] الفوائد البهية ص224.

[63] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص277.

[64] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص249، 250.

[65] الأعلام ج6 ص309. وفيات الأعيان ج4 ص184. تاريخ بغداد ج2 ص172. العبر ج1 ص2 30. شذرات الذهب ج1 ص321. بتصرف.

[66] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص277.

[67] مختصر العلو ص113.

[68] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص271.

[69] الفوائد البهية ص68.

[70] خلق أفعال العباد ص68-69.

[71] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص270.

[72] خلق أفعال العباد ص28.

[73] فتح الباري ج13 ص453؛ ولفظه قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريَّتك بعثاً إلى النار".

[74] الفوائد البهية ص216.

[75] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص271.

[76] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج3 ص384.

[77] الفوائد البهية ص215.

[78] الفوائد البهية ص215.

[79] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص288.

[80] الجرح والتعديل ج4 ص331.

[81] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص308.

[82] فقه أهل العراق ص63.

[83] خلق أفعال العباد ص23.

[84] الفوائد البهية ص31.

[85] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص506.

[86] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص271.

[87] درء تعارض العقل والنقل ج6 ص265.

[88] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص384.

[89] مشايخ بلخ من الحنفية ج1 ص164.

[90] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص308.

[91] مشايخ بلخ من الحنفية ج1 ص125، 164.

[92] الفوائد البهية ص11-12.

[93] الثقات ج8 ص76.

[94] الطبقات السنية ج1 ص255.

[95] تاريخ بغداد ج14 ص191.

[96] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص291.

[97] تاريخ بغداد ج14 ص198.

[98] تاريخ بغداد ج14 ص198.

[99] تاريخ بغداد ج14 ص198.

[100] الفوائد البهية ص19.

[101] الفوائد البهية ص19.

[102] الطبقات السنية ج3 ص180.

[103] الطبقات السنية ج3 ص180.

[104] تاريخ أصبهان ج1 ص298.

[105] مشايخ بلخ من الحنفية ج1 ص131.

[106] شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة ج2 ص308.

[107] سير أعلام النبلاء ج15 ص27.

[108] وفيات الأعيان ج1 ص71. البداية والنهاية ج11 ص174. لسان الميزان ج1 ص274. شذرات الذهب ج2 ص288. الأعلام ج1 ص197.

[109] سير أعلام النبلاء ج15 ص27.

[110] سير أعلام النبلاء ج15 ص29.

[111] كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص62.

[112] النور اللامع ص69/أ.

[113] النور اللامع ص2/ب.

[114] فتاوى ابن صلاح ج1 ص209.

[115] تبديد الظلام ص137.

[116] الشيعة وفنون الإسلام ص74.

[117] مناهج السنة ج6 ص231.

[118] النبوات ص132.

[119] كتاب النبوات ص132، قال ابن تيمية: "قد تواتر هذا عن عليّ بن أبي طالب".

[120] أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت متخذاً خليلاً" ج7 ص20 ح4629؛ من طريق أبي يعلى عن محمد بن الحنيفة.

[121] أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر الصديق بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – ج7 ص16 ح3655؛ من طريق نافع عن ابن عمر

[122] أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان ج7 ص53 ح3697؛ من طريق نافع

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply

التعليقات ( 1 )

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حياكم الله

06:01:18 2020-05-04

أنا خريج الجامعة الاسلامية في المدينة النبوية. أكتب منكم من أذربيجان. أعجبني هذا المقال. أريد هذا المقالpdf. أردت تحميل