التربية والتعليم بين الحزم واللين عند رسول الله
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. التربية والتعليم بين الحزم واللين عند رسول الله
التربية والتعليم بين الحزم واللين عند رسول الله

التربية والتعليم بين الحزم واللين عند رسول الله

تاريخ النشر: 9 شعبان 1441 (2020-04-03)

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

 لقد كان رسول الله و ما يزال معلم البشرية جمعاء فى كل العصور..كم كان رائعا وهو يطبق قاعدة: (إن لكل مقام مقالا..و إن لكل موقف ما يناسبه)..فإذا به يستخدم اللين فى الوقت الذى لا ينفع فيه إلا اللين؛ و يستخدم الحزم فى الموقف الذى لا يجدى معه إلا الحزم..

و بُنيت على أساس ذلك نظرية التربية و التعليم الإسلامية التى لا تأخذ باللين وحده فيكون الانفلات من الإطار التكليفى، و لا تأخذ بالحزم وحده فيكون العنف و الغلظة.. و المواقف كثيرة هى..تلك التى استخدم فيها الرفق و اللين.. وكذا المواقف التى استخدم فيها الحزم.. وصدق الله العظيم: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} النساء 113.. وقبل أن نتناول بعض المواقف التى تبرهن على هذه النظرية التربوية التعليمية، نشير إلى أن القرآن العظيم عمُر بآيات بينات فى مواقف أكد فيها على أن هناك موقفا لا ينفع فيه إلا اللين، و أن هناك موقفا لا ينفع فيه إلا الحزم.. فمن ذلك على سبيل المثال: استخدام اللين من رب العزة سبحانه مع مريم فى وقت مخاضها {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا`وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا` فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} مريم 24-26 ذاك لأن الموقف موقف معاناة، و ولادة آية من آيات الله..فكان لابد أن يطمئنها رب العزة و يهدئ من روعها.. و كذا قوله لنبيه محمد {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} التوبة 43 فقدم العفو على اللوم و العتاب..لأنه يعلم سبحانه أن نبيه ما أراد باجتهاده إلا صالح الدعوة..                          

 ومن المواقف التى استخدم فيها رب العزة و الجلال الحزم: حين قال نوح عليه السلام عندما غرق ولده فى الطوفان {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود 45/46.. فالقرار هنا حازم، لأن الأمر الإلهى كان متمثلا فى البقاء للمؤمنين فحسب.. أما الكافرون فلا مناقشة بشأنهم.. و كذا قوله تعالى لزكريا عليه السلام حين سأل ربه: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} آل عمران 41.. ليعلمنا أنه إذا شاء الله فالقرار نافذ لا محالة..

من هنا علّم رسول الله الأمة- و خاصة أهل التربية و التعليم من الآباء و المعلمين و المربين -كيف و متى نستخدم اللين و كيف و متى نستخدم الحزم.

 فمن المواقف التى علمنا فيها ﷺ الرفق و اللين:

·       موقفه مع الرجل الذى بال فى المسجد: عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ : مَهْ مَهْ !.. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَا تُزْرِمُوهُ.. دَعُوهُ ".. فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ؛ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: " إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ " أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ .. قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.[1].. لقد استخدم الرفق و اللين مع هذا الرجل لأن هذا الرجل معذور بجهله و حديث عهد بالإسلام، و لم يسعفه الوقت ليتعلم آداب المسجد؛ فإذا بمعلم البشرية يستخدم معه منتهى الرفق، ثم يعلّمه أهمية تقديس المسجد و تنزيهه عن القذر.

·       موقفه مع معاوية السلمى: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ !.. فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ ؟!.. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،  فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ - فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ "[2].. ذلك هو نفس الأسلوب اللين الذى استخدمه فى المثال السابق، لأن معاوية السلمى حديث عهد بالإسلام و يجهل أحكام الصلاة، فعلمه برفق و لين، و رد عنه عنف أصحابه .

·       موقفه مع قريش حين فتح مكة:  و هو موقف مشهور و معلوم للجميع حين جُمعت له الجموع فقَالَ "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ " قَالُوا: خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ " فَإِنّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ" [3]. لقد عفا عنهم و رفق بهم بل طمأن رئيسهم أبا سفيان حين فزع من قول سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة.. فطمأنه رسول الله و قال له: "بل اليوم يوم المرحمة".. إن الموقف استوجب منه الرفق و اللين لأن الهدف قد تحقق و هو الفتح، و هو لا يرغب إلا فى فتح قلوب هؤلاء للإسلام.

·       موقفه مع عائشة حين سبت اليهود لقولهم السام عليك: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ قَالَ: "وَعَلَيْكُمْ"  فَقَالَتْ عَائِشَةُ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ..  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " مَهْلًا يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ أَوْ الْفُحْشَ " قَالَتْ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟! قَالَ: " أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ " [4]. و هو موقف تعليمى رفيع نتعلم فيه الترفع فوق الصغار و الصغائر، و عدم مجاراة الجهلاء فى جهلهم.  

·       موقفه مع كعب بن زهير: دخل كعب بن زهير الشاعر الذى كان يهجو رسول الله الْمَدِينَةَ تائبا راغبا فى الإسلام، فقَامَ إلَى رَسُولِ اللّهِ حَتّى جَلَسَ إلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ لَا يَعْرِفُهُ.. فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَك تَائِبًا مُسْلِمًا فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُك بِهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ :" نَعَمْ". قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ. فوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي وَعَدُوّ اللّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ ! فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ : "دَعْهُ عَنْكُ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمّا كَانَ عَلَيْهِ".. فَقَالَ قَصِيدَتَهُ اللّامِيّةَ الّتِي يَصِفُ فِيهَا مَحْبُوبَتَهُ وَنَاقَتَهُ الّتِي أَوّلُهَا: بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ.. مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ[5].. فانظر إلى هديه و تعليمه الأمة أن مَن تاب و نزع عما كان عليه عُفِى عنه، و قابلناه بالصفح الجميل.

·       موقفه مع الرجل الذى طالبه بديْن قَالَ زَيْدُ بن سَعْنَةَ – و كان يهوديا -: مَا مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إِلا اثْنَتَيْنِ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا تَزِيدُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا؛ فأردت أن أَعْرِفَ حِلْمَهُ مِنْ جَهْلِهِ، فأتيته فأعطيته مالا إلى مدة.. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأَجَلِ، أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلا تَقْضِيَنِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي ؟.. فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ بني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَطْلٌ  !.. وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ، وَإِذَا عَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ مَا أَسْمَعُ، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى ؟؟!، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وتُؤَدَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ وأَعْطِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رَوَّعْتَهُ"[6].  إن رسول الله استخدم الرفق مع الرجل، وكفّ اندفاع عمر و ضبط فورة تحمسه، بل جعله هو نفسه الذى يصحب الرجل إلى بيت المال فيعطيه حقه و يزيده نظير ترويعه إياه.. و كانت النتيجة إسلام زيد بن سعنة.

ومن المواقف التى علمنا فيها الحزم:

·       موقفه من عمر حين وجد معه جوامع من التوراة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي مَرَرْتُ بِأَخٍ لِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَكَتَبَ لِي جَوَامِعَ مِنْ التَّوْرَاةِ أَلَا أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ ؟؟.. قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ لَهُ أَلَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ؟! فَقَالَ عُمَرُ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ   رَسُولًا قَالَ فَسُرِّيَ عَنْ النَّبِيِّ ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ الْأُمَمِ وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ" [7]... لقد استخدم هنا الحزم، لأن الأمر يتعلق بالعقيدة، و قد ختم الله برسوله النبوة و جعل كتابه القرآن العظيم هو المهيمن، فلا حاجة لنا إلى غيره.

·       ذرونى ما تركتكم : و هذا موقف آخر استخدم فيه الحزم ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا " فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ.. حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ " ثُمَّ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ "[8]. إنه يضع أساسا حازما يتمثل فى النهى عن كثرة السؤال، و إنما يجب أن يكون الشعار "سمعنا و أطعنا".

·       موقفه مع معاذ حين أطال الصلاة: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ لِمَا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَطُّ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُجَوِّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ"[9]  و فى رواية أخرى بيان أنه معاذ و أن النبى   قال له مغضبا: "يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ أَوْ أَفَاتِنٌ - ثَلَاثَ مِرَارٍ- فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ "[10] لقد كان حازما مع معاذ حتى لا يستثقل الناس التكاليف الشرعية، و إنما لابد من الرفق بهم و تحبيب الصلاة إليهم.

·       لا..و نبيك الذى أرسلت: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ : "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ"  قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ وَرَسُولِكَ قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ[11]. و هنا أيضا يستخدم الحزم، لأن الأمر يتعلق بنقل الحديث عنه، إنه بحزمه يعلم الأمة و خاصة الدعاة منهم أن لا يتساهلوا فى نقل حديثه، و إنما يجب أن يُذكر الحديث بحرفيته دون زيادة أو نقصان أو تغيير، فحديثه تشريع، فلابد من الاحتياط الكامل و نحن نقول: قال رسول الله .

·       فهل أنتم تاركو لى صاحبى: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ : " أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ" فَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ.. فَقَالَ:" يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ" ثَلَاثًا.. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ ؟ فَقَالُوا لَا.. فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ !! فَقَالَ النَّبِيُّ : "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ"  فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا[12]. إن الحزم فى هذا الموقف مع عمر كان لابد منه ليعرف الجميع فضل أبى بكر و سبقه إلى الإسلام و مكانته كصدّيق هذه الأمة.

·       لقد جئتكم بالذبح : عن عمرو بن العاص قال: ما رأيت قريشا أرادوا قتل رسول الله إلا يوم ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة ورسول الله يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه حتى وجب لركبتيه، وتصايح الناس، وظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبع  رسول الله من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ثم انصرفوا عن النبي ﷺ، فقام رسول الله ، فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة فقال: «يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح»، وأشار بيده إلى حلقه، قال له أبو جهل: يا محمد، ما كنت جهولا، فقال رسول الله : « أنت منهم »[13] و عند أحمد: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ[14].. هذا الموقف الحازم منه كان لرد التطاول و السخرية و الاعتداء و الإرهاب الذى مارسه أهل الكفر معه و تماديهم فى ذلك، فكان لابد من كلمة حازمة؛ التى معناها أنكم إن أردتم قتلى و ذبحى فسأدافع عن نفسى بنفس سلاحكم القتل و الذبح.. و ليس كما يفهم بعض الغلاة أن الشريعة الإسلامية جاءت بترويع و قتل و ذبح الآخرين ابتداءا و يشيعون أن هذا هو منهج الإسلام، و كذبوا؛ فالإسلام مشتق اسمه من السلام؛ أما إذا قوتل أهله فقد كُتب عليهم القتال، وكما يحرص العدو فى الميدان على الذبح و القتل فلابد من استخدام نفس السلاح لرد الاعتداء.

·       من أكل ثوما: عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قال: قَالَ النَّبِيَّ : "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا" أَوْ قَالَ: "فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ" [15].. هنا أيضا موقف حازم منه ﷺ، بقوله: :"فليعتزلنا " " فليعتزل مسجدنا ".. لأنه يحرص على وجود الملائكة فى المساجد، و وجودها حتما فى مصلحة المصلين؛ لأن الملائكة فى المسجد تدعو للمصلين ما داموا فى مصلاهم، فليحرص المسلم على وجود الملائكة معه فى المسجد ليزداد خيرا و بركة؛ لذا كان عليه أن يأتى و ريحه طيب، و يبتعد عما يؤذى الملائكة و ينفرها. فلنستخدم اللين فى المواقف التى تتطلب اللين، و لنستخدم الحزم فى المواقف التى تتطلب الحزم، لأن هذا منهج التربية و التعليم النبوى..  هذا و الله أعلم، و الله من وراء القصد.

نشر هذا المقال فى مجلة الوعى الإسلامى الكويتية عدد ربيع الأول 1439ه

الهوامش


[1] مسلم 2/133

[2] مسلم 3/140

[3] زاد المعاد 3/356

[4] البخارى 20/13

[5] زاد المعاد 3/455

[6] المعجم الكبير للطبرانى 5/164

[7] أحمد 32/18

[8] مسلم 7/42

[9] البخارى 3/254  

[10] البخارى 3/122

[11] البخارى 1/412

[12] البخارى 11/496

[13] أبو يعلى 15/146 

[14] أحمد 14/277

[15] البخارى 3/362

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات