قصة ارتحالي إلى العرب الأوائل


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

لا أخفيكم أن أحداث هذه القصة حقيقة لم أتخيلها ولم أحلم بها وهي رحلة أدبية خضتها بقدمي بعدما عكفت مدة في قراءة الأدب؛ كنت أقرأ وأطرب لذةً ومتعة؛ وها أنا في هذه الرحلة أسير وأتمايل نشوَةً وسعادة؛ لا أعلم في حياتي أيامًا متصلة ملأت السعادة جوانحي حتى فاضت على كل من رأيت بعدها بالحديث عنها وها أنذا أرويها لكم ولن أعتذر على الإطالة بل سأعتذر لنفسي أنني سأبخس هذه الرحلة بالحديث الناقص عنها.

ظهر ذلك اليوم حينما وصلتُ إلى راوند وبانتظار الحقيبة وَكَزَني من خلفي رجل وأخبرني أنه سقط مني مبلغ -كان عشرة دولارات- لم أنتبه لسقوطه ولن أعيره اهتمامًا لو ضاع وهو يسير عندنا كبير عندهم فإذا هذا الرجل الذي نبهني عليه عامل نظافة!!؛

استلمت الحقيبة وخرجت من المطار كان في استقبالي صديقي عبدالحميد تهلل وجه حينما رآني وقد فرح برؤيتي جدًا وقال: ما كنت أظن أن نلتقي هنا في بلدي راوندا!

أتصدقون لو قلت لكم أني أمضيت أسبوعًا هناك سافرت لأربع مدن في تلك الدولة لم أنم ليلة واحدة في فندق كانت البيوتات تتلقفنا عن يمين وشمال؛ من لم يظفر بنومنا عنده كان لا يساوم على ضيافتنا غداءً أو عشاءً؛ وإن لم يكن فلا مناص من التَفَكُه وشرب الشاي والعصير = أسبوعًا كاملًا لم نعرف فيها مطاعم ذلك البلد حتى التموينات لم نذهب لها إلا مرة ولم ندفع شيئًا؛ قال لي ذلك الرجل عندما علم بعودتنا: "بالله عليك كيف سأقول لامرأتي أن الأضياف سافروا ولم أكرمهم، أرجوك عدني أنك ستعود!!" إحدى البيوتات التي استضافتنا لم يكتمل بناء البيت إلا غرفتين؛ كان يعيش فيها هو وزوجته؛ فأعادها لمنزل أهلها واستضافنا؛ أحدهم استضافنا يومين وكنا نخرج باكرًا فكان يرسل الفطور لنا في المكان الذي خرجنا إليه؛ آخر استضافنا في بيته وهو رئيس بلدية سابق لمدينة كبيرة ورئيس الحزب الحاكم في تلكم المدينة؛ أجيبوني من أين سيتسرب الحنين للوطن معهم؟!

وكنت أتسائل في خضم هذه الأحداث: هل ستقوم لنا قائمة نحن العرب في الكرم والشهامة بعد هؤلاء؟ مفاخر كثر ظننتها خاصةً بالعرب هَوَت في أيام قلائل؟ لكن سليْتُ نفسي فقلت: لا مقاربة بين واقعك وبين ما رأيت منهم؟ بل التقارب الصحيح هو بين ما قرأت للعرب وبين ما رأيت؟ لذا قلت في بداية حديثي سأروي لكم رحلتي إلى العرب الأوائل.

صلينا الفجر ذات مرة وبعد الصلاة انطلقنا لزيارة بعض المسلمين الذين لا يصلون تحدثت مع الأول بكلمات يسيرة ك: سعادتي برؤية أخٍ لي في أدغال إفريقيا مسلم: لحظة مؤثرة؛ كان ذا قلب رهيف وعاطفة جيّاشة ومشاعر صادقة فاضَت عينه؛ -عرفت حينها ما هي الأخوة التي قرأت عنها كثيرًا- لم أتمالك نفسي إلا أن احتضنته رأيت الصلة الوشيجة والرابطة القوية بيني وبينه لم أره قبلها ولن أراه بعدها إلا في الجنة معكم -إن شاء الله- والثاني والثالث كذلك؛ وحينما انتهيت أجزم أن تلك العاطفة والمشاعر التي تملّكتني حينها لو وُزعت على أهل الأرض لأصلحت أحوالهم؛ فبالله عليكم كيف سيشعر المسافر بفقدان الأحبة مع هؤلاء؟

 

يعمل جلّ الراونديين صباحًا وعصرًا؛ فبعد صلاة مغرب أحد الأيام أخبرهم الإمام أن هناك كلمة سنلقيها، أتصدقون إن قلت لكن من قام بعد الصلاة ليذهب عاد وأنصت ومن كان خارج المسجد دخل لسيتمع؟! أتصدقون أني لم أرَ أحدًا يتحرك خلال تلك الكلمة؟! عجيب هذا التعطش للعلم والرغبة في الازدياد منه والمحبة لهذا الدين من الجميع الصغير والكبير، لله درّهم؛ يومٌ آخر كانت الكلمة بعد صلاة العصر ولديهم أعمال ومع ذلك جلس عدد لا بأس به يستمع!!

قدمنا إلى بلادهم في فترة إجازة لديهم فانطلق الأطفال والشبان للمرح واللهو! لا لم يحدث هذا ذهبنا ضحى أحد الأيام إلى المدرسة الإسلامية فرأيت طلابًا لا يعرفون الإجازة مع القرآن سمعت أصواتًا شجيّة وترتيلًا حسنًا وتجويدًا فائقًا استحييت من نفسي وقلت كيف لك أن ترى من لا يعرف العربية فيقرأ القرآن الذي أنزل بلغتك قراءةً أحسن منك؛ لله أبوهم همة عالية وتضحية عجيبة وروح متألقة وهذه ليست إلا إحدى الشواهد؛

زرنا لمدة ثلاثة أيام دورة مكثفة في معهد اسمه "معهد الشاكرين" قد أقاموا هذه الدورة لطلاب المتوسط والثانوي لمدة أسبوعين كان المستهدف مائة وعشرين طالبًا لكن الذين حضروا تجاوزوا المئتين، المواقف التي تخللت الدورة كثيرة لكن سأحكي لكم موقفًا واحدًا عجيبًا هزّني وأتعبني وأضناني وراجعت نفسي: حدث في أول ليلة من ليالي الدورة أن اجتمع المشرفون بعد انتهاء البرنامج فطال الاجتماع وتأخروا عن النوم ولم يناموا إلا الساعة ١٢ ليلًا وكان البرنامج أن يوقظوا الطلاب الساعة ٢:٣٠ لقيام الليل حتى الفجر -أذان الفجر الساعة ٥- نام المشرفون ومع السهر والسفر والتعب كان أول مشرف استيقظ الساعة الثالثة قام مفجوعًا ذهب لغرف الطلاب ليوقظهم فلم يجد أحدًا ثار واشتدّ غضبه أين هم؟ ثم سكن وفكر وقال لأنظر في المسجد فوجد العجب رأى جميع الطلاب مستيقظين ويصلون؛ لله أبوهم، من في أعمارهم منشغل طربًا ولعبًا طربًا قيام من أنفسهم لله تعالى!!!

أما معهد الشاكرين فهو معهد لطلبة المتوسط والثانوي وهو معهد مبارك متكامل الأركان فيه ملعب ومطبخ وسكن للطلاب والأساتذة وجامع كبير حتى أن من يرعاه يقيم الآن الأوقاف لتعود على المعهد، وأساتذته من خيرة الأساتذة وطلبته من أنجب الطلاب كان ذهابنا لهذه الدورة لنعاون الأساتذة ونساعد الطلاب على الحديث باللغة العربية وإن لم أجلس في الدورة إلا ثلاثة أيام لكن عددًا من الطلبة والطالبات لا بأس به انفتق لسانهم بالعربية وما ذاك إلا لنباهتهم وحرصهم على التعلم بل كانوا يأتون إلينا في أوقات الراحة والغداء ليحادثونا أو يسألونا.

 

قبل الختام سأتحدث عن رجل عجيب رأيته في هذه الرحلة:

هذا الرجل نسيج وحده قلما رأيت مثله داعية مميّز وعالم عامل مجاهد لخدمة دينه رقيق الحاشية دمث الخلق ليّن العريكة حسن الحديث اسمه الشيخ عثمان كبريت كان قد درس ست سنوات في الأزهر من الثالث متوسط حتى السنة الثانية من الجامعة وكان متميزًا متفوقًا ومن الأوائل في دراسته ثم عاد لبلاده ليقضي إجازته فزار في الإجازة قرية قريبة من مدينته جُلُّ سكانها من المسلمين فوجد أمرًا عجيبًا وهو أنهم لا يصلون الجمعة ولا يؤذنون للصلاة وسبب ذلك أن كل أهل القرية لا يعرفون العربية فنظر وتدبر وفكر وقدر وقال: ما عندي إلا علم قليل يُقيم الحد الأدنى من ديني وهؤلاء ليس عندهم هذا الحد، فإما أعلمهم ما أعلم أو أكمل دراستي وأعود متشبعًا بعلم غزير وشهادات عالية فأنفعهم وغيرهم؛ فقارب بينهما وقارن وقاس وحقق فعلم أن لا مناص له من الأولى وأن يضحي بشهادته ففعل ذلك وانتقل إلى القرية ليعلمهم ما يقيم دينهم، ففعل هذا قبل خمسة وعشرين سنة والآن هذه القرية موجود فيها أكبر مسجد في راوندا وأكبر معهد إسلامي للتعليم الديني  والنظامي وهو معهد الشاكرين الذي تحدثنا عنه؛ فتح الله عليه بعد ذلك بالتجارة وكان تاجرًا في قطع غيار سيارات المرسيدس وكان لا يشرع المحل أبوابه إلا الساعة العاشرة وهو وقت متأخر جدًا وسبب ذلك أنه وموظفيه في المحل يدرّسون الناس في المسجد من بعد الفجر حتى تلكم الساعة؛

وهو صاحب ثقافة وإطلاع واسع أخبرنا مرة أن المسلمين قبل الاستعمار كانوا في وسط مدينة "نيانزا" وهي عاصمة راوندا حينها ولما جاء الاستعمار قبل مائة عام طردهم ووضعهم في قرية مجاورة للمدينة يقول الشيخ عثمان: فكنت زمنًا أبحث عن المكان الأصلي للمسلمين في المدينة حتى وجدته ولمّا وجدته اشتريت أقرب أرض لها وبنيت عليها مسجد أتدرون لماذا؟! حتى لا تُمحى الذاكرة المكانية للمكان من الوجدان والتاريخ.

من أعجب القصص التي أخبرنا بها الشيخ عثمان أنه حينما هجم الاستعمار على راوندا استدعى ملكُها أتباعَ الديانات التي في بلده لينتقي منها ما تعينه على مجابهة الاستعمار فلما سأل النصارى عن دينهم أخبروه بأن ربنا قد صلب لأجلنا فبفطرته السليمة سألهم باستنكار كيف نعبد ربًا يصلب لم يدافع عن نفسه فمن باب أولى أنه لن يحمينا وحين سأل المسلمين أجابوه بأن ربنا واحد هو خالق السماوات والأرض القادر على كل شيء فقال: دينكم ديني وربكم ربي فكيف أدخل في الإسلام؟ يقول الشيخ عثمان: ولأنهم لم يكونوا دعاة -رحمهم الله- قالوا من شروط دخول الإسلام الختان فخاف من ذلك وتردد ولم يدخل للإسلام ولكنه دعمهم ونصرهم، وهذا غيضٌ من فيض عجائبه وتضحياته وأفكاره الإبداعية الفذّة.

 

أقول ختامًا إن راوندا بلدٌ بِكر تنتظر جذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب من يفتح الله بأعماله خيرًا كثيرًا ويُيسر على يديه نشر الإسلام حتى يضرب بجرانه ويتجذر في هذا البلد وإني أرجو من الله أن تكون أنت ذلك الرجل يا من تقرأ كلامي، لا تحسب كلامي تخرصًا وضربًا من الخيال فهذا شيخ الدعاة في إفريقيا عبدالرحمن السميط يقول: "أنا كل الذي أريده أن تعطيني خريجًا حكيمًا وذكيًّا ويتحمل أرسله إلى دولة إفريقية، لو عندي واحد في كل دولة إفريقية بهذه المواصفات أنا مستعد أنا أسلمكم إفريقيا أو أسلمكم تلك الدولة بعد خمس عشر سنة وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (من كتاب: في صحبة السميط ص١٣٨) ثم لتعلم أن عدد المسلمين في راوندا لا يتجاوز خمسةً بالمائة ولكنهم ليسوا كأي مسلمين فاعتزازهم بدينهم كبير وعملهم لدعوته عظيم وصدور الراونديين من غير المسلمين رحبةٌ وفطرُهم فيها من السلامة التي تعينهم على قبول الإسلام [في خضم رحلتنا ركب صديقي عبدالحميد دبابًا مع أحدهم وهو كسيارة الأجرة فكان يحدثه عن الإسلام وهو جالس خلفه فما نزل حتى شرح الله صدره فأسلم] ولتعلم أن عدد الطلبة الراونديين الذين تخرجوا من الجامعات الإسلامية قبل عشرين سنة كانوا ثمانية طلاب فقط أما الآن فإن المتخرجين قد شارفوا المائة والدارسين قد جاوزوا الخمسين فالله الله والهمة الهمة لعل الله أن ينفع بك وينفعك فقليلك كثير عندهم والله الموفق والمعين لنصرة دينه وتمكين دعاته وإصلاح عباده وعلى الله ربنا توكلنا ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الدكتور عبدالرحمن صالح العقيل

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply