سوق الجنة


 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ سُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فِيهَا كُثْبَانُ الْمِسْكِ، فَإِذَا خَرَجُوا إِلَيْهَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَتَمْلَأُ وُجُوهَهُمْ، وَثِيَابَهُمْ، وَبُيُوتَهُمْ مِسْكًا، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَأْتُونَ أَهْلِيهِمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، وَيَقُولُونَ لَهُنَّ: وَأَنْتُمْ قَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا) مسلم وأحمد

 

** (إِنَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ سُوقًا) أي مجمعا لهم يجتمعون فيه كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق (يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ) أي مقدارها من الدنيا، إذ ليس هناك حقيقة أسبوع لفقد الشمس والليل.

** وفي حديث رواه الترمذي -وفيه ضعف- عَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، مَا فِيهَا شِرَاءٌ، وَلاَ بَيْعٌ إِلاَّ الصُّوَرُ، مَنْ أَحَبَّ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا أَوِ اشْتَهَى صُورَةً دَخَلَ فِيهَا، وَلِلْحُورِ مَجْمَعٌ يَجْتَمِعْنَ فِيهِ يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعْ مِثْلَهُ أَحَدٌ، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلا نَمُوتُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نَبْؤُسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلا نَسْخَطُ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا، وَكُنَّا لَهُ).

قوله: (مَا فِيهَا شِرَاءٌ، وَلاَ بَيْعٌ) أي ليس فيها تجارة (إِلاَّ الصُّوَرُ) أي التماثيل المختلفة، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها، أي تشكل بها

قيل يحتمل الحديث معنيين:

// أحدهما: أن يكون معناه عرض الصور المستحسنة عليه فإذا اشتهى وتمنى تلك الصورة المعروضة عليه صوره الله سبحانه بشكل تلك الصورة بقدرته.

// وثانيهما: أن المراد من الصورة الزينة التي يتزين الشخص بها في تلك السوق ويتلبس بها ويختار لنفسه من الحلي والحلل والتاج .. يعني فإذا رغب في شيء منها أعطيه، ويكون المراد من الدخول فيها التزين بها

وعلى كلا المعنيين التغير في الصفة لا في الذات [تحفة الأحوذي]

 

** وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون [الإبل البيض] عليها رحال الميس، تثير مناسمها غبار المسك، زمام - أو خطام - أحدها خير من الدنيا وما فيها".

** وعن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة -رضي الله عنه- [أي في سوق المدينة]، فقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة. فقال سعيد: أفيها سوق؟! [يعني وهي موضوعة للحاجة إلى التجارة] قال: نعم، أخبرني رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم [أي بقدر زيادة طاعاتهم كمية وكيفية]، ثم يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا [أي في مقدار الأسبوع من أيام الدنيا] فيزورون ربهم [أي فيه]، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة [أي يظهر ويتجلى ربهم بدون حجاب]، فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة [أي بحسب مقادير أعمالهم ومراتب أحوالهم]، ويجلس أدناهم -وما فيهم من دني- [والمراد به الأدنى في المرتبة، فليس في أهل الجنة دون وخسيس] على كثبان [تلال] المسك والكافور، أن يرون ما أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً. [أي لا يظنون ولا يتوهمون أن أصحاب الكراسي وأرباب المنابر بأفضل منهم مجلسا حتى يحزنوا بذلك، فالجنة ليس فيها حزن مطلقا .. قال في التنزيل {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} فاطر34]

قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله، وهل نرى ربنا؟ قال: نعم، قال: هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا. قال: كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم،

ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله محاضرة [كَشَفَ الْحِجَاب وَالْمُقَارَبَة مَعَ الْبُعْد مِنْ غَيْر تُرْجُمَان] ٍحتى يقول للرجل منهم: يا فلان ابن فلان، أتذكر يوم قلت كذا وكذا. فيذكر بعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب أفلم تغفر لي. فيقول: بلى، فسعة مغفرتي بلغت بك منزلتك هذه.

فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط، ويقول ربنا: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم.

فنأتي سوقاً قد حفت به الملائكة (فيه) ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب، (فيجعل -وفي رواية: فيحمل-) لنا ما اشتهينا [أي إلى قصورنا] ليس يباع فيها ولا يشترى،

وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً، فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه -وما فيهم دني- فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل إليه ما هو أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها،

ثم ننصرف إلى منازلنا، فتتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحباً وأهلاً لقد جئت وإن بك من الجمال أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار - جل جلاله - وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا' [الترمذي].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply

التعليقات ( 1 )

جزاكم الله خيرا

20:19:57 2020-11-30

جزاكم الله خيرا