‏حزين بلا أحزان


 ‏ بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
‏هناك بلا شك مَنْ لحزنه أسبابه ودواعيه، لكن معظم الذين يشعرون بالحزن ويتحدثون عنه أمام الآخرين، هم في الواقع أناس بلا أسباب حقيقية تستدعي ذلك الحزن الملازم لحياتهم، وإنما مرد ذلك إلى الفراغ وضياع الهدف والمعنى في حياتهم، مع أنهم يتحلون بصحة طيبة وحالة مادية جيدة!

كنتُ أتفكر في حال هؤلاء الذين جعل بعضهم الحزن له حالة موازية لحالة فراغه أو عدم إشباع رفاهيته أو "طفشه"، وحالات وقفتُ عليها بنفسي أو سمعتها من أهل الاختصاص، وكنتُ أقول في نفسي: لو أن هؤلاء الذين يتوجعون ترفًا من أحزانهم المصطنعة وقفوا عليها بأنفسهم لزالت أحزانهم، واكتشفوا النعمة!

تلك هي حالات حقيقية سيجدها الإنسان في مستشفيات النقاهة أو المستشفيات التخصصية التي تعتني بمثل تلك الحالات الخطيرة والمزمنة، حالات عجيبة وغريبة من الأمراض التي لم ولن تخطر على بال معظم البشر، أمراض معقدة وشديدة ومؤلمة، تظل ملازمة لبعض الحالات لسنين عديدة وهم على الفراش معزولين!

وقفتُ على حالة شاب في عنفوان شبابه، يرقد على السرير منذ بضع سنين، بسبب حادث سيارة، وقد أصيب بشلل كامل، لا يستطيع أن يحرك شيئًا من جسمه إطلاقًا، فلا يقدر أن يأكل أو يشرب بنفسه ولا أن ينظف نفسه. في غرفته لوحده في صمت رهيب معظم اليوم تحت الأجهزة، استوت بالنسبة إليه الأيام والساعات!

فتاة في ريعان الشباب، بسبب مشكلة جينية أصابتها أو ظهرت عليها، أوجدت مشكلة خطيرة في جسدها، مما ترتب عليها أن تدخل المستشفى لفترة طويلة وتبقى هناك، وتحت تأثير الأدوية تبقى شبه غائبة عن الوعي، نائمة في حياة ضبابية يصعب عليها أن تفصل حقيقة الواقع الذي تعيشه عن حلم اراه في منامها!

شباب وأطفال وشيوخ ونساء ورجال ينتظرون في خوف وحزن ووجل نتائج الفحوصات التي أجريت لهم لتحدد ما إذا كان ما ظهر في أجسادهم هو بسبب ورم أم لا؟ وهل وهو ورم حميد أو ورم خبيث؟

‏وآخر يخفض الطبيب صوته وهو يهمس لطاقمه بأن حالته متقدمة والسرطان شرس، وأنه ليس أمامه إلا بضعة شهور على الأكثر!

فتيات وشباب يعانون آلامًا شديدة عند اللقمة الصغيرة والشربة القليلة، وآخرون يواجهون أشد الآلام التي لا توصف عندما يريدون أن يخرجوا ما أكلوه أو شربوه، حتى صار الأكل والشرب كابوسًا مرعبًا ومخيفاً، فهم بين مدافعة الجوع والعطش أو مواجهة نتائج الأكل والشرب، في عذاب لا يعلمه إلا الله!

حالات كثيرة وخطيرة أهلها لا يزالون في المستشفيات يمكثون لسنوات طويلة، هم أحياء كالأموات، أو في آلام عظيمة لا يذهبها مؤقتًا إلا المسكنات، وهم في عزلة مميتة، حتى الأهل والإخوان لطول مكوثهم قلَّت زيارتهم لهم كما كانت في بدايتها!

‏وهناك حالات يصعب أحيانًا نقلها أو وصفها هنا!

ثم تتعجب بعد ذلك ممن هو في عافية وسلامة ونعمة، في صحته ودينه وماله، وهو يشتكي الأحزان والهموم والغموم، التي هي في الواقع بلا سبب حقيقة غير الفراغ وفقدان المعنى، ووالله الذي لا إله غيره، لو غُمِسَ هؤلاء المدعون غمسةً واحدة مع هؤلاء المرضى في المستشفات لعلموا أنهم في عافية عظيمة!

أسباب الحزن والهم والغم، وأن يلبسنا جميعًا لباس الصحة والعافية، وأن يشفي كل مريض ويعافي كل مبتلى، ويرفع عن كل قلب ما أثقله، وأن يبصر أعيننا وعقولنا بالنعم العظيمة التي نعيش فيها وننعم بها نحن ومن هم حولنا ومعنا، ويرزقنا شكرها وأداء حقها.
                                                           وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply