تفسير سورة طه

رجوع
 
<div class="wrapper" style="padding:10px;">
 <h1 class="title">سورة طه - تفسير السعدي</h1>
 
  
 <div class=Section1 dir=RTL>
  
 <p><h1>&quot; طه &quot; </h1></p>
  
 <p>&quot; طه &quot; من جملة الحروف المقطعة, المفتتح بها كثير من
 السور, وليست اسما للنبي, صلى الله عليه وسلم. </p>
  
 <p>&nbsp;</p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; ما أنزلنا عليك
 القرآن لتشقى &quot; </h1>
  
 <p>&quot; مَا
 أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى &quot; أي: ليس المقصود بالوحي, وإنزال القرآن عليك, وشرع الشريعة, لتشقى
 بذلك, ويكون في الشريعة تكليف, يشق على المكلفين وتعجز عنه قوى العاملين. <br>
 وإنما الوحي, والقرآن والشرع, شرعه الرحيم الرحمن, وجعله موصلا للسعادة, والفلاح,
 والفوز, وسهله غاية التسهيل, ويسر كل طرقه وأبوابه, وجعله غذاء القلوب والأرواح,
 وراحة للأبدان. <br>
 فتلقته الفطر السليمة والعقول المستقيمة, بالقبول, والإذعان, لعلمها بما احتوى
 عليه, من الخير في الدنيا والآخرة, ولهذا قال: </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إلا تذكرة لمن يخشى &quot; </h1>
  
 <p>&quot; إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى &quot; أي: إلا ليتذكر به من يخشى الله تعالى, فيتذكر ما فيه من الترغيب, لأجل
 المطالب, فيعمل بذلك, ومن الترهيب عن الشقاء والخسران, فيرهب منه, ويتذكر به
 الأحكام الحسنة الشرعية المفصلة, التي كانت مستقرا في عقله حسنها مجملا, فوافق
 التفصيل ما يجده في فطرته وعقله, ولهذا سماه الله &quot; تذكرة
 &quot; . <br>
 والتذكرة لشيء كان موجودا, إلا أن صاحبه غافل عنه, أو غير مستحضر لتفصيله. <br>
 وخص بالتذكرة &quot; من يخشى &quot; لأن غيره لا ينتفع به. <br>
 وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنة ولا نار, ولا في قلبه من خشية الله مثقال ذرة؟ هذا
 ما لا يكون. <br>
 &quot; سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
 الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى &quot; . <br>
 ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم, وأنه تنزيل خالق الأرض والسماوات, المدبر لجميع
 المخلوقات. <br>
 أي: فاقبلوا تنزيله, بغاية الإذعان, والمحبة, والتسليم, وعظموه نهاية التعظيم. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا &quot; </h1>
  
 <p>وكثيرا ما يقرن بين الخلق والأمر, كما في هذة الآية, وكما في قوله: &quot; أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ &quot; وفي قوله: &quot; اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
 مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ &quot; وذلك أنه الخالق
 الآمر الناهي. <br>
 فكما أنه لا خالق سواه, فليس على الخلق إلزام, ولا أمر, ولا نهي إلا من خالقهم. <br>
 وأيضا, فإن خلقه للخلق, فيه من التدبير القدري الكوني, وأمره, فيه التدبير الشرعي
 الديني. <br>
 فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة, فلم يخلق شيئا عبثا, فكذلك لا يأمر ولا ينهى,
 إلا بما هو عدل, وحكمة, وإحسان. <br>
 فلما بين أنه الخالق المدبر, الآمر الناهي, أخبر عن عظمته وكبريائه, فقال: </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; الرحمن على العرش استوى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ &quot; الذي هو أرفع
 المخلوقات وأعظمها, وأوسعها. <br>
 &quot; اسْتَوَى &quot; استواء يليق بجلاله, ويناسب عظمته
 وجماله, فاستوى على العرش, واحتوى على الملك. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى
 &quot; </h1>
  
 <p>&quot; لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا
 بَيْنَهُمَا &quot; من ملك وإنسي وجني, وحيوان,
 وجماد, ونبات. <br>
 &quot; وَمَا تَحْتَ الثَّرَى &quot; أي: الأرض, فالجميع
 ملك لله, تعالى, عبيد مدبرون مسخرون, تحت قضائه وتدبيره ليس لهم من الملك شيء, ولا
 يملكون لأنفسهم, نفعا ولا ضرا, ولا موتا, ولا حياة, ولا نشورا. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ &quot; الكلام الخفي &quot; وَأَخْفَى &quot; من السر,
 الذي في القلب, ولم ينطق به, أو السر: ما خطر على القلب &quot;
 وأخفى &quot; : ما لم يخطر, يعلم تعالى أنه يخطر في وقته, وعلى صفته. <br>
 المعنى: أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء, دقيقها, وجليها خفيها, وظاهرها. <br>
 فسواء جهرت بقولك أو أسررته, فالكل سواء, بالنسبة لعلمه تعالى. <br>
 فلما قرر كماله المطلق, بعموم خلقه, وعموم أمره ونهيه, وعموم رحمته, وسعة عظمته,
 وعلوه على عرشه, وعموم ملكه, وعموم علمه, نتج من ذلك, أنه المستحق للعبادة, وأن
 عبادته هي الحق التي يوجبها الشرع, والعقل, والفطرة. <br>
 وعبادة غيره باطلة, فقال: </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى &quot; </h1>
  
 <p>&quot; اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ &quot; أي: لا معبود بحق, ولا مألوه بالحب والذل, والخوف والرجاء, والمحبة
 والإنابة والدعاء وإلا هو. <br>
 &quot; لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى &quot; أي: له الأسماء
 الكثيرة الكاملة الحسنى. <br>
 من حسنها, أنها كلها, أسماء دالة على المدح. <br>
 فليس فيها, اسم لا يدل على المدح والحمد ومن حسنها, أنها ليست أعلاما محضة, وإنما
 هي أسماء وأوصاف. <br>
 ومن حسنها, أنها دالة على الصفات الكاملة, وأن له من كل صفة, أكملها, وأعمها,
 وأجلها. <br>
 ومن حسنها, أنه أمر العباد أن يدعوه بها, لأنها وسيلة مقربة إليه, يحبها, ويحب من
 يحبها, ويحب من يحفظها, ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها, قال تعالى: &quot; وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا &quot; .
 </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; وهل أتاك حديث موسى &quot; </h1>
  
 <p>يقول تعالى لنبيه محمد, صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام
 التقريري. <br>
 والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها: &quot; وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
 مُوسَى &quot; في حاله التي هي مبدأ سعادته, ومنشأ نبوته, أنه رأى نارا من
 بعيد, وكان قد ضل الطريق, وأصابه البرد, ولم يكن عنده, ما يتدفأ به في سفره.</p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها
 بقبس أو أجد على النار هدى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ &quot; أي: أبصرت &quot; نَارًا &quot; وكان ذلك في
 جانب الطور الأيمن. <br>
 &quot; لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ &quot; تصطلون
 به &quot; أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى &quot; . <br>
 أي: من يهديني الطريق. <br>
 وكان مطلبه, النور الحسي والهداية الحسية. <br>
 فوجد ثم النور المعنوي, نور الوحي, الذي تستنير به الأرواح والقلوب, والهداية
 الحقيقية, هداية الصراط المستقيم, الموصلة إلى جنات النعيم. <br>
 فحصل له أمر, لم يكن في حسابه, ولا خطر بباله. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; فلما أتاها نودي يا موسى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 فَلَمَّا أَتَاهَا &quot; أي: النار التي آنسها من
 بعيد, وكانت - في الحقيقة - نورا, وهي نار تحرق وتشرق, ويدل على ذلك قوله صلى الله
 عليه وسلم &quot; حجابه النور أو النار لو كشفه, لأحرقت سبحات
 وجهه, ما انتهى إليه بصره &quot; فلما وصل إليها نودي منها أي: ناداه الله
 كما قال: &quot; وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
 وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا &quot; </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ
 طُوًى &quot; أخبره أنه ربه, وأمره أن يستعد
 ويتهيأ لمناجاته, ويهتم لذلك, ويلقى نعليه, لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم. <br>
 ولو لم يكن من تقديسه, إلا أنه اختار لمناجاته, كليمه موسى, لكفى. <br>
 وقد قال كثير من المفسرين: &quot; إن الله أمره أن يلقي نعليه,
 لأنهما من جلد حمار &quot; , فالله أعلم بذلك. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 وَأَنَا اخْتَرْتُكَ &quot; أي: تخيرتك واصطفيتك
 من الناس. <br>
 وهذه أكبر نعمة ومنة أنعم الله بها عليه, تقتضي من الشكر, ما يليق بها, ولهذا قال:
 &quot; فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى &quot; أي: ألق سمعك للذي
 أوحى إليك فإنه حقيق بذلك, لأنه أصل الدين ومبدأه, وعماد الدعوة الإسلامية. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري &quot;
 </h1>
  
 <p>ثم بين الذي يوحيه إليه بقوله: &quot; إِنَّنِي أَنَا
 اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا &quot; أي: الله المستحق الألوهية المتصف
 بها, لأنه الكامل في أسمائه, وصفاته, المنفرد بأفعاله, الذي لا شريك له, ولا مثيل,
 ولا كفو ولا سمي. <br>
 &quot; فَاعْبُدْنِي &quot; بجميع أنواع العبادة, ظاهرها
 وباطنها, أصولها وفروعها. <br>
 ثم خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة, لفضلها وشرفها, وتضمنها عبودية
 القلب, واللسان, والجوارح. <br>
 وقوله: &quot; لِذِكْرِي &quot; اللام للتعليل أي: أقم
 الصلاة لأجل ذكرك إياي. <br>
 لأن ذكره تعالى, أجل المقاعد, وبه عبودية القلب, وبه سعادته. <br>
 فالقلب المعطل عن ذكر الله, معطل عن كل خير, وقد خرب كل خراب. <br>
 فشرع الله للعباد, أنواع العبادات, التي, المقصود منها, إقامة ذكره وخصوصا,
 الصلاة. <br>
 قال تعالى: &quot; اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ
 وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
 وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ &quot; . <br>
 أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر. <br>
 وهذا النوع يقال له توحيد الإلهية, وتوحيد, العبادة فالألوهية, وصفه تعالى,
 والعبودية, وصف عبده. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ &quot; أي: لا بد من
 وقوعها &quot; أَكَادُ أُخْفِيهَا &quot; . <br>
 أي: عن نفسي كما في بعض القراءات, كقوله تعالى &quot;
 يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا
 عِنْدَ رَبِّي &quot; وقال: &quot; وَعِنْدَهُ عِلْمُ
 السَّاعَةِ &quot; . <br>
 فعلمها, قد أخفاه عن الخلائق كلهم, فلا يعلمها ملك مقرب, ولا نبي مرسل. <br>
 والحكمة في إتيان الساعة &quot; لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
 تَسْعَى &quot; من الخير والشر, فهي الباب لدار الجزاء &quot;
 لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا
 بِالْحُسْنَى &quot; . </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى &quot; </h1>
  
 <p>أي: فلا يصدك ويشغلك عن الإيمان بالساعة, والجزاء, والعمل لذلك, من كان
 كافرا بها, غير معتقد لوقوعها. <br>
 يسعى في الشك فيها, والتشكيك, ويجادل فيها, بالباطل, ويقيم من الشبه, ما يقدر
 عليه, متبعا في ذلك هواه, ليس قصده الوصول إلى الحق, وإنما قصاراه, اتباع هواه. <br>
 فإياك أن تصغي إلى من هذه حاله, أو تقبل شيئا, من أقواله وأعماله الصادرة عن الإيمان
 بها والسعي لها سعيها. <br>
 وإنما حذر الله تعالى عمن هذه حاله, لأنه من أخوف ما يكون على المؤمن, بوسوسته
 وتدجيله, وكون النفوس مجبولة على التشبه, والاقتداء بأبناء الجنس. <br>
 وفي هذا تنبيه وإشارة إلى التحذير, عن كل داع إلى باطل, يصد عن الإيمان الواجب, أو
 عن كماله, أو يوقع الشبهة في القلب. <br>
 وعن النظر في الكتب, المشتملة على ذلك. <br>
 وذكر في هذا, الإيمان به, وعبادته, والإيمان باليوم الآخر, لأن هذه الأمور
 الثلاثة, أصول الإيمان, وركن الدين, وإذا تمت تم أمر الدين, ونقصه أو فقده بنقصها,
 أو نقص شيء منها وهذه نظير قوله تعالى في الإخبار عن ميزان سعادة الفرق, الذين
 أوتوا الكتاب وشقاوتهم &quot; إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
 هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
 وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
 وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ &quot; . <br>
 وقوله &quot; فَتَرْدَى &quot; أي: تهلك وتشقى, إن اتبعت
 طريق من يصد عنها </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; وما تلك بيمينك يا موسى &quot; </h1>
  
 <p>وقوله تعالى: &quot; وَمَا تِلْكَ &quot; إلى &quot; مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى &quot; . <br>
 لما بين الله لموسى أصل الإيمان, أراد أن يبين له, ويريه من آياته, ما يطمئن به
 قلبه, وتقر به عينه, ويقوي إيمانه, بتأييد الله له على عدوه فقال: &quot;
 وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى &quot; هذا, مع علمه تعالى, ولكن
 لزيادة الاهتمام في هذا الموضع, أخرج الكلام بطريق الاستفهام. <br>
 فقال موسى: &quot; هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ
 بِهَا عَلَى غَنَمِي &quot; ذكر فيها, هاتين المنفعتين, منفعة لجنس الآدمي,
 وهو أنه يعتمد عليها في قيامه ومشيه, فيحصل فيها معونة. <br>
 ومنفعة للبهائم, وهو أنه كان يرعى الغنم, فإذا رعاها في شجر الخبط ونحوه, هش بها,
 أي: ضرب الشجر, ليتساقط ورقه, فيرعاه الغنم. <br>
 هذا الخلق الحسن من موسى عليه السلام, الذي من آثاره, حسن رعاية الحيوان البهيم,
 والإحسان إليه, دل على عناية من الله له واصطفاء, وتخصيص تقتضيه رحمة الله وحكمته.
 <br>
 &quot; وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ &quot; أي: مقاصد &quot; أُخْرَى &quot; غير هذين الأمرين. <br>
 ومن أدب موسى عليه السلام, أن الله لما سأله عما في يمينه, وكان السؤال محتملا عن
 السؤال عن عينها, أو منفعتها - أجابه بعينها, ومنفعتها فقال الله له: &quot;
 أَلْقِهَا يَا مُوسَى </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قال ألقها يا موسى &quot; </h1>
  
 <p>فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى &quot; انقلبت بإذن الله
 ثعبانا عظيما. <br>
 فولى موسى هاربا خائفا, ولم يعقب. <br>
 وفي وصفها بأنها تسعى, إزالة لوهم يمكن وجوده, وهو أن يظن أنها تخييل, لا حقيقة. <br>
 فكونها تسعى يزيل هذا الوهم </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى &quot; </h1>
  
 <p>فقال الله لموسى: &quot; خُذْهَا وَلَا تَخَفْ &quot; أي:
 ليس عليك منها بأس. <br>
 &quot; سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى &quot; أي هيئتها
 وصفتها, إذ كانت عصا. <br>
 فامتثل موسى أمر الله, إيمانا به, وتسليما, فأخذها, فعادت عصاه التي كان يعرفها,
 هذه آية. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى &quot; </h1>
  
 <p>ثم ذكر الآية الأخرى فقال: &quot;
 وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ &quot; أي: أدخل يدك إلى جيبك,. <br>
 وضم عليك عضدك, الذي هو جناح الإنسان &quot; تَخْرُجْ بَيْضَاءَ
 مِنْ غَيْرِ سُوءٍ &quot; أي: بياضا ساطعا, من غير عيب ولا برص &quot; آيَةً أُخْرَى &quot; . <br>
 قال الله: &quot; فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى
 فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ &quot; . </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; لنريك من آياتنا الكبرى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى &quot; أي:
 فعلنا ما ذكرنا, من انقلاب العصا حية تسعى, ومن خرج اليد بيضاء للناظرين, لأجل أن
 نريك من آياتنا الكبرى, الدالة على صحة رسالتك, وحقيقة ما جئت به, فيطمئن قلبك,
 ويزداد علمك, وتثق بوعد الله لك, بالحفظ والنصرة, ولتكون حجة وبرهانا, لمن أرسلت
 إليهم. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; اذهب إلى فرعون إنه طغى &quot; </h1>
  
 <p>لما أوحى الله إلى موسى, ونبأه, وأراه الآيات الباهرات, أرسله إلى
 فرعون, ملك مصر فقال: &quot; اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ
 طَغَى &quot; أي: تمرد وزاد على الحد, في الكفر والفساد, والعلو في الأرض,
 والقهر للضعفاء, حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية, قبحه الله, أي: وطغيانه سبب
 لهلاكه. <br>
 ولكن من رحمة الله, وحكمته, وعدله, أنه لا يعذب أحدا, إلا بعد قيام الحجة بالرسل. <br>
 فحينئذ علم موسى عليه السلام, أنه تحمل حملا عظيما, حيث أرسل إلى هذا الجبار
 العنيد, الذي ليس له منازع في مصر من الخلق. <br>
 وموسى عليه السلام, وحده, وقد جرى منه ما جرى من القتل. <br>
 فامتثل أمر ربه, وتلقاه بالانشراح والقبول, وسأله المعونة, وتيسير الأسباب, التي
 هي من تمام الدعوة فقال: </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قال رب اشرح لي صدري &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي &quot; أي: وسعه
 وأفسحه, لأتحمل الأذى القولي والفعلي, ولا يتكدر قلبي بذلك, ولا يضيق صدري, فإن
 الصدر إذا ضاق, لم يصلح صاحبه لهداية الخلق, ودعوتهم. <br>
 قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم &quot; فَبِمَا رَحْمَةٍ
 مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
 مِنْ حَوْلِكَ &quot; وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه
 عليهم. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; ويسر لي أمري &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي &quot; أي: سهل علي أمر
 أسلكه وكل طريق أقصده في سبيلك, وهون علي ما أمامي من الشدائد. <br>
 ومن تيسير الأمر, أن ييسر للداعي, أن يأتي جميع الأمور من أبوابها, ويخاطب كل أحد
 بما يناسب له, ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; واحلل عقدة من لساني &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي &quot; وكان في لسانه ثقل لا يكاد يفهم عنه الكلام, كما قال المفسرون, وكما
 قال الله عنه أنه قال: &quot; وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ
 مِنِّي لِسَانًا &quot; فسأل الله أن يحل منه عقدة, يفقهوا ما يقول فيحصل
 المقصود التام من المخاطبة, والمراجعة, والبيان عن المعاني. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; واجعل لي وزيرا من أهلي &quot; </h1>
  
 <p>&quot; وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي &quot; أي: معينا يعاونني, ويؤازرني, ويساعدني على من أرسلت إليهم. <br>
 وسأل أن يكون من أهله, لأنه من باب البر, وأحق ببر الإنسان, قرابته. <br>
 ثم عينه بسؤاله فقال: &quot; هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
 &quot; أي: قوني به: وشد به ظهري. <br>
 قال الله &quot; سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا
 سُلْطَانًا &quot; . </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; وأشركه في أمري &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي &quot; أي: في النبوة,
 بأن تجعله نبيا رسولا, كما جعلتني. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; كي نسبحك كثيرا &quot; </h1>
  
 <p>ثم ذكر الفائدة في ذلك فقال: &quot; كَيْ نُسَبِّحَكَ
 كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا &quot; علم, عليه الصلاة والسلام, أن مدار
 العبادات كلها والدين, على ذكر الله, فسأل الله أن يجعل أخاه معه, يتساعدان
 ويتعاونان على البر والتقوى, فيكثر منهما ذكر الله, من التسبيح, والتهليل, وغيره
 من أنواع العبادات. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; إنك كنت بنا بصيرا &quot; </h1>
  
 <p>&quot; إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا &quot; تعلم حالنا, وضعفنا, وعجزنا, وافتقارنا إليك في كل الأمور. <br>
 وأنت أبصر بنا, من أنفسنا وأرحم, فمن علينا بما سألناك, وأجب لنا فيما دعوناك. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قال قد أوتيت سؤلك يا موسى &quot; </h1>
  
 <p>فقال الله: &quot; قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى
 &quot; أي: أعطيت جميع ما طلبت. <br>
 فسنشرح صدرك, ونيسر أمرك, ونحل عقدة من لسانك, يفقهوا قولك, ونشد عضدك, بأخيك
 هارون, &quot; ونجعل لكما سلطانا, فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما
 ومن اتبعكما الغالبون &quot; . <br>
 وهذا السؤال من موسى عليه السلام, يدل على كمال معرفته بالله, وكمال فطنته ومعرفته
 للأمور, وكمال نصحه. <br>
 وذلك أن الداعي إلى الله, المرشد للخلق, خصوصا إذا كان المدعو من أهل العناد,
 والتكبر, والطغيان, يحتاج إلى سعة صدر, وحلم تام, على ما يصيبه من الأذى, ولسان
 فصيح, يتمكن من التعبير به عن ما يريده ويقصده. <br>
 بل الفصاحة والبلاغة لصاحب هذا المقام, من ألزم ما يكون, لكثرة المراجعات
 والمراوضات, ولحاجته لتحسين الحق, وتزيينه بما يقدر عليه, ليحببه إلى النفوس, وإلى
 تقبيح الباطل وتهجينه, لينفر عنه. <br>
 ويحتاج مع ذلك أيضا, أن يتيسر له أمره, فيأتي البيوت من أبوابها, ويدعو إلى سبيل
 الله, بالحكمة والموعظة الحسنة, والمجادلة بالتي هي أحسن, يعامل الناس كلا بحسب
 حاله. <br>
 وتمام ذلك, أن يكون لمن هذه صفته, أعوان ووزراء, يساعدونه على مطلوبه. <br>
 لأن الأصوات إذا كثرت, لا بد أن تؤثر, فلذلك سأله عليه الصلاة والسلام هذه الأمور,
 فأعطيها. <br>
 وإذا نظرت إلى حالة الأنبياء المرسلين إلى الخلق, رأيتهم بهذه الحال, بحسب
 أحوالهم. <br>
 خصوصا, خاتمهم وأفضلهم, محمد صلى الله عليه وسلم, فإنه في الذروة العليا من كل صفة
 كمال. <br>
 وله من شرح الصدر, وتيسير الأمر, وفصاحة اللسان, وحسن التعبير والبيان, والأعوان
 على الحق, من الصحابة, فمن بعدهم, ما ليس لغيره. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; ولقد مننا عليك مرة أخرى &quot; </h1>
  
 <p>لما ذكر منته على عبده ورسوله, موسى بن
 عمران, في الدين, والوحي, والرسالة, وإجابة سؤله, ذكر نعمته عليه, وقت التربية,
 والتنقلات في أطواره فقال: &quot; وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ
 مَرَّةً أُخْرَى &quot; حيث ألهمنا أمك, أن تقذفك في التابوت وقت الرضاع,
 خوفا من فرعون, لأنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل. <br>
 فأخفته أمه, وخافت عليه خوفا شديدا فقذفته في التابوت, ثم قذفته في اليم, أي: شط
 نيل مصر. <br>
 فأمر الله اليم, أن يلقيه في الساحل, وقيض الله أن يأخذه, أعدى الأعداء لله
 ولموسى, ويتربى في أولاده, ويكون قرة عين لمن رآه: ولهذا قال: &quot;
 وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي &quot; فكل من رآه أحبه &quot; وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي &quot; أي ولتتربى على نظري
 وفي حفظي وكلاءتي. <br>
 وأي نظر وكفالة, أجل وأكمل, من ولاية البر الرحيم, القادر على إيصال مصالح عبده,
 ودفع المضار عنه؟! فلا ينتقل من حالة إلى حالة, إلا, والله تعالى هو الذي في بر
 ذلك لمصلحة موسى. <br>
 ومن حسن تدبيره, أن موسى لما وقع في يد عدوه, قلقت أمه قلقا شديدا, وأصبح فؤادها
 فارغا, وكادت تخبر به, لولا أن الله ثبتها, وربط على قلبها. <br>
 &quot; إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
 مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا
 تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا
 فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى
 &quot; <br>
 ففي هذه الحالة, حرم الله على موسى المراضع, فلا يقبل ثدي امرأة قط, ليكون مآله
 إلى أمه, فترضعه, ويكون عندها, مطمئنة ساكنة, قريرة العين. <br>
 فجعلوا يعرضون عليه المراضع, فلا يقبل ثديا. <br>
 فجاءت أخت موسى, فقالت لهم &quot; هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه
 لكم وهم له ناصحون &quot; . <br>
 &quot; فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا
 تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا &quot; وهو القبطي لما دخل المدينة وقت غفلة
 من أهلها, وجد رجلين يقتتلان, واحد من شيعة موسى, والآخر من عدوه قبطي &quot; فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه
 &quot; . <br>
 فدعا الله وسأله المغفرة, فغفر له, ثم فر هاربا, لما سمع أن الملأ طلبوه, يريدون
 قتله. <br>
 &quot; فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ &quot; من عقوبة
 الذنب, ومن القتل. <br>
 &quot; وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا &quot; أي: اختبرناك,
 وبلوناك, فوجدناك مستقيما في أحوالك. <br>
 أو نقلناك في أحوالك, وأطوارك, حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. <br>
 &quot; فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ &quot; حين
 فر هاربا من فرعون وملأه, حين أرادو قتله. <br>
 فتوجه إلى مدين, ووصل إليها, وتزوج هناك, ومكث عشر سنين, أو ثمان سنين. <br>
 &quot; ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى &quot; أي:
 جئت مجيئا, ليس اتفاقا من غير قصد, ولا تدبير منا, بل بقدر ولطف منا. <br>
 وهذا يدل على كمال اعتناء الله, بكليمه, موسى عليه السلام, ولهذا قال: </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; واصطنعتك لنفسي &quot; </h1>
  
 <p>&quot; وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي &quot; أي: أجريت عليك صنائعي ونعمي, وحسن عوائدي, وتربيتي, لتكون لنفسي حبيبا
 مختصا, وتبلغ في ذلك, مبلغا لا يناله أحد من الخلق, إلا النادر منهم. <br>
 وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين, وأراد أن يبلغ من الكمال
 المطلوب له ما يبلغ, يبذل غاية جهده, ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك. <br>
 فما ظنك بصنائع الرب القادر الكريم, وما تحسبه يفعل, بمن أراده لنفسه, واصطفاه من
 خلقه؟!! </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري &quot; </h1>
  
 <p>لما امتن الله تعالى على موسى بما امتن به, من النعم الدينية والدنيوية
 قال له: &quot; اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ &quot; هارون &quot; بِآيَاتِي &quot; أي: الآيات التي مني, الدالة على الحق
 وحسنه, وقبح الباطل, كاليد, والعصا ونحوها, في تسع آيات إلى فرعون وملاءه. <br>
 &quot; وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي &quot; أي: لا تفترا, ولا
 تكسلا, عن مداومة ذكري بالاستمرار عليه, والزماه كما وعدتما بذلك &quot;
 كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا &quot; . <br>
 فإن ذكر الله, فيه معونة على جميع الأمور, يسهلها, ويخفف حملها. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; اذهبا إلى فرعون إنه طغى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى &quot; أي:
 جاوز الحد, في كفره وطغيانه, وظلمه وعدوانه. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى &quot; </h1>
  
 <p>&quot; فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا &quot; أي: سهلا لطيفا, برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف, ولا غلظة
 في المقال, أو فظاظة في الأفعال. <br>
 &quot; لَعَلَّهُ &quot; بسبب القول اللين &quot;
 يَتَذَكَّرُ &quot; ما ينفعه فيأتيه. <br>
 &quot; أَوْ يَخْشَى &quot; ما يضره فيتركه, فإن القول
 اللين, داع لذلك, والقول الغليظ, منفر عن صاحبه. <br>
 وقد فسر القول اللين في قوله: &quot; فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ
 تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى &quot; . <br>
 فإن في هذا الكلام, من لطف القول وسهولته, وعدم بشاعته, ما لا يخفى على المتأمل. <br>
 فإنه أتى ب &quot; هل &quot; الدالة على العرض والمشاورة,
 التي لا يشمئز منها أحد, ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس, التي أصلها, التطهر
 من الشرك, الذي يقبله كل عقل سليم, ولم يقل &quot; أزكيك &quot; بل
 قال &quot; تزكى &quot; أنت بنفسك. <br>
 ثم دعاه إلى سبيل ربه, الذي رباه, وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة التي ينبغي
 مقابلتها بشكرها, وذكرها فقال: &quot; وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ
 فَتَخْشَى &quot; فلما لم يقبل هذا الكلام اللين, الذي يأخذ حسنه بالقلوب,
 علم أنه لا ينجع فيه تذكير, فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا &quot; أي: يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا, قبل أن نبلغه رسالاتك, ونقيم عليه
 الحجة &quot; أَوْ أَنْ يَطْغَى &quot; أي يتمرد عن الحق,
 ويطغى بملكه, وسلطانه, وجنده, وأعوانه. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى &quot; </h1>
  
 <p>&quot;
 قَالَ لَا تَخَافَا &quot; أن يفرط عليكما &quot; إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى &quot; أي: أنتما
 بحفظي ورعايتي, أسمع قولكما, وأرى جميع أحوالكما, فلا تخافا منه. <br>
 فزال الخوف عنهما, واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما. </p>
  
 <h1 dir=RTL style='text-align:right;direction:rtl;unicode-bidi:embed'>&quot; فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم
 قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى &quot; </h1>
  
 <p>أي: فأتياه بهذين الأمرين, دعوته إلى
 الإسلام, وتخليص هذا الشعب الشريف, بني إسرائيل, من قيده وتعبيده لهم, ليتحرروا
 ويملكوا أمرهم, ويقيم فيهم موسى, شرع الله ودينه. <br>
 &quot; قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ &quot; تدل على صدقنا &quot; فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ
 فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ &quot; إلى آخر ما ذكر الله عنهما. <br>
 &quot; وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى &quot; أي:
 من اتبع الصراط المستقيم, واهتدى بالشرع المبين, حصلت له السلامة في الدنيا
 والآخرة. </p>
  
 <p><h1>&quot; إنا قد
 أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى &quot; </h1></p>
  
 <p>&quot; إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا &quot; أي: خبرنا من عند
 الله, لا من عند أنفسنا &quot; أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
 &quot; أي: كذب بأخبار الله, وأخبار رسله, وتولى عن الانقياد لهم, واتباعهم. <br>
 وهذا فيه الترغيب لفرعون بالإيمان والتصديق واتباعهما, والترهيب من ضد ذلك. <br>
 ولكن لم يفد فيه هذا الوعظ والتذكير, فأنكر ربه, وكفر, وجادل في ذلك, ظلما وعنادا.
 </p>
  
 <p><h1>&quot; قال فمن
 ربكما يا موسى &quot; </h1></p>
  
 <p>أي قال فرعون
 لموسى على وجه الإنكار: &quot; فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى &quot; . <br>
 فأجاب موسى بحواب شاف كاف واضح قال: &quot; رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ
 خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى &quot; أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات, وأعطى كل مخلوق
 خلقه اللائق به, على حسن صنعه من خلقه, من كبر الجسم وصغره, وتوسطه, وجميع صفاته. <br>
 &quot; ثُمَّ هَدَى &quot; كل مخلوق إلى ما خلقه له, وهذه الهداية الكاملة
 المشاهدة في جميع المخلوقات. <br>
 فكل مخلوق, تجده يسعى لما خلق له من المنافع, وفي دفع المضار عنه. <br>
 حتى إن الله أعطى الحيوان البهيم, من العقل, ما يتمكن به به من ذلك. <br>
 وهذا كقوله تعالى: &quot; الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ &quot; . <br>
 فالذي خلق المخلوقات, وأعطاها خلقها الحسن, الذي لا تقترح العقول فوق حسنه, وهداها
 لمصالحها, هو الرب على الحقيقة. <br>
 فإنكاره, إنكار لأعظم الأشياء وجودا, وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب. <br>
 فلو قدر أن الإنسان, أنكر من الأمور المعلومة, ما أنكر, كان إنكاره لرب العالمين,
 أكبر من ذلك. </p>
  
 <p><h1>&quot; قال فما
 بال القرون الأولى &quot; </h1></p>
  
 <p>ولهذا
 لما لم يمكن فرعون, أن يعاند هذا الدليل القاطع, عدل إلى المشاغبة, وحاد عن
 المقصود فقال لموسى: &quot; فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى &quot; . <br>
 أي: ما شأنهم, وما خبرهم وكيف وصلت بهم الحال, وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر,
 والظلم, والعناد, ولنا فيهم أسوة؟ </p>
  
 <p><h1>&quot; قال علمها
 عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى &quot; </h1></p>
  
 <p>فقال موسى:
 &quot; عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى
 &quot; أي: قد أحصى أعمالهم من خير وشر, وكتبه في كتابه, وهو اللوح المحفوظ, وأحاط
 به علما وخبرا فلا يضل عن شيء منها, ولا ينسى ما علمه منها. <br>