ازدد معرفةً.. تزدد حباً..


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في حوار طويل شائق، كان محوره معرفة الله - تعالى -.

 

 جاءت هذه القضية البديعة على صورة مثال رائع..

 

أرجو أن تتأمل جيدا هذه الفقرات من ذلك الحوار..

 

لقد قالوا: بالمثال يتضح المقال:

 

هناك خطوات أرجو أن تتابعني فيها جيدا، لنصل إلى المقصود:

 

الخطوة الأولى: لنتصور الآن طالب علم.....

 

سمع أن عالماً  ألف كتابا كبيرا  رائعا في بابه...

 

ولما قرأه الطالب أعجب به غاية الإعجاب...

 

ألا ترى أنه سيحب ذلك العالم الذي ألف الكتاب؟؟

 

نعم..أكيد.. ما دام أعجب به وانتفع به، وتأثر به..

ممتاز..بارك الله في فهمك

 

الخطوة الثانية: بعد فترة سمع هذا الطالب أن ذلك العالم نفسه  له عدة مؤلفات وليس  مؤلفا واحد..

 

لنقل: عشرة كتب رائعة الإعداد والتنظيم والأفكار و..و.....

 

فلما قرأها اشتد إعجابه بالعالم بشكل أوضح وأكبر ..

 

ألا ترى أن منسوب حبه لذلك العالم سيزداد لأن إعجابه به أصبح أكبر.؟

 

نعم.. نعم

الخطوة الثالثة:  بعد فترة أخرى.. سمع شيئا جديد..

 

أن لذلك العالم  مجموعة أخرى من المؤلفات.

 

و في فنون مختلفة لا في فن واحد..

 

فلما مر بها متصفحا لها، هاله ما يرى من روائع في فنون من العلم شتى بلغة قوية، وأسلوب رائع،وحجة بالغة....

 

ألا ترى أن حبه سيزداد أكثر فأكثر.. هذه غير تلك..

 

هناك قلنا أن له مؤلفات عدة في فن واحد وهنا مؤلفات عديدة في فنون كثيرة مختلفة،  وهو مبدع في كل منها.. هل منسوب الحب سيزداد أم لا؟

 

نعم.. نعم.. بالتأكيد.. ليس في ذلك شك...

 

بارك الله فيك..الخطوة الرابعة...

 

لعلك تعرف أن كثير من الكتاب المتمكنين لا يحسنون الخطابة، ولا المحاضرة... وبعض الخطباء بالعكس لا يجيدون الكتابة القوية (يعني ليس بنفس القوة)هل هذا صحيح؟

 

نعم صحيح!

نعود الآن إلى المثال..الخطوة الرابعة..

 

 بعد فترة اكتشف هذا الطالب أن ذلك العالم  نفسه يمتلك قوة هائلة في الخطابة والحديث والقوة الإقناع والتأثير..بشكل ملحوظ..

 

 ألا ترى أن منسوب الحب سيزداد أكثر مما كان عليه؟؟

 

نعم، بالتأكيد والله..

 

الخطوة الخامسة والأخيرة:

 

بعد فترة.. اكتشف مما بلغه عن هذا العالم نفسه..

 

أن لديه قدرة خارقة وعجيبة في التربية..

 

فلا يقبل عليه تائب إلا واستطاع أن ينقله نقلات كبيرة نحو الله – تعالى- وأن أعدادا كبيرة من الناس تابوا على يديه وتربوا معه فأصبحوا علماء في وقت  قريب..بشكل عجيب..

 

ألا ترى أن منسوب الحب سيزداد أكثر فأكثر فأكثر

 

نعم.. نعم.. وهل يشك أحد في هذا؟

رائع.. والآن إلى النتيجة..

 

لاحظنا أن منسوب الحب في قلب هذا الطالب كان يزداد في كل خطوة

 

.. بزيادة معرفته بالشيخ..

 

وكلما عرف شيئا جديدا عنه ازداد له حبا وإجلالاً.

 

ولا يستوي حب هذا الطالب للشيخ مع حب شخص لا يعرف عن الشيخ سوى أنه مؤلف كتاب واحد..

 

نعم.

طيب.. كذلك معرفة الإنسان بالله – سبحانه -…..

 

ولله المثل الأعلى :  كلما ازداد معرفة بالله وتوسعا:

 

فالأصل: أن يزداد حبا لله - جل جلاله-..

 

وعلى قدر سعة العلم بالله.الأصل: أن تكون قوة الحب لله - عز وجل-.

 

 يعني كلما عرفنا الله – تعالى- ازداد حبنا له – سبحانه-.

هذا المفروض .. ولهذا بوب الإمام البخاري باب بعنوان:  (زيادة الإيمان بكثرة (الأدلة ).. لاحظ كلمة الإمام وتأملها طويلا..

 

بمعنى: كلما ازدادت الأدلة فالأصل أن يزداد الإيمان ويربو وينمو..

 

وإذا زاد الإيمان أزداد الحب لله – سبحانه - بشكل تلقائي..

 

فإذا رأينا إنسانا كثير المعرفة (بالأدلة).

 

ولم تصل شرارة هذه المعرفة إلى قلبه..

 

بحيث يزداد إيمانا..فإن معرفته هذه لا عبرة بها في ميزان العارفين.

 

طيب وين الخلل.. لماذا  لم يزدد إيمانا.. أن كانت المعرفة عنده كبيرة؟

علته يا سيدي في (القلب).. هذا رأسه متورم بالمعلومات، ولكن قلبه معبأ بالأمراض.. والعياذ بالله..

 

طيب القلب هنا، لماذا  مريض.. لماذا لا يستقبل ولا يرسل..

 هل بسبب الذنوب والمعاصي؟!!

بارك الله فيك.. هذا سبب رئيسي.. ولكن هناك ما هو أخطر من الذنوب المعروفة.

 

ما هو؟

الشك..مثلا... الشرك الخفي مثلا.. الكبر مثلا..  العجب مثلا.. .. الغرور مثلا..حب الدنيا والتعلق بها مثلا والركض وراء شهواتها وزخارفها.. شبهات مثلا..

 

أرأيت......ما أكثر أمراض هذا القلب..

 

هل تصدق..أن بعض العلماء أحصى أمراض القلب فوجدها أكثر من مئة مرض!

 

- سبحان الله-

وليس بالضرورة أن يصاب الإنسان بها كلها...

 

يكفي (أحيانا) مرض واحد ينسف القلب نسفا حتى يجعله قاعا صفصافا..!!

 

ومهما تورم رأس هذا الإنسان  (بالمعلومات) الرائعة المذهلة… فلن ينفعه شيئا من هذا كله..  هل أضرب لك مثلا رائعا؟

 

تفضل:

هل يمكن أن تتصور هذا المشهد العجيب:

 

رجل يركب دابة... ويأتي إلى مجلس الخليفة.. فيستأذن بالدخول.

 

 ويصر على أن يدخل الديوان بدابته....!!! هل هذا معقول؟؟

 

.. أين مكان الدابة؟

 

لا مكان لها في مجلس الخليفة..ليس  هنا مكانها الطبيعي

رائع.. فاعلم رحم الله والديك: أن العقل (دابة) فحسب..

 

توصل الإنسان إلى  باب الملك... وتبقى خارجه..

 

ويدخل القلب وحده إلى القاعة !! ليأنس..

 

 ويذوق طعم الطيبات الربانية ويهنأ ويتمتع ويتلذذ …..

 

صحيح أن الدابة كان لها دور كبير في الوصول..

 

ولكن مكانها خارج الباب..

 

القلب هو الذي سيستقبل بالفل والريحان..

 

القلب هو الذي سيكون له ترحيب خاص واحتفاء واحتفال..

 

وتكريم.. ويُعبأ بألوان من الأنوار والخيرات والبركات..

 

إن الله سبحانه لا ينظر إلى وجوهنا بل ينظر إلى قلوبنا..

فإذ خرج القلب من عند السلطان ليمارس حياته..

 

 فإنه سيخرج بحال أخرى..

 

المفروض يخرج وهو محمل بألوان من الورود والعطور، فيعمل بعدها في نثر ونشر هذا النور والخير بين الناس..

 

أما الدابة فنقول لها: شكرا..أديت ما عليك.!!

 

لا أدري هل استطعت أن أقول شيئا نافعا تتأثر به..

 

 وتنفعل معه..؟؟!

 

كلامك رائع ومقنع  أخي..

بارك الله في حياتك.. واسأل الله أن ينير قلبك ودربك وعقلك

 

وأن يملأ روحك بالأنس به.. وبألوان من المسرات السماوية..

 

عوضك الله بالخير أخي..جزاك الله خيرا..يبدو أني أتعبتك.

سبحان الله.. وأين التعب في هذا؟ 

 

بل ينبغي أن تهتز أرواحنا طربا فنحن بذكره نتلذذ،

 

وإنما نسعى لنزداد قرباً منه - جل في علاه -..

 

المهم الآن..عودا على بدء:

 

علينا أن نزداد معرفة بالله – تعالى- وهذا طريق له أبوابه:

 

ومن أبوابه الكبيرة: كتاب الله المقروء.. وكتاب الكون المنظور..

 

ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر..

 

والإقبال على الذكر الكثير، والفكر الصحيح..

 

والحرص على حلقات العلم والوعظ.. ونحو ذلك.

 

والأصل أنه كلما ازددنا معرفة بربنا – سبحانه-  ازداد منسوب الحب له في قلوبنا..

 

ومعنى ذلك: أن نفتش هذه القلوب دائما، ونراقبها أولا بأول..

 

وبالله التوفيق.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply