مكتبة السنة


بسم الله الرحمن الرحيم

السنة بصريح القرآن هي الأصل الثاني في تشريع الأحكام ، وقد اعتنى الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة الإسلام باستقصائها وضبطها ونفي الزيف عنها وتحقيق أسانيدها والتثبت من حال رواتها في الحفظ والضبط والعدالة ، ثم تدوين علومها رواية ودراية ، فهناك الصحاح والمسانيد ، التي بلغ الضبط والتثبت فيها غايته ، وهناك علم الحديث دراية الذي تعرف به شروط الرواية ، وشروط الصحة ، وكيفيات التحمل والأداء ، وأنواع الحديث المقبولة والمردودة ، وهناك علم الجرح والتعديل الذي يعرف به حال كل راوٍ, من رواة الحديث قبولاً وردًا ، وبجانب ذلك ما أُلِّف من الكتب في الأحاديث الموضوعة لنفي نسبتها إلى السنن الثابتة ، وما سلكه أئمة الفقه حيال الأحاديث التي اعتمدوا عليها في استنباط الأحكام ، واتخذوها مجال أنظارهم ومدار اجتهادهم .

وكان نتيجة هذه الجهود التي لا نظير لها تمييز صحيح السنة من ضعيفها ، وبقاءها سليمة من كل شائبة ، ولم يُرَ في التاريخ كله ، غابره وحاضره ، أمة عنيت بآثار نبيها كعناية المسلمين بحديث رسولهم صلى الله عليه وسلم وسنته ، وما قام به علماء الحديث الذين اختارهم الله لصيانتها ، فزين قلوبهم بالإيمان ، وأعانهم على حفظ السنن والآثار ، وحبب إليهم الرحلة والأسفار ، وفراق الأهل والأوطان ، فتجردوا للحديث وطلبوه ، وسألوا عنه وأحكموه ، وذاكروا به ونشروه ، وتفقهوا فيه وأذاعوه ، وكشفوا عن حال الرواة الأثبات ، والعدول الثقات ، كما كشفوا عن حال المجهولين والمجروحين ، والضعفاء والمتروكين ، ووضعوا أدق القوانين لنفي إفك الكاذبين ، ودرء وضع الوضاعين ، وإزاحة العلل ، ودفع كل خلل عن صحيح قوله صلى الله عليه وسلم .

وقد قام العلماء بجهود جبارة في خدمة السنة خلال أربعة عشر قرنـًا من الزمان ، مخلفين وراءهم ثروة طائلة من الحديث وعلومه في متناول أيدينا اليوم ، ناطقة بحسن صنيع الأولين ، شاهدة على المتأخرين بالتفريط والإهمال ، حيث أغفلوا تلك الكنوز الثمينة وتركوها تنعى أصحابها ، حتى أصبحت ما بين مستشرق يعبث بها ، وجاهل لا يعرف قيمتها ، على أننا يحدونا الأمل في أن يهيئ الله لدينه من ينصره على أعدائه ، ومن يكرس حياته للدفاع عن السنة وإحياء ما مات منها في واقع الناس اليوم .

وإنما قام العلماء رحمهم الله بهذا الجهد الكبير لعلمهم أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يطاع به ، وأن ما نهى عنه يجب أن يترك ، قال سبحانه : {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء 64) .وحفزهم إلى ذلك أيضـًا أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إن كذبـًا عليَّ ليس ككذب على أحد … ) متفق عليه. فميزوا بما وضعوا من هذا الفن إفك الكذَّابين ، وتزوير الوضاعين ، ودسَّ الملحدين ، كما حفزهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للذين يعنون بالحديث ، حيث قال :( نضَّر الله امرءًا سمع منا شيئاً فبلَّغه كما سمع ، فرب مبلَّغ أوعى من سامع ) رواه الترمذي  .

ونحن هنا في الشبكة الإسلامية مشاركة منا في خدمة السنة ، نقدم لكم مكتبة السنة ، والتي نبين فيها شيئاً مما ترك لنا الحفاظ المتقنون ، والرواة الصادقون ، والعلماء المخلصون من كنوز ثمينة ، وثروة طائلة من صحاح وسنن ومسانيد ومعاجم وشروح وجوامع وغير ذلك ، فحفظ الله بهؤلاء الحفاظ والنقاد شريعته من الدثور على أيدي أهل الفجور ، على مر العصور ، فله الحمد سبحانه وحده أن صدق وعده ونصر عبده وحفظ دينه ، قال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر 9) .      

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply