السنة مصدر التشريع الإسلامي الثاني


بسم الله الرحمن الرحيم 

تعد السنة النبوية المطهرة المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية، بل قد تكون المصدر الأول في كثير من الأحكام، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أوتي القرآن والسنة معا، قال - تعالى -: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: 34]، وقال - سبحانه -: {ويعلمكم الكتاب والحكمة} [البقرة: 151].

وقد ذكر الشافعي، ويحيى بن كثير، وقتادة، وغيرهم: أن المقصود بـ(الحكمة) السنة، لأن ما يتلى في بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما القرآن، أو السنة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: بيننا وبينكم القرآن فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). وقد أخبر الله - سبحانه وتعالى - عن نبيه بقوله: {وما ينطق عن الهوى(3) إن هو إلا وحيِ يوحى (4)} [النجم]. وأمر باتباعه وطاعته فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال - عز وجل -: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النور: 54]. وحذرنا من مخالفته فقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةِ أو يصيبهم عذابِ أليمِ} [النور: 63]. ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه فقال - سبحانه -: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]. وجعل ذلك من أصول الإيمان فقال - عز وجل -: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. وفرض على المؤمنين طاعتهº لأنها من طاعة الله، فقال - تعالى -: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]. وهذه النصوص تقطع دابر الشك في وجوب الأخذ بالسنة في الأدلة الشرعية، وأنها في المقام الثاني بعد القرآنº لمكانتها في نفس المؤمن، وتثبت المسلمون في نقلها بصورة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأديان، فقد بذلت جهود عظيمة وجبارة لتمييز الصحيح من غيره فيما نسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم إن السنة جاءت مفسرة، ومبينة، وشارحة لكثير مما جاء في القرآن الكريم من أحكام مجملة، لا يمكن معرفتها إلا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - بين للناس ما نزل إليهم من ربهم بيانا كاملا شاملا في دقيق أمورهم، وجليلها، وظاهرها، وخفيها، حتى علمهم ما يحتاجون إليه في مآكلهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وملابسهم، ومساكنهم، وما يحتاجون إليه في عبادة الله - عز وجل -، وما يحتاجون إليه في معاملة الخلق، وعلمهم كيف يتعاملون بينهم في البيع، وغير ذلك، حتى قال أبو ذر - رضي الله عنه -: (لقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما). وفي صحيح مسلم عن سلمان - رضي الله عنه - أنه قيل له: (قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول). قال ابن القيم - رحمه الله -: (وقد توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علما، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب الجماع، والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسفر والإقامة، والصمت والكلام، والعزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووصف لهم العرش والكرسي، والملائكة والجن، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأي العين، وعرفهم معبودهم وإلاههم أتم التعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم، وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها، ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أحوال الموت، وما يكون بعده في البرزخ، وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أدلة التوحيد، والنبوة، والمعاد، والرد على جميع أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا إلى من يبلغه إياه، ويبينه، ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من مكايد إبليس، وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرزون به من كيده، ومكره، وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أحوال نفوسهم، وأوصافها ودسائسها وكمائنها، ما لا حاجة لهم معه إلى سواه، وكذلك عرفهم - صلى الله عليه وسلم - من أمور معايشهم ما لو علموه، وعملوهº لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة. وبالجملة فجاءهم بخبر الدنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها؟ أو إلى قياس، أو حقيقة، أو معقول خارج عنها؟

ومن ظن ذلك، فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده.

وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك، وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عما سواه، وفتحوا به القلوب والبلاد، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهد إليكم. وقد كان عمر - رضي الله عنه - يمنع من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم، وزبد أفكارهم، وحثالة أذهانهم، عن القرآن والحديث؟ فالله المستعان. وقد قال الله - سبحانه وتعالى -: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} [العنكبوت: 51]. وقال - تعالى -: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]. وقال - تعالى -: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةِ من ربكم وشفاءِ لما في الصدور وهدى ورحمةِ للمؤمنين} [يونس: 57]. وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة؟ أم كيف يشفي ما في الصدور كتاب يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؟ أو عامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا نعلم انتفاؤها، سبحانك هذا بهتان عظيم؟ يا لله العجب! كيف كان الصحابة، والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أكانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك؟ حتى جاء المتأخرون فكانوا أعلم منهم، وأهدى، وأضبط للشريعة منهم بالله، وأسمائه، وصفاته، وما يجب له، وما يمتنع عليه منهم؟ فوالله لأن يلقى الله عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك، خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد، والاعتقاد الباطل). وقد بين الشافعي - رحمه الله - أنه لن تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال - تعالى -: {كتابِ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم: 1]. وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]. وقسم - رحمه الله - الأحكام إلى أقسام:

الأول: ما أبانه الله لخلقه نصا، كذكره لمجمل فرائضه: من الزكاة، والصلاة، والحج، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الزنا والخمر، وأكل الميت، ولحم الخزير، وبيان فرائض الوضوء.

الثاني: ما جاء حكمه في القرآن مجملا، وبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنته القولية، والفعلية، والتقريرية، كتفصيل مواقيت الصلاة، وعدد ركعاتها، وسائر أحكامها، وبيان مقادير الزكاة، وأوقاتها، والأموال التي تزكى، وبيان أحكام الصوم، ومناسك الحج، والذبائح، والصيد، وما يؤكل وما لا يؤكل، وتفاصيل الأنكحة، والبيوع والجنايات، مما وقع مجملا في القرآن. وهو الذي يدخل في الآية الكريمة: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44].

الثالث: ما سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما ليس فيه نص حكم بالقرآن، حيث فرض الله في كتابه طاعة رسوله، والانتهاء إلى حكمه في قوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [المائدة: 92]، وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]، فمن قبل هذه السنة امتثل أمر الله - جل وعلا -.

وقد تعرض ابن القيم - رحمه الله - في بيان وجوب اتباع السنة ولو كانت زائدة على ما في القرآن إلى مثل هذا التقسيم فقال:

(والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.

والثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له.

 الثالث: أن تكون موجبة لحكم يسكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه.

ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي-  صلى الله عليه وسلم -، تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، ولكنه امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به. وأنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه، لم يكن له طاعة خاصة تختص به، وقد قال الله - تعالى -: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]، فكيف يمكن لأحد من أهل العلم ألا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب؟).وعلى هذا فإن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثروة خصبة في بيان مجمل القرآن، وهي مادة غزيرة تغذي مقاصد الإسلام، وتنمي أحكام شريعته، ومن قبل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن الله - عز وجل - قبلº لأن الله فرض طاعة رسوله، ولا يحل لمسلم علِم ما في الكتاب أو السنة أن يخالف واحدا منهما.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply