شهادات بعض المنصفين الأجانب بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم


 قال الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل في كتابه الأبطال وديانة الأبطال: \"أي شي أكبر دلالة على صدق من يدعي لك أنه بنَّاء ماهر من أن يبني بيديه داراً تقاوم العوادي أكثر من ألف ومائتي سنة، وهي تسع نحو مائتي مليون من الناس؟، كذلك لا شيء أكبر دلالة على صدق نبوة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - من أن يؤسس ديانة تجد فيها نحو مائتي مليون من الأنفس غذاءها الروحاني، وتقاوم عوامل التحلل أكثر من اثني عشر قرناً\".
 
 
* تعليق: إن اعتراف كارليل اعتراف يستحق التقدير، ولكنه قليل في حق نبي الإسلام - عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فإنه ليس بمؤسس دين يقوم على أساس من الوحي السماوي فحسب، ولكنه صاحب الدعوة العالمية الكبرى التي دوت في أرجاء العالم، وقلبته من حال إلى حال، وأتت بأعظم إصلاح عرفه التاريخ البشري، وقاومت عوامل التحلل والانحراف والتبديل أكثر من اثني عشر قرناً (إلى عهد كارليل)، وجاوزته إلى أربعة عشر قرناً، وستقابل كذلك وتقاوم الإلحاد واللادينية لتبقى كما هي، وتجد فيها الأمة المُحَمَّدية غذاءها الروحاني (لأكثر من اثني عشر قرناً فحسب) بل أربعة عشر قرناً كاملة ثم أكثر فأكثر، ذلك لتعيش حياة شريفة، رافعة الرأس في ظلالها المباركة إلى أن تقوم القيامة، فتجزي كل نفس بما عملت وهم لا يظلمون.

وقال كارليل في كتابه المذكور أيضاً: \"فمُحَمَّد هو الذي قال إنه رسول من عند الله، وبرهن على صدق قوله بدين نشره في الناس، أخذه مئات الملايين، ومضى عليهم في ذلك قرون طويلة، وهم يحبون دينهم هذا، ويتحمسون له أكبر تحمس، فماذا يراد من الأدلة على نبوته بعد ذلك؟\".

  • وقال المسيو جول لابوم الفرنسي في مقدمة الفهرس الذي وضعه لآيات القرآن المترجم للغة الفرنسية ما يلي: \"حوالي ميلاد مُحَمَّد في القرن السادس الميلادي كان جو العالم ملبداً بغيوم الاضطراب والفتن\"، ثم سرد جميع أحوال الأمم، وبيَّن ما كان فيها من صنوف الفتنة، فقال: \"الخلاصة إن جو العالم الأرضي كان متلبداً بسحب الاضطرابات الوحشية في كل مكان، وكان اعتماد الناس (في سبيل حياتهم) على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير.

وكان أجمع الرؤساء للثقة والطاعة أشدهم صيحة في إصلاء نيران الحروب والمعارك، ولم يكن يأخذ بعواطف القلوب، ولا يؤثر عليها تأثيراً حاداً (وإن كان وقتياً) إلا شيء واحد ألا وهو الغنيمة، وسلب الأمم والشعوب، والمدن والأعيان، ورجال الحروب وفقراء الفلاحين، وبسطاء المتسولين، ولولا شعاع ضئيل من الحكمة الذي كان يتألق في بعض صوامع الكهنة، وبعض الجراثيم الفلسفية التي كانت بمعزل عن أعاصير تلك المشاغب، وانتقلت من روح إلى روح أخرى بواسطة بعض أصحاب الجرأة من رسل الرقيº لولا هذا وذلك لكانت البربرية أسرعت في خطاها معقودة بغطرسة زعماء البهيمية، واستحالت إلى وحشية محضة.

مع هذا كله الذي يجري في العالم كان هناك ركن من أركان الأرض لم تصبه لقمة من هذه الحركة، ولكن لم يكن لحكمة أهله، ورجاحة عقولهم، وإنما كان بسبب موقعهم الجغرافي البعيد عن مضطرب الأمم التي كان يقال إنها متمدنة في ذلك الزمن، ذلك الركن هو شبه جزيرة العرب التي ما كانت تسمع انفجار أعاصير تلك الفتن الهائلة الواقعة في أوروبا إلا عن بعد، وما كان يصل إليها ذلك اللغط إلا في غاية من الضعف والضآلة، كانت جزيرة العرب تجهل وجود الهند والصين، ولهذا فإن علاقتها لم تكن تتعدى مع آسيا حدود الفرس، ولم تعرف فيها الفرس إلا من أخبار الانتصارات والهزائم التي كان من ورائها رد بعض الوديان العربية القريبة من سورية إلى تبعية إمبراطورية القسطنطينية تبعية اسمية، أو رفع تلك التبعية الاسمية عنها\".

ثم ختم المسيو جول فذلكته التاريخية الطويلة فقال: \"في عهد هذه الأحوال الحالكة المظلمة، وفي وسط هذا الجيل الشديد الوطأةº ولد مُحَمَّد بن عبد الله رسول الإسلام - عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في 29 أغسطس 570م\" ثم قال المسيو جول: \"هذه كانت حالات العالم على عهد البعثة المُحَمَّدية، وهي حالات - كما يرى المفكرون - كانت تقتضي حدوث انقلاب خطير يتغير له وجه الأرض، وتزلزل منه الأمم زلزالاً شديداً، وتنجم فيه حركة أدبية عنيفة يتنبه بها العقل الإنساني من سباته العميق، وتدفعه لرفع الحجب عنه واحداً بعد آخر، ليتابع طريقه في تخليص الأمم من تحجرها، ورفعها إلى سبيل الرقي والعمران، حتى تبلغ إلى الغايات التي خلقت لبلوغها\".

  • قال المسيو دوزى الفرنسي في كتابه تاريخ عرب أسبانيا: \"كان يوجد في بلاد العرب ثلاث ديانات هي الموسوية والعيسوية والوثنية، فكان اليهود من بين أتباع هذه الأديان أشد تمسكاً بدينهم (الموسوي)، وأكثرهم حقداً على مخالفي ملتهم، نعم.. يندر أن تصادف اضطهادات دينية في تاريخ العرب الأقدمين، ولكن ما وجد منهم فمنسوب إلى اليهود وحدهم.

أما النصرانية فلم يكن لها أتباع كثيرون، وكان المتمذهبون بها لا يعرفونها إلا معرفة سطحية.

وأما الوثنيون الذين كانوا هم السواد الأعظم من الأمة فكان لكل قبيلة بل وأسرة منهم آلهة خاصة، والذين كانوا يصدقون بوجود الله - تعالى-، ويعتبرون تلك الآلهة شفعاءº فقد كانوا يحترمون كهانهم وأصنامهم بعض الاحترام، ولكنهم مع ذلك كانوا يقتلون الكهان إذا لم يتحقق إخبارهم بالمغيبات، وأولعوا على فضحهم عند أصنامهم إن قربوا لها بعد أن نذروا لها نعجة، وكانوا يسبون أصنامهم إذا لم تُنلهم مطالبهم، ولم تُسعفهم بآمالهم\".

* تعليق: لقد صوَّر المسيو دوزى عهد الجاهلية قبل بعثة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - في الناحية الدينية بالفوضى عموماً، بما فيه حقد اليهود على غيرهم من أهل الأديان، وقلَّة أتباع النصرانية، وضعف معرفتهم، مما يدل على حاجتهم إلى دين جديد، كما وصف دوزى الوثنيين بالجهالة القصوى وهو وصف بالحقيقة، وإلا فما معنى اتخاذ الكهان أئمة، ثم قتلهم عند فشلهم في إخبارهم بالمغيبات؟ وما معنى اتخاذهم الأصنام آلهة دون الله، ثم سبهم إذا لم ينالوا عندهم مطلباً أو إسعافاً في أملهم؟ أفلم يعلموا أن الأصنام أجسام جامدة صنعتها أيدي الوثنيين أنفسهم، لا يقدرون على شيء؟، فالأصنام مخلوقة كما أنهم مخلوقون، وقد خلقهم جميعاً خالق السموات والأرض.

نعم: وصف دوزى عهد الجاهلية بحالة تتطلب بطبيعتها بعثة النَّبيّ العربي مُحَمَّد بن عبد الله - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -، ليقوم بوحي من الله - عَزَّ وجَلَّ - بإصلاح العباد، وتهذيبهم عن الفساد، وإرشادهم نحو التوحيد، وهدايتهم نحو الدين الصحيح، والعقيدة الصحيحة، والعبادة الصحيحة.

  • وقال المسيو كوسان دوير سوفال: \"وكان من العرب من كانوا يعبدون الكواكب - وبخاصة الشمس -، فكنانة كانت تدين للقمر وللدبران، وبنو لخم وجرهم كانوا يسجدون للمشتري، وكان الأطفال من بني عقد يدينون لعطارد، وبنو طيء ألّهوا سهيلاً (أي اتخذوا السهيل إلهاً)، وكان بنو قيس عيلان للشعرى اليمانية، وكان علمهم بما وراء الطبيعة على نسبة آرائهم الدينية\"، ثم قال الميسو كوسان: \"وكان من العرب من يعتقد بفناء الإنسان إذا خلعته المنون من هذا العالم (أي لا يعتقدون النشور يوم القيامة)، ومنهم من يعتقد بالنشور في حياة بعد هذه الحياة، فكان هؤلاء الأخيرون إذا مات أحد أقربائهم يذبحون على قبره ناقة أو يربطونها، ثم يدَعُونها تموت جوعاً، معتقدين أن الروح لما تنفصل من جسد الناقة تتشكل بصورة طير يسمونه الهامة أو الصدى وهو نوع من البوم لا تبرح ترفرف بجانب قبر الميت نائحة ساجعة، تأتيه بأخبار أولاده\".

* تعليق: لقد أضاف المسيو كوسان (في هذه السطور التي نقلناها عنه) وصفاً على وصف الميسو دوزي لعهد الجاهلية قبل بعثة النَّبيّ مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -، يعرف الناس ذلك العهد المظلم بما كان عليه من الجهل والعبادة للمخلوق، والظلم للحيوان (الناقة) بذبحه لا لغرض الأكل أو الإطعام للغير، ولاسيما بربطه وتركه إلى أن يموت جوعاً، بتلك العقيدة الفاسدة التي ذكرها، ومما يذكر هنا: أن من عادة البوم أياً كان نوعه السكنى في الأمكنة الخربة وبخاصة في القبور مما يدلٌّ على بطلان هذه العقيدة.

  • وقال دينسون في كتابه الحركات كأساس للحضارات: \"وفي القرنين الخامس والسادس (يعني قبل البعثة) كان العالم على شفا جرف هارٍ, من الفوضى، لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة قد انهارت، ولم يكن ثمة ما يُعتدٌّ به مما يقوم مقامها.

وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية التي قامت بعد جهود أربعة آلاف سنة، مشرفة على التفكك والانحلال، وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية، إذ القبائل تتحارب، ولا قانون ولا نظام، أما النظم التي خلفتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلاً من الاتحاد والنظام، وكانت المدنية كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله واقفة تترنح، وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب\"، وفي الختام قال: \"وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحَّد العالم جميعه\".

  • وقال جيمس متشتر: \"إن مُحَمَّداً رسول الإسلام - عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هذا الرجل الملهم الذي أقام الدين الإسلامي، ولد حوالي سنة 570م في قبيلة عربية كانت تعبد الأصنام، وكان محباً للفقراء والأرامل، واليتامى والأرقاء والمستضعفين، وقد أحدث مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -بشخصيته الخارقة للعادة ثورة في شبه جزيرة العرب وفي الشرق كله، فقد حطم الأصنام بيديه، وأقام ديناً يدعو إلى الله وحده، كما رفع عن المرأة قيد العبودية التي فرضتها عليها تقاليد الصحراء\".
  • وقال المسيو جول لابوم أيضاً: \" كان العرب قبل بعثة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - مُغرمين بشرب الخمر، ويوجد من شعر العرب ما يدل على أنهم كانوا يفخرون ويعجبون بالخمر والميسر، وكان من عوائدهم (أي عاداتهم) أن الرجل له أن يتزوج ما تسمح له به وسائله المعيشية (بدون تحديد الزوجات)، وكان له أن يطلقهن متى شاء هواه (أي لم يكن الطلاق مبنياً على سبب معقول)، وكانت الأرملة تعتبر من ضمن ميراث زوجها، ومن هنا نشأت تلك الارتباطات الزوجية بين أولاد الزوج ونساء الأب، وقد حَرَّم الإسلام ذلك، وعدَّه زواجاً ممقوتاً، وكان لدى العرب في الجاهلية عادة أفظع من كل ما مرَّ وأشد للطبيعة وهي وأد البنات أي دفنهن أحياء\"، ثم قال جول لابوم: \"وهذا كله لا يشير إلى أن العرب لم يكن فيهم أي جرثومة خلقية صالحة يمكن تقويمها وتهذيبها، فقد كانوا يحبون الحرية حباً جماً، ويمارسون فعائل الكرم وبذل القرى\".

* تعليق: لقد عبر المسيو جول لابوم فيما عبر به عن الحقيقة، سواء كان في التعبير عن تلبد جو العالم في جميع أرجاء الأرض بسب الاضطرابات والفتن في اعترافه الذي سبق، أو في التعبير عن عادات العرب قبل البعثة التي قام الإسلام بإصلاحها.

  • ونشرت جريدة الناقد السورية، بعنوان كاتبة إنجليزية تتحدث عن نبي الإسلام ما نصٌّهُ: \"في بلاد محرقة، ومفازات وعرة بعيدة عن مناهل الحضارة الإنسانية، وبين شعب ثوري متنابذ يجهل كل شيء، انبجس نبع صافي المياه عذبها (تريد ظهور الإسلام ببعثة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -)، ولم يلبث أن أضحى ساقية، ثم نهراً فاض بسرعة فائقة، وتحول إلى جداول فياضة عديدة جابت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وجعل مصير كل من ذاق حلاوتها وعذوبتها من الشعوب الاتحاد، وتتناسي الضغائن، والائتلاف حول زعيم واحد (تعبير عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -)، وليس هذا النبع سوى الإسلام، هناك حيث يسود الانتقام، وحب التفرقة والخلاف، ظهر شعور جديد، شعور الأخوة والتآلف بين شعب جمعته فكرة الدين والأخلاق السامية، ولم تكن إلا فترة قصيرة حتى أضحت تعاليم الرسول مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - سيولاً اجتاحت ممالك الحضارة القديمة، غير آبهة بالحواجز والعثرات، فجعلت من تلك الشعوب المتفرقة المتنابذة شعباً متحداً واحداً لا يفرقه شيء!

تلك حادثة غريبة لم يرو لها التاريخ مثيلاً قبل اليوم، ولم يكن ليخطر على بال أحد أن يصبح الإسلام دين ملايين من الرجال الأشداء بعد أن كان دين بضعة رجال متحمسين، وإن الإنسان ليتساءل بدهشة غريبة عن تلك القوى الخفية التي ساعدت المسلمين على التغلب على شعوب تفوقهم حضارة، واختباراً، وغنى، واستعداداً حربياً؟ تلك القوى الخفية التي أعانتهم على توسيع بلادهم الصغيرة، وتوطيد نفوذهم في كل بلد احتلوه، توطيداً لم يترك لأية جهود مبذولة مجالاً لتقويضه، وجعلتهم حتى غرسوا في نفوس الشعوب الغربية روحاً شريفة لا تعرفها الديانات الأخرى، وقد مضى عليها ثلاثة عشر قرناً ونيف ولكنها لم تتحول، ما زالت تشتد وتمتد نفوس أنصارها رغبة لاقتحام كل خطر في سبيل الذود عن حياضها\"، ثم قالت: \"وأي إنسان لا يقف مدهوشاً أمام الديانة الإسلامية وهو يرى مصائر الديانات الأخرى؟\"، ثم مضت تقول: \"والغريب أن الإسلام الذي لم يكن قبل الهجرة المُحَمَّدية سوى دعوة دينية حارة، أضحى بعدها قوة سياسية هائلة أتاحت للنبي مُحَمَّد - بإذن من الله - أن يدافع عن نفسه أمام مضطهديه والذين زيفوا دعوته، وأن لا يعيد السيف إلى غمده إلا بانتهاء مهمته (يعني بعد صدور الإذن والأمر بالقتال في المدينة، كما أشارت إليه الكاتبة).

وقد شاء الله أن لا ينقضي عام من هجرة النَّبيّ وصحابته حتى ارتدى الدين الإسلامي حلة قشيبة، لا تزال تبعث بأنوارها  إلى أرجاء العالم، وتلفت الأنظار إلى الانقلاب الاجتماعي والسياسي الذي قامت به الديانة الإسلامية في البلاد البربرية المتوحشة!، وقد كان لهذا الانقلاب أثره الأكبر، حيث استولى المسلمون في السنة الثامنة من الهجرة على مكة (تريد فتح المعظمة)، ثم اجتازت مضارب جيوشهم حدود فلسطين وسورية، وكان المسلمون عازمين على القيام بحملة كبرى عندما خفت صوت النَّبيّ مُحَمَّد في السنة الحادية عشر من الهجرة (تريد وفاة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -) ذلك الصوت الذي هزَّ أوتار القلوب، وجعل لصوت تلك الأوتار رنة بين الشعوب البعيدة\"، ثم قالت: \"توفي النَّبيٌّ - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - ولكن لم تمت دعوته، فقد كانت الجزيرة العربية مُوحَّدة متآلفة لا تؤثر فيها مطلع بعض القبائل البدوية، ورأى الناس إذ ذاك أول معجزة من معجزات الديانة الجديدة عندما شهدوا الجزيرة تنقلب من أرض المعارك والاختلافات إلى أرض الأسرة والتآلف والسلام، ورأى الناس إذ ذاك هذا الانقلاب الاجتماعي والسياسي والديني العظيم، فطفقوا يسألون عن أسبابه الأساسية، فكان أكثرهم على عمى يتخبطون في ظلمات الخطأ (تشير إلى أخطاء كثير من كتاب أوروبا)، وهم لا يدركون أن انقلاباً مثل هذا لا يمكن له أن يتم إلا بالقوة الإلهية، وأن الله هو الذي أرسل مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - كآخر نبي إلى الأرض، (تشير إلى قوله تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم النَّبيّين}) كان أكثر الناس لعماهم أو تعاميهم (قصداً لإنكار ما هو الحق) يعتقدون أن سبب انتشار الإسلام السريع وانقلابه إنما يعود إلى السيف (أي استعمال السلاح المادي) غير مدركين أسبابه الإلهية الواضحة، التي لم يكن في وسع أحد إنكارها مهما بلغ عداؤه.

يقولون إن دين مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - دين السيف، مع أن دين مُحَمَّد دين القوة الإلهية!، وفي الختام قالت الكاتبة الإنجليزية: \"هذا هو الإسلام، الدين الذي جاء به النَّبيّ مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - من عند الله، وتلك هي المعجزات التي انتشر على أساسها، وإن الإنسان ليشعر بالغبطة عندما يرى العداء الذي كان يظهر في انتقادات الأوروبيين في القرون الوسطى يتلاشى في هذا القرن، وعندما يرى الإنصاف الكافي الذي يظهره كتَّاب اليوم نحو تلك الديانة السامية أسمى ديانات العالم، الديانة التي قلبت العالم أجمع!

وإني  أعتقد من جهتي أن عدم اهتمام علماء الإسلام بنشر الديانة الإسلامية، وعرض آرائهم على الأمم الغربيةº هو الذي حمل الأوربيين على مثل هذه الانتقادات السيئة\".

  • وقال الكونت (هنري دي كاستري) الفرنسي في كتابه الإسلام: \"إن أول مسألة دار البحث فيها إنما هو صدق النَّبيِّ مُحَمَّدٍ, في رسالته، وقد قلنا أن ذلك الصدق متفق عليه بين المستشرقين والمتكلمين على التقريب، ومعلوم أنه لا ارتباط بين هذه المسألة وبين كون القرآن كتاباً منزلاً من عند الله، ولسنا نحتاج في إثبات صدق مُحَمَّد إلى أكثر من إثبات أنه كان مقتنعاً لصحة رسالته، وحقيقة نبوته، أما الغرض من تلك الرسالة في الأصل فهو إقامة إله واحد (أي الإيمان بإله واحد) مقام عبادة الأوثان التي كانت عليها قبيلته قبل ظهوره، وأن أمة العرب قبل النَّبيّ مُحَمَّد كانت وثنية على وجه العموم، وكان مذهب توحيد الإله يخطر في الأذهان رويداً رويداً، وكان المشخصون لهذا الاعتقاد فريقاً يقال لهم (الأحناف) بقوا على مذهب إبراهيم - عليه السلام -، أما المسيحيون فكانوا فرقاً كثيرة كلها تعتقد بمذهب التكثير (تعدد الآلهة والتثليث).

وتلقى مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - مذهب أولئك الأحناف بحالة سطحية، ولكن لما كانت نفس ذلك النَّبيِّ مفطورة على التشبع بالدين تكيف هذا المذهب في وجدانه، حتى صار اعتقاداً لم تصل إليه نفس قبله إلا قليلاً، وهو ذلك الاعتقاد المتين الذي أحدث انقلاباً كلياً في النوع البشري، ومن الخطأ أن يبحث عن هذا المبدأ العميم فيضه من غير طريقة الأحناف، لأن مُحَمَّداً - عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما كان يقرأ ويكتب، بل كان كما وصف نفسه مراراً نبياً أمياً، وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه، ولا شك أنه يستحيل على رجل في الشرق أن يتلقى العلم بحيث لا يعلمه الناس، لأن حياة الشرقيين كلها ظاهرة للعيان مع أن القراءة والكتابة كانت معدومة في ذلك الحين، وكذلك من الخطأ مع معرفة أخلاق الشرقيين أن يستدل على معرفة النَّبيّ مُحَمَّد القراءة والكتابة باختيار السيدة خديجة إياه لمتاجرها في الشام، ويقال أنه لم تكن خديجة لتعهد إليه أعمالها في التجارة إن كان جاهلاً غير متعلم، فإنا نشاهد بين تجار كل قوم غير العرب وكلاء لا يقرؤون ولا يكتبون، وهم في الغالب أكثرهم أمانة وصدقاً\"، ثم قال الكونت هنري: \"إذن ثبت مما تقدم أن مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - لم يقرأ كتاباً مقدساً، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه، خلافاً لماذا ذهب إليه \"إسكندر دبون\" حيث يقول: \"إنه كان في دين اليسوع قراءة وكتابة\"، ولقد نعلم أن مُحَمَّداً قاسى آلاماً نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، وقد خلقه الله ذا نفس تمحصت للدين، ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة الأوثان، ومذهب تعدد الآلهة الذي ابتدعه المسيحيون، وكان بغضهما متمكناً من قلبه، حتى كان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة في جسمه - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -.

ولكي ينفرد مُحَمَّد بما نزل فيه من الفكر العظيم وهو وحدانية الله اعتكف في جبل حراء، وأرخى العنان لفكره يجول في بحار التأملات، عابداً مجتهداً (يعني قبل نزول الوحي)، ولعمري فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء، ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيل، وقوة الإدراك، ما كان (لا بوضع المقدمات وتعليق النتائج عليها) إلا أن يقول مراراً ويعيد تكراراً كلمات (الله أحد، الله أحد) كلمات رددها المسلمون أجمعون في عهده ومن بعده، ولكن غاب عنا معشر المسيحيين مغزاها وذلك لبعدنا عن فكرة التوحيد، ولم يزل عقل مُحَمَّد مشتغلاً حتى ظهر هذا الفكر في كلامه على صور مختلفة جاءت في القرآن، ومنها: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد *}.

وكانت مترادفات اللغة العربية تساعد مُحَمَّداً بمعانيها الرقيقة على ترداد ذلك الفكر السامي (فكر الإيمان بالله وحده) الذي دل عليه، ومن تلك الأفكار والعبادة تولدت كلمة الإسلام وهي \"لا إله إلا الله\"، ثم قال الكونت هنري: \"ذلك هو أصل الاعتقاد بالله، بأنه فرد، ورب صمد، منزَّه عن النقائص الذي يكاد العقل يتصوره (بدون نزول الوحي)، وهذا اعتقاد قوي يؤمن به المسلمون على الدوام، ويمتازون به على غيرهم من الشعوب والقبائل، وأولئك حقاً هم المؤمنون كما يسمون به أنفسهم!

ولقد يستحيل أن يكون هذا الاعتقاد وصل إلى النَّبيِّ مُحَمَّدٍ, من مطالعة التوراة والإنجيل (يعني قبل بعثته ونزول الوحي إليه)، إذ لو قرأ تلك الكتب لردها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقص لفطرته، ومخالف لوجدانه عند خلقته، فظهور هذا الاعتقاد بواسطته (في جزيرة العرب) دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته، كما أنه بذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته، وأمانته في نبوته.

ومضى الكونت هنري يقول: \"أما مسألة بالوحي بالقرآن فهي أكثر إشكالاً، وأكبر تعقيداً، لأن الباحثين لم يهتدوا إلى حلها حلاً مرضياً\"، \"ولكن العقل يحار كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن أميٍّ,، وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظاً ومعنى، آيات لما سمعها عقبة بن ربيعة حار في جمالها، وكفى رفيع عبارتها لإقناع عمر بن الخطاب فآمن برب قارئها، وفاضت أعين النجاشي إمبراطور الحبشة بالدموع حينما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة زكريا وما جاء في ولادة يحيى، وصاح القس (عند النجاشي) أن هذا الكلام وارد في في موارد كلام عيسى (أي الإنجيل)، ولقد أصاب جان جاك روسو حيث قال: \"من الناس - يريد الأوربيين - من يتعلم العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه، ولو أنه سمع مُحَمَّداً يُمليه على الناس بتلك اللغة الفصحى (لغة القرآن ونصه كما هو)، وبصوته المشع المقنع الذي يطرب الآذان، ويؤثر في القلوب، والتفت إلى أنه (القرآن) كلما بدت أحكامه أيدها (مُحَمَّد) بقوة البيان، وما أوتي من بلاغة اللسانº لخرَّ ساجداً على الأرض، وناداه قائلاً: أيها النَّبيٌّ رسول الله! خذ بيدنا إلى مواقف الشرف والفخار، فنحن من أجلك نود الموت أو الانتصار!\"، ثم قال: \"ومن ذلك الحين (أي بدأ نزول القرآن) أخذت شفتا مُحَمَّد تنطق بألفاظ بعضها أشد قوة وأبعد مرمى من بعض، والأفكار تتدفق من فمه إلى أن يقف لسانه، ولا يطيعه الصوت، ولا يجد من الألفاظ ما يعبر به عن فكر قد ارتفع عن مدارك الإنسان، وسما عن أن يترجمه قلم أو لسان، وكانت هذه الانفعالات تظهر في وجهه بادية، فظن بعض الناس أن به جِنَّة، ولكن هذا الرأي باطلº لأن مُحَمَّداً بدأ رسالته بعد الأربعين، ولم يشاهد عليه أحد قبل ذلك أي اعتلال في العقل أو اضطراب في القوة المادية، وليس بين الناس من عرف الناس جميع أحواله في حياته كلها مثل النَّبيّ مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ -، فلقد وصل المحدثون عنه إلى أنهم كانوا يعدون الشعر الأبيض في لحيته، ولو أنه كان مريضاً لما أخفى مرضه (وما خفي على المحدثين)، مع أن المرض في مثل تلك الأحوال يعتبر أمراً سماوياً عند الشرقيين.

إذن ليس حالة مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - في انفعالاته وتأثراته بحالة ذي جِنَّة، بل كانت حالته مثل التي قال نبي بني إسرائيل (يريد موسى - عليه السلام -) في وصفها: (لقد شعرت بأن قلبي انكسر بين أضلعي، وارتعشت من العظام، وصرت كالنشوان، وذلك لما قام بي من الشعور عند سماع صوت الله، وأقواله المقدسة)، فثبت بهذا أن مُحَمَّداً ليس من المبتدعين، ولا من المبتدعين كتابهم\"، وفي الختام قال الكونت هنري دي كاستري: \"لا يمكن أن ننكر على مُحَمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - في الدور الأول من حياته كمال إيمانه وإخلاصه وصدقه، أما في الدور الثاني فلم يتزعزع الإيمان من قلبه مثقال ذرة، وما أوتيه من النصر ما كان من شأنه أن يقويه على الإيمان لولا أن الاعتقاد كله قد بلغ منه مبلغاً لا محل للزيادة فيه، ولم يكن فيه أي عيب، بل إن ما نسبوه إليه (يعني من قبل بعض الكتاب الأوروبيين) لا يؤثر بشيء على سيرته الطاهرة، إن مُحَمَّداً ما كان يميل إلى زخارف الدنيا، ولم يكن شحيحاً بخيلاً، وكان يستدر اللبن من نعاجه بنفسه، ويجلس على التراب، ويرتق ثوبه ونعاله بيده، ويلبسها مرقعة، وكان قنوعاً، خرج من هذا الباب (يعني توفي) ولم يشبع من خبز الشعير مرة في حياته، تجرد من الطمع، وتمكن من نوال المقام الأعلى في بلاد العرب، ولكنه لم يجنح إلى الاستبداد فيها، فلم تكن له حاشية، ولم يتخذ وزيراً ولا حشماً، وقد احتقر المال، وبلغ من السلطان منتهاه، ولكنه لم يكن له من علامات الإمارة والملك سوى خاتم من الفضة مكتوب عليه \"مُحَمَّد رسول الله\"، ثم قال الكونت هنري: \"على أن مُحَمَّداً كان يقول عن نفسه أنه يخشى العذاب، ويسأل الله الغفران، وكم مرة شوهدت على وجهه علائم الهلع، وما به من هول رسالته عندما كان يتلو على الناس آيات الفزع  الأكبر، هذا ما كان من صدق مُحَمَّد وأمانته\".

* تعليقات على كلام الكونت هنري دي كاستري:

يقول هنري: \"إن أول مسألة دار البحث فيها هو صدق النَّبيِّ مُحَمَّدٍ, في رسالته، وقد قلنا إن ذلك الصدق متفق عليه بين المستشرقين والمتكلمين\".

نقول: هذا قول يعبر عن الحقيقة، ولكن قوله: \"ومعلوم أنه لا ارتباط بين هذه المسألة (يعني صدق النَّبيّ مُحَمَّد في رسالته) وبين كون القرآن كتاباً منزلاً من عند الله\" قول يجب أن نقول فيه: إن نفي الارتباط بين هذه المسألة وبين كون القرآن كتاباً منزلاً من عند الله حكم بعيد عن الحقيقة، فإن صدق رسالة مُحَمَّد في رسالته ثابت بسيرته قبل بعثته وبعدها، ولاسيما بتبشير التوراة والإنجيل به، وواضح وثابت بغيرها من الدلائل العقلية، ومع ذلك فإن لهذا الصدق ارتباطاً قوياً لكون القرآن كتاباً منزلاً، بسبب أن القرآن يعد أكبر معجزة خالدة من معجزات صدق رسالته ونبوته، وهذا شيء اتفق عليه الأولون والآخرون، ولكن الكونت هنري قد وقع في شك بسبب استماعه إلى أخطاء ومغالطات من قبله أو حوله من كتاب أوروبا، كما يظهر من قوله الآتي في كتابته هذه: \"وأما مسألة الوحي بالقرآن فهي أكثر إشكالاً، وأكبر تعقيداً، لأن الباحثين لم يهتدوا إلى حلها حلاً مرضياً\".

إن عدم اهتداء الباحثين الأوربيين إلى حل يرضى به الناس جميعاً لا يُخل بثبوت الوحي بالقرآن، وهو أمر ثابت لا يتردد في قبوله العاقل، المنصف البعيد عن التعصب المذهبي، كما أقر نفس الكونت هنري ثبوته بتقرير منطقي بعد هذا القول وهو قوله: \"ولكن العقل يحار كيف يتأتى، إلخ\"، فلاشَكَّ في ثبوت الوحي بالقرآن، ولا في ارتباط صدق رسالة مُحَمَّد بكون القرآن كتاباً منزلاً من عند الله - عَزَّ وجَلَّ -.

ثانياً: إن الكونت هنري يشير إلى أن مُحَمَّداً قبل بعثته تلقى توحيد الإله من فريق يقال لهم (الأحناف) الذين بقوا على مذهب إبراهيم - عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وهذا أيضاً قول لا حقيقة له، فإن مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - لم يتلق التوحيد من أحد، بل إنه كان يبغض الأوثان بغضاً شديداً بمحض فطرته البشرية الطاهرة، بل قد بُغِّضت إليه الأوثان، فكان يؤمن بالله وحده، ويختلى لعبادته وحده في غار حراء تعبداً ينطبق على دين إبراهيم بدون تلقين من أحد.

نعم.. إن مُحَمَّداً - صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ - لم يتلق مذهب التوحيد قبل بعثته من أحد، وإنما كان يوحد الله ويعبده وحده لا شريك له بفطرته الطاهرة، وبإلهام من عند سبحانه، كما قال تعالى: {وإنك لعلى خلقٍ, عظيم}، وكان ذلك إعداداً له من عند الله ليبعثه نبياً ورسولاً للناس كافة، وللعالمين رحمة.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply