تداول الأسهم المختلطة


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.

الأسهم المختلطة هي الشركات التي أصل نشاطها مباح ولكن عندها بعض المعاملات المحرمة سواء القروض الربوية أو الاستثمارات المحرمة وأغلب الشركات على هذا النحو، وهناك اتجاهان أساسيان للفقهاء المعاصرين في التعامل مع هذه الشركات المساهمة المختلطة، فالاتجاه الأول ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين بالتفريق في التعامل مع هذه الشركات المختلطة بين عموم المعاملة وخصوصاً المشاركة حيث يرى جواز مطلق معاملة هذه الشركات المساهمة في البيع والشراء والإجارة والإقراض ومن ذلك أنه يجوز العمل فيها والأكل من رواتبها واستئجار خدماتها وتأجيرها المنشآت والعقارات ولكن يحرم المشاركة في أسهمها وحصصها فقط.

ونضرب مثالاً شركة الكهرباء أو الاتصالات فيجوز استئجار خدماتها ودفع الفواتير لها والعمل فيها سواء عملاً إدارياً أم خدمياً، أو العمل على حراسة أمنها واستلام رواتبها ومعاشاتها التقاعدية وتأجيرها المرافق التي تحتاجها لكنه يحرم على الإنسان المشاركة في أسهمها أو حصصها حتى ولو تخلص المساهم فيها من العنصر المحرم في أرباحها لئلا يكون معيناً لها على أكل الحرام وقد مال إلى هذا الاتجاه اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية وبعض الفقهاء المعاصرين.

حيث نصت فتوى اللجنة الدائمة على أن (المساهمة في البنوك أو الشركات التي تتعامل بالربا لا تجوز وإن أراد المكتتب أن يتخلص من مساهمته الربوية فيبيع أسهمه بما تساوي في السوق ويأخذ رأس ماله الأصلي فقط والباقي ينفقه في وجوه البر)(1).

أما الاتجاه الثاني: فذهب إلى مشروعية المشاركة بالأسهم حيث إنه جاز عموم المعاملة من حيث الأصل في الشركات المختلطة فكذلك يجوز المشاركة في أسهم الشركات بشرط أن يكون المخالط المحرم يسيراً ليس بكثير وتبعاً ليس بمستقل وذلك بالنسبة إلى الأصل العام في نشاط الشركة المباح، لكن أصحاب هذا الاتجاه اختلفوا في الحد الفاصل لليسير المغتفر من المعاملات المحرمة وتحديد الأساس النسبي لاحتساب اليسير دفترياً أم سوقياً وطريقة التطهير وقد مال إلى هذا الاتجاه الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - والشيخ عبد الله بن منيع ومعظم اللجان الشرعية المشرفة على أعمال المصارف كالهيئة الشرعية لشركة الراجحي(2).

يقول ابن عثيمين - رحمه الله -: \"إذا كان الإنسان قد ساهم أو كان يريد المساهمة دون أن يسلك طريق الورع فإننا نقول: الحل في هذه الحالة أنه إذا قدمت الأرباح وكان فيها قائمة تبين مصادر هذه الأرباح فما كان مصدره حلالاً فهو حلال وما كان مصدره حراماً فهو حرام مثل أن يصرحوا بأن هذه من الفوائد البنكية فإنه يجب على الإنسان أن يتخلص منها بالصدقة بها لا تقرباً إلى الله ولكن تخلصاً من إثمها\"(3).

والإشكالية عند من يرى تحريم المشاركة في الشركات المساهمة المختلطة تكمن في المشاركة بالتصرف أي أن الشريك وهم مجالس الإدارة في الشركات يملكون سلطة التصرف بأموال الشركة ولهم سيادة على تعاملاتها وقد اختلف الفقهاء في حكم دفع المال لمن يتصرف فيه ويكون بعض تعاملاته غير شرعية على مذاهب فقيل بالجواز مع الكراهة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم قال الكاساني: تصح المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم والذمي والحربي المستأمن...\"(4).

وقال العلامة زكريا الأنصاري الشافعي: \"وتكره مشاركة ذمي ومن لا يحترز من الربا ونحوه وإن كان المتصرف مشاركهما... \"(5).

قال ابن قدامة - رحمه الله -: \"فأما المجوسي فإن أحمد كره مشاركته ومعاملته... وهذا والله أعلم على سبيل الاستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته وإن فعل صح لأنه تصرف صحيح\". ا. هـ(6). وقيل بإباحة هذه المشاركة مطلقاً دون كراهة وهي رواية عن أحمد وقال حرب الكرماني: \"قلت لأحمد: رجل يدفع ماله مضاربة إلى الذمة تكرهه؟ قلت: لا\"(7).

وقيل: \"يمنع دفع المال ابتداء ويكره بعد وقوعه وهو مذهب المالكية قال العلامة الحطاب الرعيني المالكي: \"وأما مشاركة الذمي فالظاهر من كلامه في المدونة أنها صحيحة وإن كانت لا تصح ابتداء\"(8).

وبعد هذا يظهر أن الفقهاء فرقوا بين الشركة التي أصل نشاطها محرم وبين الشركة التي أصل نشاطها مباح لكن الشريك قد لا يتحرز عن المعاملات المحرمة فالأولى محرمة قطعاً والثانية فيها خلاف فقهي يدور بين الإباحة والكراهة والمنع الابتدائي.

ولذلك نقول إن الشركات المساهمة التي أصل نشاطها مباح لكن يوجد فيها بعض المعاملات المحرمة اختلف الفقهاء فيها وإن كان الأغلب على إباحتها وقيل مع الكراهة والأصل في المعاملات الحل فيها، ومن قال بالتفريق بين عموم المعاملة مع الشركة كالبيع والشراء والعمل فيها وبين المشاركة فيها بالأسهم بناءً على أن المشاركة بالأسهم فيه إعانة على الإثم وعموم المعاملة لا يدخل في الإعانة فقد بنى هذا القول على اجتهاد غير دقيق حيث فرق بينهما بدون دليل وذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضاً فموظف الأمن الساهر على سلامتها والموظف في إدارة أعمال الشركة الحريص على نجاحها أشد معاونة من المشارك في أسهم الشركة لأيام أو ساعات ولم يستلم أي مبلغ من إيرادات الشركة فالمساهم في الشركة والمعامل للشركة كلهم مشتركون في مناط الإعانة ولكن نقول إن الشركات التي أصل نشاطها وأموالها الإباحة فيجوز العمل فيها ومشاركتها مثل الموظفين في شركة سابك والاتصالات والكهرباء وكذلك المساهمين فيها.

وأما القول بأن حرمة المشاركة في الشركات المختلطة لأن بعض استثماراتها محرمة كالقروض الربوية والمساهم في شركةٍ, بعض معاملاتها ربا هو مساهم في الربا سواء قلت نسبة الربا أو كثرت، فنقول إنه من المستقر في نصوص الشريعة أن اليهود أكثر الناس استحلالاً لأموال الناس بالباطل كالربا والغش والاحتيال وغير ذلك ولذلك يقول الله عنهم في سورة المائدة: \"أَكَّالُونَ لِلسٌّحتِ\"(9)، ومع أن أموال اليهود بهذه الصفة من مخالطتها للكسب المحرم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يقتصروا على معاملة اليهود ومعاوضتهم وقبول هداياهم بل تشارك النبي مع اليهود في إنشاء شركة زراعية في منطقة خيبر فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأراضي والآبار كأصول عينية وقدّم اليهود أموالهم وخبرتهم لإدارة الأرض واتفق رسول الله معهم على اقتسام الربح بنسبة 50% لكل طرف كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - \"دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطر ثمارها\"(10). وكان لهذه الشركة أثر في حياة الصحابة حتى قال ابن عمر: \"ما شبعنا حتى فتحنا خيبر\"(11).

وأعظم ما يستفاد من الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شارك اليهود في أموالهم وتحت إدارتهم فكانت لهم سلطة الإشراف على التصرفات والعقود التي يبرمونها في زراعة الأرض وغرسها وحرثها مع أنهم لا يتحرزون عن المال الحرام كما ثبت ذلك في النصوص الشرعية ودلت عليه القرائن الواقعية في التعامل معهم.

وحصيلة ذلك أنه لو كانت معاملة ومشاركة أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة محرمة أو غير مشروعة لكان أول من يتنزه عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان تركها أفضل لكان أول من تركها رسول الله وأصحابه بل بقيت هذه الشركة إلى آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - حتى أجلاهم.

ثم إن المصلحة في تنمية مثل هذه الشركات ومآل ذلك على اقتصاد المسلمين مصلحة معتبرة، حيث إن الشارع الحكيم تسامح في بعض العقود الفاسدة اليسيرة لأجل مصلحة شرعية أعظم، تكون راجحة في علاقتها بمصلحة المسلمين العامة على ما يخشى منه في آحاد هذه العقود الفاسدة ومن ذلك يقول ابن تيمية - رحمه الله -: وأيضاً فإن الناس محتاجون إلى هذه البيوع، والشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك كما أباح بيع الثمار قبل بدو صلاحها مبقاة إلى الجذاذ وإن كان بعض المبيع لم يخلق وكما أباح أن يشترط المشتري ثمرة النخل المؤبر وذلك اشتراء قبل بدو صلاحها لكنه تابع للشجرة وأباح بيع العرايا بخرصها، فأقام التقدير بالخرص مقام التقدير بالكيل عند الحاجة مع أن ذلك يدخل في الربا الذي هو أعظم من بيع الغرر وهذه قاعدة الشريعة وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم الضررين بالتزام أدناهما(12).

ومفاد ذلك أن الشارع الحكيم يراعي مصالح المسلمين العامة وإن اشتملت على بعض الموانع الشرعية وخاصة إذا كانت المصالح يحتاجها المسلمون مثل هذه الشركات المساهمة التي هي أدوات في تنظيم وجمع المدخرات وتمويل المشروعات الحيوية التي تحتاج لرؤوس أموال ضخمة.

ونخلص من ذلك فنقول: أمامنا ثلاثة خيارات فقط:

1 إما أن نمنع المساهمة مطلقاً في الشركات المختلطة وفي هذا إهدار لمصلحة شرعية تتعلق باقتصاد المجتمع المسلم.

2 أو أن نبيح المساهمة مطلقاً في أية شركة مختلطة مهما بلغ حجم المعاملات المحرمة في تصرفات مجلس إدارتها وفي هذا مفسدة غلبة المال الحرام.

3 أو نفصل ونفرق بين التقصير اليسير وبين الانحراف الغالب في تصرفات إدارة الشركة فيجوز المساهمة في الأول دون الثاني وهذا الخيار هو أقرب الاتجاهات إلى مقاصد الشريعة.

وبهذا يتبيّن أن الشركات المختلطة يجوز الاستثمار فيها والمضاربة بشرط أن تكون المعاملات المحرمة قليلة وأن يقوم المستثمر فيها الذي يأخذ الأرباح السنوية بتطهيرها بقدر المال المحرم فإن لم يعلم فلو أخرج 5% أجزأه ذلك عند بعض العلماء وينوي في ذلك التخلص من الحرام لا الصدقة. والله الموفق(13).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء جمع الشيخ أحمد الدويش فتوى رقم (8996).

(2) قرارات الهيئة الشرعية للشركة 1/241، وانظر: الفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني، فتوى رقم (1).

(3) رسالة حول الأسهم وحكم الربا، الشيخ محمد بن صالح العثيمين، مؤسسة آسام للنشر، ص 21.

(4) بدائع الصنائع للكاساني (6/62).

(5) أسنى المطالب للأنصاري (2/202).

(6) المغني لابن قدامة (5/3).

(7) أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/558).

(8) مواهب الجليل شرح مختصر الخليل للحطاب (5/118).

(9) سورة المائدة: 42.

(10) رواه البخاري (2285) ومسلم (1551).

(11) رواه البخاري (4000).

(12) مجموع الفتاوى (29/226).

(13) انظر: بحوث في الاقتصاد الإسلامي، الشيخ عبد الله بن منيع ص 237.

الاستثمار في الأسهم، بحث د. علي محيي الدين القره داغي.

مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع.

الخدمات الاستثمارية في المصارف وأحكامها في الفقه الإسلامي، د. يوسف بن عبد الله الشبيلي (2/237).

الأسهم المختلطة، الشيخ إبراهيم السكران.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply