سوق الأسهم: أخلاق غائبة أم قانون الأقوياء


بسم الله الرحمن الرحيم

 

{كلا إن الإنسان ليطغى}

آية هي خير عنوان لما يمكن أن توصف به أسواق المال في أقاصي الدنيا وأطرافها، آية يوصف بها الفقير والغني، المعدوم وصاحب الجاه، الذكي والغبي، الرجل والمرأة: كلهم، إلا من رحم ربي، يطغونº لأنهم أناس. والنفس خلقت هلوعة: إن مسها الشر جزوعة وإن مسها الخير منوعة.

 

هذا المدخل القرآني ينبغي أن تستحضره الهيئات التنظيمية وأن يدركه المقننون والمنظمون، وبخاصة في السوق السعودي، وفي خضم ما نعيشه من طفرات اقتصادية مذهلة من أبرزها ما يشهده سوق الأسهم السعودي.. يحتاج مثل هذا السوق لأنظمة وتشريعات تحكم تصرفات الشركات المساهمة والمستثمرين فيهاº حتى يعلم أن كبح جماح تلك الطبائع هو الهدف الأساسي والمقصد الأخير لدى أي مشروع وإن اختلفت الصيغ أو تنوعت الوسائل.

 

كما أن هذا المدخل مطلوب من المستثمر استحضاره ليدرك أن كثيرا من مشاكله الاقتصادية والمالية تعود في كثير من الحالات إلى صفات بشرية منها الجشع والطمع وحب المال، وأن أي قانون مهما أحكمت مواده، واستنزفت الجهود في سنه وتشريعه، وأن أي نظام تشريعي بشري بجميع مفرداته من قضاء وتشريع وتنفيذ: لا يستطيع أن يقاوم طمع نفس بشرية أعطيت القدرة على التحايل، وأعماها الجشع، وغلفتها الأنانية وحب الذات: من أن تنتهك وأن تظلم وأن تتحايل على الآخرين.

 

ومع إيماننا بتلك الصفات البشرية الغالبة، إلا أن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى أن كلا الطرفين، المستثمر والهيئة المنظمة، في خضم هذا النمو الاقتصادي المتسارع لسوق المال السعودي يعيش تساؤلات يمكن أن توصف قانونيا وأخلاقيا بالتساؤلات الكبرى، يطرحها كل متابع لهذا السوق، سواء كان مستثمرا وطنيا قد استثمر تعب السنين وكد الجبين مؤملا الثراء الفاحش، أو قاصدا سداد الديون المتراكمة، أو راجيا عفة لنفسه، أو حالما بكل ذلك أو بعضه، أو كان من ناحية أخرى، مستثمرا أجنبيا: ينظر بحياء، وأحيانا بريبة إلى هذا النمو المطرد المتسارع الذي فاق كل توقعات الخبراء، وبز في نموه كل الأسواق المالية المترامية شرقا وغربا، كما تقوله التقارير الاقتصادية الأخيرة عن شهر ديسمبر 2005م، فيمنِي نفسه باقتحام مثل هذا السوق طمعا في ربح سريع لا يكلفه إلا ضخ المال وانتظار الثمرة. من هذه التساؤلات التي نعيشها ونشهدها:

 

1- هل المستثمرون في هذا السوق الكبير يعيشون جو الأمان الاستثماري كشرط ضروري لتنامي رأس المال، الموصوف بجبنه، كما يعيشه الآخرون في أسواق المال المتقدمة؟!

 

2- هل يخضع هذا السوق لضمانات قانونية ومعايير محاسبية وإدارية تلزم بها الشركات المساهمة، تكفل حماية كل الأطراف المتداخلة في العملية الاستثمارية بحيث لا يطغى حق على حق ولا يسلب مال من صاحبه بغير حق مشروع؟

 

كما أن التساؤلات تشمل أيضا نواحي أخلاقية ذات أهمية قصوى كمثل:

1- في وجود كل ما يمكن إنجازه من معايير مادية تهدف إلى إلزام المستثمرين بالعدل والإنصاف، هل يوجد بينها مكان للأخلاقيات التي جاء بها شرعنا من الصدق في المعاملة وإيثار الغير والتأكيد على قيم العدل التي كثيرا ما تغذينا بها ثقافتنا الإسلامية الرائعة، والتي يمكن أن نفعلها واقعا نجعل فيه من سوقنا المالي سوقا متميزا، ومثالا يحتذى.

 

مثل تلك التساؤلات المشروعة بحاجة إلى تحليل موضوعي يقصد إلى جذور المشكلة ليستنبط الحلول المباشرة ويقدمها إلى كل ذي علاقة بسوق الأسهم.. إلى المنظم وأعني بها الهيئة التنظيمية ممثلة في هيئة سوق المال، وإلى الشركات المساهمة ومجالس إداراتها كجهة تستهدفها قواعد الأنظمة، وأخيرا إلى المستثمرين سواء كانوا من كبار المساهمين أم كانوا من صغارهم، واختصارا سأكتفي بالتركيز على الفئة الأخيرة، مجيبا عن بعض تلك التساؤلات ومخاطبا لها بصوت الأخلاق وصوت التجربة تاركا الإجابات الممكنة فيما يخص الفئتين الأوليين إلى مقال لاحق إن شاء الله تكون أدوات التنظير القانوني فيه أكثر وضوحا.

 

فأما فئة كبار المساهمين فهي في الغالب بحاجة إلى (كبح) تشريعي يستهدف منعها من أن تستغل نفوذها المالي وجاهها المعنوي لزيادة أرباحها وتنمية أموالها بأساليب يحرمها الشرع وتعاقب عليها الأنظمة، ومن أمثلة النفوذ المالي غير المشروع، المتاجرة بالمعلومات الداخلية ذات الخصوصية داخل الشركة، أو ما يسمى نظاميا بـ(Insider Trading)º والتي غالبا ما يؤدي تداولها بين المتنفذين إلى تحقيق مكاسب مالية ضخمة نتيجة معرفتهم بالتأثيرات الكبرى التي تحملها تلك المعلومات على سعر السهم سوقيا، ومن ثم الاستفادة من تلك المعلومات قبل أن تصل إلى الآخرين في سوق تقوم قاعدة البيع والشراء فيه على مثل مشهور يقول: (اشتر على الإشاعة وبع على الخبر).

 

هذا المثل، بالمناسبة يقودنا أيضا إلى الإشارة إلى أن وسائل المنع من استغلال النفوذ ينبغي أن تستهدف أيضا تضييق هامش أثر الإشاعة في السوق، وهو أمر يصعب تحقيقه ما لم تتضافر جهود المؤسسات التنظيمية والتنفيذية والإعلامية همها أن يحاط الخبر بالسرية من وقت صناعته إلى وقت اطلاع كل المستثمرين عليه، كي لا تستفيد فئة دون فئة، ولا يتضرر مستثمر صغير من استغلال مستثمر آخر له النفوذ وقوة المال، فالجميع يملك الحق في الاطلاع على المعلومة الاستثمارية على حد سواء متى ما كانت تلك المعلومة ذات أهمية لهم جميعا.

ومع ذلك، فالقول بأهمية هذه الوسائل لا يغني هذه الفئة من حاجتها الملحة إلى تذكيرها بقيم ثقافتها ونبل عاداتها، وأن المال متى ما كان في القلب أعمى صاحبه وأرداه قتيلا لهم جمعه، فإن سلم من أمراض الجسد لم يسلم من أمراض النفس وهي أشد داء وأصعب دواء، كما عليهم أن يتذكروا دائما نعمة الله عليهم أن جعلهم أغنياء موسرين وجعل غيرهم فقراء معسرين، وأن شكر تلك النعمة يكون بأداء الحقوف لا باستغلال النفوذ أو الإضرار بمصالح الآخرين لأنهم ضعفاء لا قوة لهم.

 

أما صغار المستثمرين فالشكوى إلى الله من ضعف الحال!! عليهم أن يدركوا متأسفين أن قيمة أي إنسان في أسواق كهذه تعود إلى ما يملك من مال، فمثل هذا السوق يميل إلى من عنده مال، ومن لا عنده مال فعنه السوق قد مال! ولذا فلا مكان للأخلاق إلا ما قل وندر، ولا حديث عن ضمير، فالجشع يعمي ويصم، ولا مجال للرحمة بالمعسر والمديون، فلا عيش إلا عيش الأقوياء، وعليهم أن يدركوا أيضا أن أي سوق مالي، مهما كانت قوة تشريعاته، له نصيبه من موجات الانخفاض والتصحيح كما له في الارتفاعات نصيب، وأن حمل الأثقال لفترة طويلة مرهق يحتاج حامله إلى الراحة والتزود بالطاقة حتى تنبعث الحياة فيه مرة أخرى فيغدو أسرع نموا وتطورا.

 

فإن هم علموا طبائع السوق فعليهم أن يأخذوا عدتهم وأن يجلبوا بخيلهم لحماية أنفسهم. فالله أعطى الضعيف ما يحمي به نفسه إن ادلهمت عليه الملمات، وإن تكالبت عليه المصائب. ومن أخذ العدة أن يتقي المستثمر الضعيف أشواك الخسائر، وذلك بأن يعلم أولا أن الطمع لأمثاله يقود إلى التهلكة، فعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.

كما ينبغي له أن يعلم أن المخاطرة تكون بقدر ماله لا بقدر طموحاته، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. وأن الصبر - إن اضطر إلى ذلك - خيار من لا خيار له في أحوال الانتكاس والارتكاس لأسعار الأسهم، فليوطن نفسه على الصبر.

 

وخلاصة القول إن السلوكيات البشرية الخاطئة، ومنها التي تمارس في أسواق المال بالطبع، صعبة المنال من أن تكبح أو تمنع من خلال وسائل مادية مهما كانت فعالة ومستنفذة للوقائع، وأن الحاجة لتفعيل الأخلاق، فضلا على أنه ذو أثر محمود ومجرب، إلا أنه وهذا الأهم، يأتي منسجما مع ما يمليه علينا تشريعنا الإسلامي العظيم الذي تميز بالجمع بين الوسائل المادية من تشريع للجزاء والعقاب، وبين الوسائل المعنوية التي تستلزم مراقبة الله في التصرفات حين تغيب كل العيون، من بين كل التشريعات القانونية الأخرى.

 

ولذا فإنه يجب علينا أن نغرس ثقافة الرقابة الذاتية بيننا، نستحضرها في كل عقودنا ومعاملاتنا، وأن نجعل من مبادئنا وأخلاقنا: العامل الحاسم حين تغيب أو تعجز كل الوسائل الأخرى المصنوعة من يد البشر، من اليد الضعيفة المحتاجة المخطئة، التي أوتيت من العلم أقله، ومن الحكمة النزر اليسير، وحينها نتمنى ألا نسمع تلك العبارة المتداولة بين صغار المستثمرين حين تتراكم الخسائر (قدر الله علي ودخلت سوق الأسهم)!

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply