اليأس لا يصنع شيئاً


 

بسم الله الرحمن الرحيم

أختي الحبيبة: من العوامل المساعدة على دفع اليأس بعد الثقة في الله هو اليقين بأن الأحداث السيئة في ظاهرها قد تكون خيراً، فقد يكون حدثاً لا يرى منه الناس إلا الوجه السيئ فيصبح خيراً والناس لا يعلمون, يقول تعالى: (( فَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَيَجعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً ))، وفي قصة الإفك حين قُذفت عائشة - رضي الله - عنها بالزنا، فهل كان يدور في بالها حين سمعت هذه المقولة أن هذا الحدث سيكون خيراً لها؟ أو هل كان يدور في أحدٍ, ممن عاش الحدث ذلك الوقت أن هذا خير لها؟ ثم نزل قول الله تبارك وتعالى: ((لا تَحسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَل هُوَ خَيرٌ لَّكُم))، فبرأها الله - سبحانه وتعالى- من فوق سبع سماوات، وهي كانت تقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآناً، وكان غاية ما تأمله - رضي الله عنها - أن يري الله - تعالى - نبيه رؤيا يراها فيها، ومثل ذلك ما حصل لمريم حينما حملت بعيسى حتى قالت: ((يا ليتني مت قبل هذا)) فكان خيراً لها فحملت بنبيٍّ, من أولي العزم من الرسل. وفي حادثة الهجرة أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأسباب المادية، واختبأ وصاحبه في الغار ثم انصرف، وجاء رجل يتحدث وسراقة مع طائفة من قومه، فقال: رأيت هاهنا سواداً، وأظنه محمداً وصاحبه, ففطن سراقة حين ذلك وعلم أنه هو النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: إنه فلان وفلان يريد أن يصرف الناس عن ذلك, وأمر أهله أن يجهزوا له فرسه من خلف الدار، وانصرف وركب فرسه، ثم لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اقترب منهما فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: \"هذا سراقة قد أدركنا \".

الذي يقرأ الحدث الآن ويعيشه يضطرب، فالمتبادر للذهن أنه خطر محقق، ولهذا أصاب أبا بكر - رضي الله عنه - القلق والخوف على النبي -صلى الله عليه وسلم - وحق له ذلك, أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينظر بنور الله – تعالى-، فخارت قوائم فرس سراقة ودعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لم ييأس، وحاول مرة ثانية وثالثة حتى عرف سراقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظ بحفظ الله, فلما انصرف سراقة كان كل من لقيه يقول قد كفيتم ما هاهنا، فانظر كيف تحولت الصورة وانقلبت، ولهذا قال الراوي: كان أول النهار طالباً لهما وفي آخر النهار صاداً عنهما.

إن هذا الحدث يبدو في أوله حدثاً سيئاً، لكنه صار سبباً في الذب عن النبي - صلى الله عليه وسلم – وصاحبه، إن الأحداث السيئة قد تكون خيراً، والمتفائلون هم الذين يبحثون في الأحداث عن البشائر والمبشرات، وليسوا هم أولئك الذين يسيطر عليهم اليأس والقنوط.

حينما يأتينا إلى قرية فيها فقر مدقع وجهل وتخلف رجل متفائل ورجل متشائم, فالرجل المتشائم كل ما يراه في هذه القرية يزيده إحباطاً، إنه يشعر أن الأمية منتشرة، ومستوى التعليم فيها لا يشجع، فيها فقر, ليس فيها بنية اقتصادية، ليس فيها طرق، ولا إمكانات، لا بيئة يمكن أن تهيئ للاستثمار أو تحرك النشاط الاقتصادي في البلد, والناس يعانون من البطالة والأمراض وغيرها، هذه نظرته وكل ما يراه فيها يؤيد عنده هذه الحقيقة.

أما المتفائل فيرى أن هذه القرية تعيش وضعاً سيئاً، لكنه يلتمس الجوانب التي يمكن أن تنطلق منها, يقول: إن البلد فيها بطالة ولكن يمكن أن نستفيد منها، ويمكن أن نشغل هؤلاء ولو بأجور محدودة, هؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لمشروعات تحيي البلد, ويمكن أن يكون فيها بيئة جيدة للتعليم.

فالموقف الواحد ينظر إليه هذا الرجل بأنه سلبي وينظر إليه الآخر بأنه إيجابي، وحينما نعيش روح التفاؤل فإن الأحداث التي تواجهنا ينبغي أن نتعامل معها بتوازن, نعم نحن لا نعيش في أحلام، ولا نتغافل عن المخاطر، لكن إذا كنا نريد الإصلاح والتغيير فلنبحث عن الجوانب والثغرات التي يمكن من خلالها أن نصلح ونصل إلى الهدف المنشود.

لو جاء لص يريد أن يسرق بنكاً من البنوك، فإنه سيبحث عن نقطة الضعف التي يمكن أن يصل منها، إنه حين يأتي هذا المبنى ويجده محصناً، ثم يجد ثغرة محدودة يستطيع أن يتسلل من خلالها فكل نظرته مسلطة على هذه الثغرة، ليحصل من خلالها على ما يريد، ثم يخرج وكل العوامل الأخرى التي هي بالنسبة له تمثل خطراً يتغافل عنها.

فلماذا لا نتعامل مع الأحداث التي تواجهنا بهذه الروح؟ لم لا نبحث عن مواطن الثغرات التي يمكن أن نستثمرها؟ والتغير الهائل الذي سيواجهنا اليوم لماذا لا نبحث عن كيفية استثماره في الإصلاح وتغيير واقع المسلمين؟ صحيح أنك ترى في مجمله شر لا يؤذن بخير، وأن الأمر لو كان بأيدينا لما تمنينا أن يحصل, لكن ليست مسؤوليتنا أن نبحث عن جوانب الخطورة، والذي ينبغي أن نفكر فيه أن نبحث عن نقاط نتسلل من خلالها، ونستثمر مثل هذه الأحداث لتكون منطلقاً لإصلاح أوضاعنا، بل إن الأوضاع السيئة يمكن استثمارها بالإصلاح ،فالأفراد الذين لديهم رغبة في التغيير يستثمرون واقعهم السيئ لينطلقوا من خلاله إلى الإصلاح، وأضرب على ذلك مثالاً:

حين جيئ بالإمام أحمد - رحمه الله - ليجلد في الفتنة، ووضعوه في السجن مع اللصوص وقطاع الطرق وأتوا به ليجلد، أمسك به رجل وقال: أتعرفني؟ قال: لا, فذكر له ما هو عليه من السرقة وقطع الطريق، وقال: أني جُلدت كذا وكذا في السرقة فلم يردني ذلك عن السرقة، وأنت تجلد على الحق فأنت أولى مني أن تثبت، فانظر إلى هذا الرجل: مجرم ولا يزال مصراً على الجريمة، ولكن عنده بذرة خير جاء لينصح الإمام أحمد ويثبته، يبحث عن شيء شاهد من واقعه ينطلق به فلا يجد إلا تاريخ فساد فيستغل تاريخه في الفساد ليكون منطلقاً ليثبت من خلاله الإمام أحمد. 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply