اشتراكه في بناء الكعبة الشريفة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

لما بلغ محمد - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة لما أصابها من حريق وسيل جارف صدّع جدرانها، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم - عليه السلام - رضما([12]) فوق القامة فأرادوا هدمها ليرفعوها ويسقفوها، ولكنهم هابوا هدمها، وخافوا منه، فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم نزغ، ولا نريد إلا الخير.

 

وهدم من ناحية الركنين: فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد غاديًا يهدم، وهدم الناس معه حتى انتهوا إلى حجارة خُضرة كالأسنمة([13]) آخذ بعضها ببعض.

 

وكانوا قد جزؤوا العمل، وخصوا كل قبيلة بناحية، واشترك سادة قريش وشيوخها في نقل الحجارة ورفعها، وقد شارك النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمه العباس في بناء الكعبة وكانا ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض([14]) وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق فقال: «إزاري إزاري» فشد عليه إزاره([15]) فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، وكادوا يقتتلون فيما بينهم، لولا أن أبا أمية بن المغيرة قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب المسجد، فلما توافقوا على ذلك دخل محمد - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا، فلما أخبروه الخبر قال: «هلموا ثوبًا؟ » فأتوه به فوضع الحجر فيه بيديه ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوا جميعًا» فرفعوه، حتى إذا بلغوا موضعه وضعه بيده ثم بنى عليه.

 

وأصبح ارتفاع الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، ورفع بابها عن الأرض بحيث يصعد إليه بدرج، لئلا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤوا، وليمنعوا الماء من التسرب إلى جوفها، وأسند سقفها إلى ستة أعمدة من الخشب، إلا أن قريشًا قصرت بها النفقة الطيبة عن إتمام البناء على قواعد إسماعيل، فأخرجوا منها الحِجر، وبنوا عليه جدارًا قصيرًا دلالة على أنه منهاº لأنهم شرطوا على أنفسهم أن لا يدخل في بنائها إلا نفقة طيبة، ولا يدخلها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة لأحد([16]).

 

دروس وعبر وفوائد:

1- بنيت الكعبة خلال الدهر كله أربع مرات على يقين:

فأما المرة الأولى منها: فهي التي قام بها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -، يعينه ابنه إسماعيل - عليه الصلاة والسلام -.

والثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل البعثة، واشترك في بنائها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والثالثة: عندما احترق البيت من رميه بالمنجنيق في زمن يزيد بن معاوية بفعل الحصار الذي ضربه الحصين السكوني، على ابن الزبير حتى يستسلم، فأعاد ابن الزبير بناءها.

وأما الرابعة: في زمن عبد الملك بن مروان بعدما قتل ابن الزبير، حيث أعاده على ما كان عليه زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ([17])، لأن ابن الزبير باشر في رفع بناء البيت، وزاد فيه الأذرع الستة التي أخرجت منه، وزاد في طوله إلى السماء عشرة أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه، وإنما جرأه على إدخال هذه الزيادة حديث عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم»([18]).

2- طريقة فض التنازع كانت موفقة وعادلة، ورضي بها الجميع وحقنت دماء كثيرة، وأوقفت حروبًا طاحنة، وكان من عدل حكمه أن رضيت به جميع القبائل، ولم تنفرد بشرف وضع الحجر قبيلة دون الأخرى، وهذا من توفيق الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وتسديده قبل البعثة، إن دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من باب الصفا كان قدرًا من الله، لحل هذه الأزمة المستعصية، التي حُلت نفسيًّا قبل أن تحل على الواقع، فقد أذعن الجميع لما يرتضيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهو الأمين الذي لا يظلم وهو الأمين الذي لا يحابي ولا يفسد، وهو الأمين على البيت والأرواح والدماء([19]).

3- إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأدبية في الوسط القرشي([20])، وحصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحادثة شرفان، شرف فصل الخصومة ووقف القتال المتوقع بين قبائل قريش، وشرف تنافس عليه القوم وادخره الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ألا وهو وضع الحجر الأسود بيديه الشريفتين، وأخذه من البساط بعد رفعه ووضعه في مكانه

من البيت([21]).

4- إن المسلم يجد في حادثة تجديد بناء الكعبة كمال الحفظ الإلهي، وكمال التوفيق الرباني في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما يلاحظ كيف أن الله أكرم رسوله بهذه القدرة الهائلة على حل المشكلات بأقرب طريق وأسهله، وذلك ما تراه في حياته كلها - صلى الله عليه وسلم - وذلك معلم من معالم رسالته، فرسالته إيصال للحقائق بأقرب طريق، وحل للمشكلات بأسهل أسلوب وأكمله([22]).

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply