ما وظيفة الأم ؟... ( 4 ) هل أنت أم ناجحة ؟


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 قد تظن الكثيرات أن وظيفة الأم تقف عند إعداد الطعام للأبناء، والحفاظ على نظافة البيت والأولاد والاهتمام بصحتهم، وأنها إذا فعلت ذلكº فقد بذلت أقصى ما تستطيع، والأب عليه أن يكمل هذه المسيرة بتوجيه الأبناء أو ضربهم إذا اقتضت الحاجة لذلك.

 

فهل فعلًا تتوقف وظيفتها عند هذا الحد؟

 

إن وظيفة الأم تتركز في نقطتين:

 

الأولى: الرعاية والحماية للطفل بكل أشكالها، وقد تعرضنا لها بالتفصيل في المقال السابق.

 

والثانية: التربية والتدريب والبرمجة للأبناء، وهذا هو قلب موضوعنا اليوم.

 

انتبهي لبرمجة ابنائك:

وسنبدأ هنا بالبرمجة الوالدية للأبناء، وخاصة الأم لأهميتها في تكوين التصور الذاتي عن الطفل لنفسه، فقد تصدر عن الأم عبارات سلبية مثل: أنت كسلان، أنت غبي، أنت غير منظم، ستظل فاشل دائمًا... وغيرها من هذا القبيل.

وليس معنى ذلك أن هذه الأم تكره الأبناء، ولكنها ليست على دراية بأي طريقة أخرى أفضل من هذه الطريقةº ظنًا منها أنهم بذلك سيتحسنون ويتقدمون، ولا تدري أنها تقوم ببرمجة العقل على ذلكº فيكون التحدث مع الذات بنفس الطريقة: [[أنا غبي.. أنا كسلان... ]] حياة الإنسان.

يقول د. تاد جيمس وويات وود سمول في كتابهما \'خط الحياة\': [عندما نبلغ سن الواحدة والعشرينº تكون جميع قيمنا قد اكتملت واستقرت في عقولنا].

وبهذه الطريقة نكون قد نشأنا مبرمجينº أما سلبيًا أو إيجابيًا.

 

التدريب على التهام الوجبة الأولى:

رأيتُ كلبة وقد ولدت صغارها، وبعد فترة قصيرة لا تتجاوز عدة أشهر إذا بها تبدأ في تدريب الصغار على الطعام، فأخذت ترمي من وعاء الأكل قطعة خبز طرية أمام كل واحد منهم، وقطعة صغيرة أيضًا من اللحم حتى يشمها الصغار ويلعقوها بلسانهم، وبعد فترة قصيرة بدأت تعلمهم الهجوم، فتجهم على الصغير فيقلدها، وهكذا.

فسبحان الله العظيم هذا ما يحدث في عالم الحيوان، ومثله يحدث في عالم الإنسان، ولكن بالنسبة للإنسان المسألة أعقد بكثير بسبب عمليات التفكير، وسجايا الأخلاق والتربية والتعليم يأخذ وقتًا كبيرًا في حياة الإنسان، غير الحيوان الذي قد يستغرف فترة تدريبه شهورًا لا تصل إلى عام.

 

ما معنى التربية؟

إن الطفل أمانة الله بأيدينا، ولا حفاظ على هذه الأمانة إلا بالتربية الحسنة، والتربية هي عمل واعٍ, دؤوب ومستمر، هدفه تنمية الفطرة لبناء الإنسان المتوازن فكريًا وروحيًا وخلقيًا وجسديًا.. الإنسان الصالح في ذاته المصلح لأمته.

 

فهي إذًا علم وفن ووعي وجهاد، فتحتاج التربية إلى تكامل وتواصل كل الجهود، إذ يشترك المهد في البيت، والمقعد في المدرسة، والمنبر في المسجد في صياغة الإنسان الصالح.

 

كما تنطلق العملية التربوية ابتداءً من اللحظة الأولى من عمر الإنسان، وهي تبليغ الوليد مبادئ الإسلام بسنة الأذان في أذنهº كي تشرب روحه هذه الكلمات الخالدة التي تنجده عندما تعصف به الحياة، وفي هذا الأذان إشعار بأن الطفل قد أكتملت إنسانيته، فهو أهل لتلقي أعظم المبادئ في الوجود، وفيه أيضًا إيذانًا للمربي بأن مهمته التربوية قد بدأت من هذه اللحظة، وكثيرًا ما تكون الخطوة الأولى هي أهم عمل في مسير طويل.

 

التعليم عند واطسون:

ركزت النظرية السلوكية على عملية التعلم وأهميته على سلوك الإنسان.

 

فقد قال جون لوك: [[إن الإنسان صفحة بيضاء وأنا أكتب فيه ما أريد]]

 

ومن رواد هذه المدرسة وهذه النظرية في تفسير شخصية الإنسان واطسن، الذي قال عبارته الشهيرة: [أعطوني مجموعة من الأطفال الأصحاء سليمي البنية، وأنا كفيل أن أُخرج منهم الطبيب والمحامي والفنان والتاجر ورئيس العمل، بل والشحاذ واللص، بصرف النظر عن استعداداتهم وميولهم وقدراتهم وأعمال آبائهم وأصولهم الوراثية، فليس ثمة شيء اسمه وراثة القدرات أو المهارات أو المزاج أو التكوين العقلي].

وتقوم هذه النظرية على أنه يمكن تشكيل أي شخصية عن طريق التعلم الشرطي القائم على المثير والاستجابة، وكذلك عن طريق التحكم في الظروف.

وبغض النظر عن إيجابيات وسلبيات هذه النظريةº فإنها تؤكد على أهمية عامل التعليم على سلوك الإنسان، وتكوين شخصيته.

وقد أقر لنا رسولنا الكريم منذ أكثر من 1400 سنة على أهمية مبدأ التربية والتعليم.

فقد قال - صلى الله عليه وسلم -:

[[لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع]] رواه الترمذي

 

[[ما غل والد ولدًا أفضل من أدب حسن]] رواه الترمذي

 

[[أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن]] رواه الطبراني.

 

وقد أكد أيضًا - عليه الصلاة والسلام - على عامل البيئة الصالحة في أكثر من مناسبة فقال:

 

[[كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجِّسانه]] رواه البخاري.

 

ويُفهم من هذا الحديث أن الولد إذا تيسر له أبوان مسلمان صالحان، لقناه مبادئ الإيمان والإسلامº نشأ الولد على عقيدة الإيمان والإسلام، وهذا يؤكد دور البيئة المنزلية في نشأة الطفل.

وأما عن البيئة الاجتماعية سواء كانت مدرسة أو صديق أو...

فقد قال - صلى الله عليه وسلم - [[المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل]] رواه الترمذي.

 

ويُفهم من هذا الحديث أن الصديق للصديق، فإن كان صالحًا تقيًاº فيكتسب منه صفة الصلاح والتقوى، وإن كان غير ذلكº فالنتيجة كذلك:

 

قال الشاعر:

 

إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم  * * *  ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى

 

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه  *  * *   فكـل قـرين بالمقـارن يقتـدي

 

ويؤكد أثر البيئة على تكوين شخصية الإنسان أيضًا حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فأمره الرجل الصالح، فقال له: انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرض قومك، فإنها أرض سوء]] رواه البخاري ومسلم.

 

الأبناء أمانة:

قال الإمام الغزالي في إحيائه في تعويد الولد خصال الخير أو مبادئ الشر باعتبار قابليته وفطرته:

 [والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقى وهلك، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق... ]]

وذهب ابن خلدون في مقدمته مذهب الغزالي في قابليته واستعداده، وإمكانية إصلاحه بعد فساده.. بل كثير من فلاسفة الغرب أو الشرق ذهبوا هذا المذهب، أمثال واطسن وسكتر وبافلوف كما ذكرنا.

 

وقد قال الشاعر:

 

وينشأ ناشئ الفتيان * * * فينا على ما كان عوَّده أبوه

 

وما دان الفتى بحجي ولكن  * * *  يعوّده التدّين أقربوه

 

وإذا سألت الأم: كل ما سبق كلام جميل ولكن نظري، أنا أريد كلام واقعي يمكن تطبيقه مع الأبناء، فكيف أربي أبنائي؟ إجابتنا على هذا السؤال في المقال التالي.

فتابعي معي عزيزتي الأم المسلمة.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply