اعبدوا ربكم


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

عبادةُ الله هي الغايةُ التي من أجلها خَلَقَ الخَلقَ كما قال - تعالى -: {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ(56)}[الذرايات]، وبها أرسل اللهُ الرٌّسلَ وأنزل الكتُبَ كما  قال - تعالى -: {وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ, إِلاَّ نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعبُدُونِ(25)} [الأنبياء]، وقال - تعالى -: {وَلَقَد بَعَثنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ, رَسُولاً أَنِ اُعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ(36)}[النحل]، وقال - تعالى -: {يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرٌّوحِ مِن أَمرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ أَن أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ(2)}[النحل]..

وقد اتفقت كلمةُ الأنبياءِ في دَعوة أقوامِهم على {يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ, غَيرُهُ(59)} [الأعراف]، وخلَق اللهُ الجنَّة لمن قام بهذه الوظيفة وحقَّق هذه الغاية، وخَلق اللهُ النارَ لمن استكبر عنها قال - تعالى -: {وَقَالَ رَبٌّكُمُ ادعُونِي أَستَجِب لَكُم إِنَّ الَّذِينَ يَستَكبِرُونَ عَن عِبَادَتِي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)} [غافر]، وقال - تعالى -: {لَن يَستَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبدًا لِلَّهِ وَلاَ المَلاَئِكَةُ المُقَرَّبُونَ وَمَن يَستَنكِف عَن عِبَادَتِهِ وَيَستَكبِر فَسَيَحشُرُهُم إِلَيهِ جَمِيعًا (172)فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِم أُجُورَهُم وَيَزِيدُهُم مِن فَضلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ استَنكَفُوا وَاستَكبَرُوا فَيُعَذِّبُهُم عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا(173)}[النساء].

وقد ذكر أهلُ التفسير أَنَّ العبادةَ في القرآن على وجهَين أحدهما: التوحيد، ومنه قوله - تعالى -: {وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا(36)} [البقرة] أي وحِّدوه.

والثاني: الطاعة، ومنه قوله - تعالى -: {أَلَم أَعهَد إِلَيكُم يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَ تَعبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُم عَدُوُّ مُبِينٌ(60)وَأَنِ اعبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُستَقِيمٌ(61)} [يس]..

قال أبو هلالِ العَسكري: (الفرقُ بين الطَّاعةِ والعِبادةِ أَنَّ العبادةَ غايةُ الخُضوع، ولا تُستَحقٌّ إلاَّ بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أَن يُعبَد غيرُ الله - تعالى -، ولا تكون العبادة إلاَّ بمعرفة المعبود: أَمَّا الطَّاعة فهي الفعلُ الواقع على حسَبِ إرادة المريد، متى كان المريدُ أعلى رتبةً ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، كما أَنَّ الطاعةَ لا يصحبُها قصدُ الاِّتباع، كالإنسان يكون مطيعاً للشيطان وإِن لم يقصد أَن يُطيعَه ولكنَّه اتَّبع دعاءَه وإرادته).

والعبادةُ لا تنحصِرُ في الصلاةِ والصيام ونحوِهما من الشَّعائر الظَّاهرة ولكنَّ العبادَة: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبٌّه اللهُ ويرضاه من الأقوالِ والأعمالِ الباطنةِ والظاهرة، فالصلاةُ والصيام والزكاة والحجٌّ، وصِدقُ الحديث والأمانةُ وبرٌّ الوالدين، وصِلة الأرحام، والوفاءُ بالعهد والأمرُ بالمعروف والنهيٌّ عن المنكر، والجهاد للكفَّار والمنافقين، والإحسانُ إلى الجار واليتيم والمسكين وابنِ السبيل والمملوك من البهائم والآدميِّين، والدٌّعاء والذِّكر والقراءةُ وأمثالُ ذلك من العبادة.

وكذلك حُبٌّ اللهِ ورسوله، وخشيةُ الله والإنابة إليه وإخلاصُ الدِّين له، والصبرُ على حكمه، والشكرُ لنِعَمه، والرِّضا بقضائه والتوكٌّل عليه والرَّجاء لرحمته والخوف من عذابه، وأمثالُ ذلك من العبادة، وهكذا تمتٌّد العبادةُ وتتَّسِعُ دائرتُها لتشمل جميعَ الأقوال والأفعال بل لتشملَ اليقظةَ والمنامَ كما أمر اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بقولـه: {قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162)} [الأنعام]، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: \"وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنتَ المَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ، أَنتَ رَبِّي وَأَنَا عَبدُكَ ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي فَاغفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغفِرُ الذٌّنُوبَ إِلاَّ أَنتَ\".

قال ابنُ القيم: والتَّحقيقُ بمعنى قوله \"وَأَنَا عَبدُكَ\" التزامُ عبُوديَّتهِ من الذٌّل والخضوعِ والإنابة، وامتثالُ أمرِ سيِّده واجتنابُ نهيه ودوامُ الافتقار إليه واللٌّجوءُ إليه والاستعانةُ به والتوكٌّل عليه، وعَيِاذُ العبد وليِاذُه به، وأن لا يتعلَّق قلبُه بغيره محبةً وخوفاً ورجاءً، وفيه أيضاً: أَنَّي عبدٌ من جميع الوجوه صغيراً وكبيراً، وحيّاً وميِّتاً، مطيعاً وعاصياً، معافاً ومبتلىً، بالرٌّوح والقلب واللسان والجوارح. وفيه أيضاً: لا أتصرَّف فيما خوَّلتني من مالي ونفسي إلاَّ بأمرك، كما لا يتصرَّف العبدُ إلاَّ بإذن سيده، وأني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً\".

فحين يتصوَّر المسلُم هذه المعانِيَ ويتحقَّق بها يكون عبداً خالصاً لله ويستشعرُ وهو في مصنعه أَنَّه في عبادة، كما يستشعرُ ذلك وهو في المسجد، كما يستشعرُ ذلك أيضاً وهو في مزرعته، وهو في سوقه، وهو في محلِّه أياً كان يستشعر أَنَّه عبدٌ لا ينفكٌّ عن العبوديَّةِ أبداً أين كان كما يتلبَّس بها في المسجد فهو مُتَلبِّسٌ بها في جميع الأزمنة والأمكنة، حتى في فراشه وهو يأتي شَهوتَه ويقضي وطرَه يعلم أَنَّه في عبادة، فاللهُ هو الذي أَمرَه بذلك فقال - تعالى -: {فَالآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم(187)} [البقرة]، وهو الذي بيَّن له مَحَلَّ الإتيان فقال - تعالى -: {فَأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ(222)} [البقرة]، فهو حيث يلتزم بذلك فهو يطيع اللهَ ويعبدُه، فله على ذلك الأجرُ والثَّوابُ من الله كما قال - صلى الله عليه وسلم -: \"وَفِي بُضعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجرٌ قَالَ: أَرَأَيتُم لَو وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ, أَكَانَ عَلَيهِ فِيهَا وِزرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجرًا\".

فإذا نام بعد ذلك واحتسب نومَه كان في عبادة، كما قال معاذُ بنُ جبل: \"إِنَّي لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي\". فإذا أصبح فصلَّى الصٌّبحَ ثم خرج إلى عمله فهو في طاعة الله متلبس بعبادته لأَنَّه خرج يسعى على رزقه ويطلبه كما أمره ربه {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولاً فَامشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزقِهِ(15)} [الملك] وقال - تعالى -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرضِ وَابتَغُوا مِن فَضلِ اللَّهِ(10)} [الجمعة]، وكان بعضُ الصالحين إذا خرج من صلاة الجُمعة قال: \"اللهمّ إِنِّي قد أجبتُ دعوتَك وأديّتُ فريضتَك وانتشرتُ كما أمرتني فارزقني فأنتَ خيرُ الرازقين، ولذلك جاء في الحديث: عن كعب بن عجرة قال: مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فرأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله! لو كان هذا في سبيل الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"إِن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإِن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإِن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان\".

هذه هي حقيقةُ العبادة التي هي حقٌّ الله على العباد كما في الحديث: عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ, قَالَ كُنتُ رِدفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حِمَارٍ, يُقَالُ لَهُ عُفَيرٌ قَالَ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ! تَدرِي مَا حَقٌّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقٌّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ قَالَ: قُلتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ: قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَن يَعبُدُوا اللَّهَ وَلاَيُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَحَقٌّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ - عز وجل - أَن لاَ يُعَذِّبَ مَن لاَ يُشرِكُ بِهِ شَيئًا«.

وهذا من فضِل العبادة أَنَّها تقي صاحبها من العذاب كما قال - تعالى -: {يَاأَيٌّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ(21)} [البقرة].

ومن فضلها أَنَّها من موجبات الجنة: عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ أَعرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ, إِذَا عَمِلتُهُ دَخَلتُ الجَنَّةَ قَالَ: \"تَعبُدُ اللَّهَ لاَ تُشرِكُ بِهِ شَيئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ المَكتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيئًا أَبَدًا وَلاَ أَنقُصُ مِنهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيٌّ - صلى الله عليه وسلم - مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إِلَى رَجُلٍ, مِن أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلَى هَذَا\".

ومن فضلها أَنَّها تعصمُ العبدَ من الشيطان {إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ(65)} [الإسراء]، وقد اعترف العدوٌّ نفسه أَنَّه لا قِبَلَ له بعباد الله فقال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ (82)إِلاَّ عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِينَ(83)} [ص].

ومن فضلها أَنَّها تُذهِبُ الهمَّ والغمَّ في الدنيا ولذلك كَانَ النَّبِيٌّ - صلى الله عليه وسلم -: \"إِذَا حَزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى\" وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُول: \"وَجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلاَةِ\".

ومن فضلها أَنَّها تُوجب الأمنَ إذا خاف النَّاسُ والفرحَ إذا حزنوا كما قال - تعالى -: {يَا عِبَادِ لاَ خَوفٌ عَلَيكُمُ اليَومَ وَلاَ أَنتُم تَحزَنُونَ(68)الَّذِينَ ءَامَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلِمِينَ(69)ادخُلُوا الجَنَّةَ أَنتُم وَأَزوَاجُكُم تُحبَرُونَ(70)يُطَافُ عَلَيهِم بِصِحَافٍ, مِن ذَهَبٍ, وَأَكوَابٍ, وَفِيهَا مَا تَشتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذٌّ الأَعيُنُ وَأَنتُم فِيهَا خَالِدُونَ(71)وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ(72)لَكُم فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهَا تَأكُلُونَ(73)} [الزخرف].

ومن فضلها أَنَّها توجب التوفيق كما قال الله - تعالى -في الحديث القدسي: \"وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبطِشُ بِهَا وَرِجلَهُ الَّتِي يَمشِي بِهَا وَإِن سَأَلَنِي لأُعطِيَنَّهُ وَلَئِنِ استَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ\".

ومن فضلها أَنَّها توجب محبة الناس كما في الحديث: عَن أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: \"إِنَّ اللَّهَ- تبارك وتعالى -إِذَا أَحَبَّ عَبدًا نَادَى جِبرِيلَ إِنَّ اللَّهَ قَد أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبٌّهُ جِبرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي جِبرِيلُ فِي السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَد أَحَبَّ فُلاَنًا فَأَحِبٌّوهُ فَيُحِبٌّهُ أَهلُ السَّمَاءِ وَيُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهلِ الأَرضِ\".

ومن فضلها أَنَّ الملائكةَ تحفٌّ أهلَها وتَلزَمُ مجالِسَهم فلا تُغادِرُها حتى ينصرفوا هم كما في حديث: عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: \"وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ, مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُم إِلاَّ نَزَلَت عَلَيهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ وَحَفَّتهُمُ المَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِندَهُ\".

وَعَنهُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: \"إِنَّ لِلَّهِ- تبارك وتعالى - مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلاً يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجلِسًا فِيهِ ذِكرٌ قَعَدُوا مَعَهُم وَحَفَّ بَعضُهُم بَعضًا بِأَجنِحَتِهِم حَتَّى يَملَئُوا مَا بَينَهُم وَبَينَ السَّمَاءِ الدٌّنيَا\".

وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: \"مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ\".

عَن أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ, قَالَ: بَينَمَا هُوَ يَقرَأُ مِنَ اللَّيلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَربُوطَةٌ عِندَهُ إِذ جَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَت فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الفَرَسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ فَانصَرَفَ وَكَانَ ابنُهُ يَحيَى قَرِيبًا مِنهَا فَأَشفَقَ أَن تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجتَرَّهُ رَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا فَلَمَّا أَصبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: \"اقرَأ يَا ابنَ حُضَيرٍ, اقرَأ يَا ابنَ حُضَيرٍ, قَالَ: فَأَشفَقتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَن تَطَأَ يَحيَى وَكَانَ مِنهَا قَرِيبًا فَرَفَعتُ رَأسِي فَانصَرَفتُ إِلَيهِ فَرَفَعتُ رَأسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثلُ الظٌّلَّةِ فِيهَا أَمثَالُ المَصَابِيحِ فَخَرَجَت حَتَّى لاَ أَرَاهَا قَالَ وَتَدرِي مَا ذَاكَ؟ قَالَ: لاَ قَالَ: تِلكَ المَلاَئِكَةُ دَنَت لِصَوتِكَ وَلَو قَرَأتَ لأَصبَحَت يَنظُرُ النَّاسُ إِلَيهَا لاَ تَتَوَارَى مِنهُم\".

فيا عبادَ الله {اعبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا(36)}[النساء]، في حياتكم ولا عند مماتكم كما حكى اللهُ عن الأنبياء والحُكمَاء، قال اللهُ - تعالى -حكايةً عن لقمان: {وَإِذ قَالَ لُقمَانُ لاِبنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشرِك بِاللَّهِ إِنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ(13)} [لقمان]، ووصٌّوهم بذلك عند الموتِ اقتداءً بالأنبياء والمرسلين قال - تعالى -: {أَم كُنتُم شُهَدَاءَ إِذ حَضَرَ يَعقُوبَ المَوتُ إِذ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعبُدُونَ مِن بَعدِي قَالُوا نَعبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَائِكَ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ(133)} [البقرة]، وسَلُوا اللهَ أَن يُعينَكم على عبادته كما وصَّاكم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: \"يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبٌّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبٌّكَ فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ, تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ\".

ولذلك اقترنت الاستعانةُ بالعبادة في السؤال في آية {إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ(5)} [الفاتحة]، \"فعبادةُ الله غايةُ مُرادِهم والوسيلةُ إليها إعانةُ ربِّهم، فهم يسألونه أَن يُعينَهم عليها ويُوفِّقهم للقيام بها، وهذا هو أعظمُ سُؤالٍ, وأنفعُ دعاء، كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميه: تأمَّلتُ أنفعَ الدٌّعاء، فإذا هو سُؤال العَونِ على مَرضاته، ثم رأيتُه في الفاتحة في {إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ}\".

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply