قصة تاريخية طلابة العلم ..!!


 
 
بسم الله الرحمن الرحيم 

جَلَسَ إبراهيمُ الحربيّ في مَسجدِه كعَادتهِ يُحدّثُ النّاسَ، ويُلقي عليهم دروساً في الفقهِ واللغة، وقد اجتمعُوا حَولَهُ منصتين، وجاءوه من كل حدب وصوبٍ,º ليَنهَلُوا من علمه، ويلتقطوا دُررَه، وينتقوا أطايب حديثه..

ثلاثونَ ألفَ محبَرة اجتَمعَت في مجلسِه..

تهللَ وجههُ بنورِ العِلم، فقالَ لجُلسائِه:.. لا أعلمُ عِصَابةً خيراً من أصحاب الحديث.. إنّما يغدو أحدُهُم، معهُ محبرة، فيقول: كيفَ فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وكيف صليّ، إياكُم أن تجلسُوا إلى أهل البدَع، فإنّ الرجُلَ إذَا أقبلَ ببدعة ليسَ يُفلح.

سألهُ أحدُهم فقال: يا أبا إسحاق، حدّثنا مِمّا تعرفُهُ في باب الاسمِ والمُسمّى!

أطرقَ إبراهيمُ قليلاً، ثمّ رفعَ رأسهُ وقال: ليَ مُنذ جالستُ أهلَ العِلم سبعُونَ سنةً، ما سمعتُ أحداً منهُم تكلّم في الاسم والمُسمى... فرأيتُ الكلامَ فيه بدعة..

وأبى أن يتكلّمَ في أمرٍ, لم يتكلم فيه العلماءُ قبلهُ، خوفاً من الابتداع، والخوض فيما ليسَ فيه فائدة..

قامَ النّاس من مجلسِه، ونهضَ إبراهيمُ وهوَ يحملُ بعض كُتبه.. فبرزَ رجلٌ من بينِ النّاس، وتقدّم نحوهُ..

أشارَ إلى كتبهِ، وقالَ له: قل لي يا إبراهيم.. كيفَ قويتَ على جمع كلّ هذه الكُتب؟

ظهرَ على إبراهيمُ الغضبَ، وتغير لونُه، وقال: قويتُ عليها بلحمي ودمي... بلحمي ودمي !!

اعتذَرَ الرجلُ لهُ، ومضى لحالِ سبيله..

فجعلَ إبراهيمُ يردد قول الشاعر:

لي همّة في العلمِ ما إن مثلها *** وهي التي جنت النحول هي التي

مضى إبراهيمُ نحوَ منزله مُنهكاً، فتلقته زوجتهُ بالعتابº لقلة الطعام والشراب في المنزل...

تألمَ إبراهيمُ لذلَك، وقال لها: اصبري يا أم إسحاق.. فقد أفنيتُ من عمري ثلاثين سنةً برغيفين، إن جاءتني بهما أمّي أو أختي، وإلا بقيتُ جائعاً إلى الليلة الثانية، وأفنيتُ ثلاثين سنة برغيف في اليوم والليلة، إن جاءتني امرأتي أو بناتي به، وإلا بقيتُ جائعاً عطشان، والآن آكلُ نصفَ رغيف، وأربع عشرة تمرة...

تململت زوجتهُ وهي تشعر بالضيق..

 

- ولكن لا يُوجد لدينا أي طعام وشراب اليوم.. يا أبا إسحاق.. لو كانَ الأمرُ متعلقاً بي وبك لصبرتُ وما عاتبتُك.. ولكن انظر إلى الصبية الصغار.. إنّهم يتضورون جوعاً!!

أطرقَ قليلاً، ثمَ نظرَ إليها وقال: لا عليك.. سيأتي الله بالفرج عما قريب.. ولكن اصبري..

فكّرت قليلاً ثُم قالت له: هات شيئاً من كتبك نبيعه، أونرهنه.. انتفض كمن لسعته أفعى..

 

- ماذا.. كتبي؟.. ويحك يا أم إسحاق.. أما سمعت قول القائل: \" العالم يبيع ثيابه، ولا يبيع كتابه \"، أو قول الآخر: \" مجدُ التاجر في كيسه، ومجدُ العالم في كراريسه \".. لا يُمكن أن أبيعَ كتبي وقد أفنيتُ حياتي لأجمعها..

سمعت امرأته ذلك، فأوت إلى رُكن في البيت تبكي أسيً على حال صغارها الجائعين..

نظرَ إليها فرقّ لحالها..

جعل يهدئ من روعها، ويقول: لا تهتمي يا عزيزتي.. غداً أقترضُ لكم إن شاء الله..

مسحت دموعها عن عينيها، ونهضت، ثُم توجهت إلى غرفة صغارها لتعللهم، وتلهيهم عن طلب الطعام والشراب..

وما أن خيّم الليلُ حتى سمع إبراهيمُ طرقاً على باب بيته..

أسرعَ لينظر من الطارق؟

اقترب من الباب وقال: من بالباب؟

وسرعان ما جاءه الردّ..

- رجلٌ من الجيران..

فتح إبراهيم باب منزله، وقال: ادخل أيّها الجار..

قال الطارق: أطفئ السراج حتى أدخل..

تعجب إبراهيم من ذلك، ولم يجد بداً من إطفاء السراج..

دخل الرّجلُ وهو يحملُ شيئاً، فطرحه على الأرض ثُم سلم ومضى..

دعا إبراهيم زوجته.. وقال لها: انظري.. انظري فقد جاء الفرج..

كشف الغطاء فإذا بأنواع من الطعام والشراب، وبدرة فيها خمسمائة درهم..

تهلل وجه امرأته، وجعلت تحمد الله - تعالى -على هذا الرزق الوفير، ونادت على صغارها الجائعين، ثُم جلسوا جميعاً يأكلون ويشربون، ويحمدون الله - تعالى -الذي يرزق من يشاء بغير حساب..

نام إبراهيم وزوجته وصغاره تلك الليلة قريري الأعين، هانئين مطمئنين..

وفي صباح ذلكَ اليوم سمعَ إبراهيمُ منادياً يسألُ عنه، فخرجَ من منزلِه يستطلعُ الخبر..

رأى رجلاً تتبعهُ جمالٌ محملة بالبضائع، يسألُ عنه..

فعرّفه بنفسه، فتهلل وجه الرجل.. وقال له: يا إبراهيم.. منذُ مدة وأنا أبحثُ عنك.. هذان الجملان بما عليهما من مال وطعام ملكٌ لك..

تبسّم إبراهيم وقال للرجل: ومن أينَ لي ذلك؟

قال: أنفذهما لك رجلٌ من خراسان..

احتار إبراهيم وقال للحمال: ومن يكونُ هذا الرجل؟

قال الحمال: لقد استحلفني أن لا أقولَ من هو..

أخذ إبراهيم الجملين، وشكر الحمال، واستضافه، إلا أنّه أبى، وتعلل بكثرة الأشغال، وعدم الفراغ..

رجعَ إبراهيم إلى منزله فرحاً لهذا الرزق الذي ساقه الله إليه بغير حساب..

ورأته امرأته ففرحت فرحاً شديداً.. واستبشرَ صغارُه، وسعدُوا بهذا العطاء السخيّ من ذلكَ الرجل المجهول..

وعاش إبراهيم وعائلتُه فترةً من الزمن في رخاء وبحبوحة..

جلسَ يوماً مع بعض أصدقائه على طعامٍ, طيّب شهي، فتأمله وتذكّر ما كان عليه من قلة ذات اليد، والبُعد عن الرفاه..

نظرَ إلى أصحابه وقال: ما كُنّا نعرفُ من هذه الأطبخة شيئاً... كنتُ أجيءُ من عشيٍّ, إلى عشيٍّ,، وقد هيّأت لي أمّي باذنجانة مشويّة، أو لعقة إدام، أو باقة فجل...

ومعَ حصولِه على المال الوفير، إلا أنّهُ لم يكُن يهتمّ بطعام أو شراب، بل زادهُ ذلك تقشّفاً، حتى قالَ لأصحابه ذات مرّة: ما تروّحتُ ولا رُوّحتُ قطّ، ولا أكلت من شيءٍ, في يومٍ, مرتين...

وجعلَ إبراهيم يتصدق من مالهِ كلّ يوم حتى أفناه..

وعادت حالُهُ كما كانت عليه من التقشف والزهد والبعد عن البذخ...

ولم يزل طَلاّبة للعلم طيلة حياته..

ولمّا كبر اعتلّ علّة أشرفَ معها على الموت..

زارهُ أصدقاؤهُ من العلماء، وتلامذتهُ من طُلاب العلم..

نظرَ إلى صاحبِه أبي القَاسم بن الجبلي فقال: يا أبا القاسم، أنا في أمرٍ, عظيم مع ابنتي، ثُمّ ناداها، وقالَ لها: تعالي إلى عمّك.. فخرجت وعلى وجهها خمار..

فقالَ لها: هذا عمّك كلميه..

قالت بنفسٍ, كسيرة: يا عم.. نحنُ في أمرٍ, عظيم.. !! تمر علينا الليالي وما لنا طعامٌ إلا كِسَرٌ يابسة وملح، وربما عدمنا الملح!! وبالأمس قد وجّه إليه الخليفة المعتضد مع رسوله بدر ألف دينار فلم يأخذها!! وقال له: رُدّها إلى من أخذتها منه... مع أننا بحاجة إلى فلس.. ووجّه إليه عددٌ من أصحابه فلم يأخُذ منهم شيئاً.. وهو كما ترى عليل..

التفتَ إليها أبوها إبراهيم، فتبسّم لها وقال: يا بنيّة.. أخفتِ الفقر؟

قالت: نعم..

قالَ لها: انظري إلى تلك الزاوية..

نظرت إليها، فإذا هو يشيرُ إلى كتبه المتراكمة..

قال: في هذه الزاوية اثنا عشر ألف جزء في اللغة والغريب، كتبتها بخطّي، فإذا متّ فوجّهي كل يوم بجزء تبيعينه بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم فليس هو بفقير..

بكت ابنته، وتركته ودخلت المنزل..

نظرَ إلى من حَولَه، ثمّ قال: من تعدّونَ الغريب فيكُم؟

قال رجل: الغريبُ من نأى عن وطنهِ يا أبا إسحاق!

وقال آخر: الغريبُ من فارقَ أحبابَه!

ابتسم إبراهيم وقال: الغريبُ في زماننا، رجلٌ صالحٌ عاشَ بينَ قومٍ, صالحين، إن أمرَ بمعروف آزروه، وإن نهى عن منكرٍ, أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من الدنيا آتوه إياه، ثم ماتوا وتركوه..

نظرَ بعضهم إلى بعض وقد أدركوا أنّه يعني نفسه، وأنّه اشتاق إلى إخوانه الذين سبقوه..

تأملهم بعينيه كمن ينظر إليهم نظرة الوداع..

رفع سبابته، ونطق بالشّهادتين.. (1).

 

--------------------------------------------

الهوامش:

(1) انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، 13-356-372.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply