الإسلام .. وخط الفقر : دفاع أم مواجهة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا يكاد يوم يمر في حياة الإنسانية إلا وهناك تكاليف باهضة يدفعها الإنسان بنفسه طوعاً أو كرهاً، ولعل أهم هذه التكاليف تلك الويلات التي يشهدها العالم من المجاعات والأمراض الفتاكة والتخلف والجهل وسيطرة الأقوى وحرمان الضعيف.كل ذلك لا يخرج عن معنى الفقر الذي يلازم حياة الإنسان ويهدد أمنه وحريته وحقه في الحياة الكريمة.

فما موقف الإسلام من الفقر: فلسفته والموقف الفقهي وأسبابه وآثاره ووسائل وأدوات المواجهة.

أما فلسفة الفقر في الإسلام فكل إنسان فقير لأنه محتاج، ولا تنفك حاجته عن الله - تعالى - لأن الله هو الغني المطلق، والناس جميعا من هذا الوجه فقراء إلى الله - تعالى -، وفي القرآن: \"يا أيها الناس أنتـم الفقراء إلى الله\" (فاطر / 15)، \"والله الغني وأنتم الفقراء\" (محمد / 38).

وأما الموقف الفقهي فهناك ثلاثة اتجاهات في تحديد مستوى الفقر، وهي: نصاب الزكاة أي يقع الفقر دون النصاب وهو ما يعادل 200 درهم فضة، أي ما يقارب 475 ريال سعودي (الحنفية)، أو هو أقل من دخل نقدي يعادل 50 درهما، أي ما يقارب 119 ريال سعودي (الحنابلة)، أو هو مستوى الكفاية أي ما يلزم الإنسان من الحاجات الأساسية (المالكية والشافعية والحنابلة في رواية أخرى). وواضح أن الاتجاه الثالث أقرب إلى المفهوم الاقتصادي العام لأنه يراعي الاحتياجات الأساسية ضمن سلة اقتصادية متنوعة وشاملة للعناصر الأساسية التي لا تقوم حياة الإنسان إلا بها، ويمكن احتسابه وفقا لمعطيات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة (مؤشر الأسعار). ومن هنا فالفقر هو فجوة معيشية بين الحاجات الأساسية وبين مستوى الكفاية. وفي إطار الموقف الفقهي ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بأفضلية الغنى خلافاً لما ذهب إليه المتصوفة بأن الفقر أفضل من الغنى. إن موقف الصوفية في هذه المسألة يكشف عن قصور كبير في فهم الأصول الكلية والأهداف العليا التي وضعها الإسلام لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهية المجتمع. يدور احتجاج الصوفية الدفاعي عن الفقر حول الآية القرآنية: \"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً\" (الحشر / 8)، فقالوا مدافعين عن الفقر في هذه الآية أنها قدمت الفقر على الهجرة للدلالة على أهميته وفضله إضافة إلى كونه جاء في سياق المدح والثناء. إن وجه القصور في هذه المدافعة واضح من نص الآية نفسها، فهي تدل على أفضلية الغنى لأن الله زكى صنيع المهاجرين ووصفهم بأنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وهذا يعني ضرورة وحتمية الخروج من الفقر.

وفيما يتعلق بأسباب الفقر فإن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التي تؤثر في مشكلة الفقرº وهي أسباب ذاتية كالاحتكار والاكتناز والربا، وأسباب موضوعية كالقرار الاستثماري الموجه نحو الربح السريع والعائد المادي دون النظر إلى العائد الاجتماعي إضافة إلى سوء استخدام الموارد الاقتصادية والإنفاق العام الذي لا يراعي المنفعة الاجتماعية، وأسباب خارجية تتعلق باقتصاد العولمة وما يحدثه من أزمات على مستوى الاقتصادات الوطنية، كما أن هناك محددات وعوامل أخرى تؤثر في ازدياد المشكلة واستفحال خطرها مثل البطالة والتضخم بسبب ما تحدثه من انخفاض في الأجور الحقيقية وخسارة المقرضين وانخفاض الدخول وبالتالي ارتفاع تكاليف المعيشة. ومن هنا ينشأ عن الفقر العديد من الآثار الاقتصادية التي تهدد بنية واستقرار المجتمع، أهمها التبعية الاقتصادية للدول الكبرى من خلال الديون الخارجية وفرض الشروط مقابل استيراد التكنولوجيا وتوجيه موارد الدول الفقيرة لإنتاج السلع اللازمة لإشباع الذوق الاستهلاكي للحصول على العملة الصعبة، إضافة إلى آثار أخرى على مستوى الدولة الفقيرة كالصراع الاقتصادي الطبقي وتخلف الحالة الاجتماعية من الناحية الفكرية والسياسية والعسكرية وجميع علاقات المجتمع بوجه عام.

إن آثار الفقر واضحة في الحياة المعاصرة بشكل يهدد أمن العالم ومستقبله، ففي العالم اليوم وحسب تقديرات لجنة الأمن الغذائي التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة في الأمم المتحدة في شهر أيلول 2004 أن عدد فقراء العالم يقدر بحدود (800) مليون نسمة. ولكن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن أكثر من مليار و(200) مليون نسمة أي أكثر من خمس سكان العالم يكافحون لأجل البقاء ويعيشون على أقل من دولار يوميا لكل فرد، كما أن الإحصائيات تشير إلى أن (35) ألف طفل يموتون يوميا بسبب الجوع والمرض، وهناك (33%) من سكان العالم يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة، و(25%) يفتقرون إلى السكن، و(20%) يفتقرون إلى الخدمات الصحية. إن ويلات الفقر تصل حتى الأفراد الذين يعيشون في الدول المتقدمة، وبحسب إحصائيات مركز الدراسات الإسلامية في أمريكا أن عدد الفقراء في أمريكا يقدر بحوالي (36)مليون، منهم (700) ألف أمريكي يعيشون تحت خط الفقر.

إذن، كيف استطاع الإسلام أن يقضي على جيوب الفقر، وما هي آليات المواجهة في تحقيق صورة المجتمعات الإسلامية الخالية من الفقر، وقد وقع ذلك في التاريخ الإسلامي أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن عاملاً على الصدقات ولكنه أرسل إلى عمر بكامل الصدقة وقال ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا، وتكررت نفس الصورة في زمن عمر بن عبد العزيز في موقفه مع عامله في العراق ومع عامله يحيى بن سعيد في إفريقيا كما روى ذلك أبو عبيد في الأموال وابن عبد الحكم في سيرة عمر بن عبد العزيز.

إن آليات المواجهة التي يتبناها الإسلام في مقاومة الفقر والقضاء على جيوبه تصب في ثلاث قنوات أساسيةº وقائية وعلاجية وتكميلية. فأما الآليات الوقائية فهي اعتبار العمل عبادة يحصل فيه العامل على أجرين ثواب في الآخرة وأجر مادي في الدنيا، وتنظيم التبادل على أسس تكافلية وبالتالي تحريم الأسعار الناتجة عن تأثير قوى غير قوى العرض والطلب كالاحتكار والربا والاكتناز، وتوجيه النمط الاستهلاكي بعيدا عن الإسراف والتقتير. وأما الآليات العلاجية فتتمثل بالزكاة التي تفرد بها الإسلام عن سائر النظم، وموارد بيت المال الأخرى غير الزكاة، وأعمال البر والإحسان التطوعية، وأما الآليات التكميلية فهي سياسة الإنفاق العام التي تقوم من خلالها الدولة بزيادة المعروض من السلع الضرورية وتوجيه هذه السياسة نحو الاستثمار كثيف العمل ويمكن للدولة استثناء بعض الضروريات من التملك الخاص إذا كانت تتعلق بالمستوى المعيشي للفقراء، كما يمكن للدولة القيام بتنفيذ آلية تكميلية كمرحلة أخيرة وهي الضرائب وتكون وفقا لبرنامج اقتصادي مدروس يحدده مستوى الكفاية العام، ويمكن احتساب الضريبة وفقا للمعادلة التالية:

الضريبة الكلية = دخل الكفاية العام - (الزكاة + موارد بيت المال الأخرى + الإحسان الفردي)

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply