الثانوية حينما \ تضـيع \ معها الطالب


بسم الله الرحمن الرحيم

 

إذا كان الفكر التربوي في جميع أنحاء العالم يتفق على حقيقة أن عملية التعلم واكتساب المعارف هي عملية متواصلة منذ اللحظة الأولى لولادة الإنسان حتى لحظة لفظه أنفاسه الأخيرة، فإنهم يخصون سنوات الطفولة والشباب بالاهتمام والتركيز الخاص، ليس فقط لأن هذه المرحلة الشبابية من حياة الإنسان تؤهله للعمل وللبناء الاجتماعي الصحيح، ولكن كذلك لأنها تمثل الذروة في قابليته لاكتساب المعارف والاستنارة وتطوير المهارات واختزان البيانات العلمية. لذا يكتسب التعليم الثانوي أهمية قصوى في الفكر التربوي العام لأنه يتركز ويتعامل مع هذه الذروة المتفتحة، ولأنه يعد واحدًا من أهم العناصر التشكيلية لتأهيل الإنسان ولتطوير شخصيته على النحو الذي يصب في مصلحة المجتمع عامة وفي مصلحته الفردية خاصة.

يمكن مباشرة التعليم الثانوي من خلال استلال لفظ «ثانوي» الوارد هنا، حيث أنه يعكس تسلسلًا معرفيًا مهمًا في الأنظمة التربوية، ذلك أن كلمة «الثانوي» إنما تنطوي تلقائيًا على وجود ما يسبق وما يتلو بشكل تتابع منطقي، حيث إن اللفظ ينطوي على وجود «تعليم أولي» قبل ذلك، وتعليم من نوع أكثر تعقيدًا وتركيزًا بعد ذلك. وإذا كان بعض المنظرين التربويين لا يفضلون التركيز على صفة «الثانوية» في هذا السياق، فإنهم غالبًا ما يفضلون التقسيمات التطورية والتطويرية المتتابعة في مسيرة الشبيبة نحو اكتساب المعارف وبناء الشخصية، الأمر الذي يفسر تفضيل توصيف المرحلة السابقة للتعليم الثانوي بأنها مرحلة «التعليم الابتدائي»، ثم يتلونها بمرحلة انتقالية (بين الطفولة والشباب) يسمونها مرحلة «التعليم المتوسط» التي تفتح الأبواب نحو «التعليم الإعدادي». وغالبًا ما يصعب على العامة التمييز بين لفظي «الثانوي» و«الإعدادي» باعتبارهما شيئًا واحدًا، الأمر الذي يفسر ظاهرة اختلاط التسميات عند إطلاقها على المدارس في بعض الأقطار العربية: فهنا لدينا «ثانوية» وهناك لدينا «إعدادية». بيد أن هذا الخلط، في جوهره، مبرر نظرًا لأن اللفظين يتسقان في تحديد مرحلة معينة واحدة في البناء التربوي والتعليمي للإنسان من فئة عمرية معينة تتراوح بين إكمال الدراسة الأولية وبين عمر الالتحاق بالجامعة.

ولكن للمرء أن يميز بين المراحل الرئيسة الثلاث في الأنظمة التربوية العالمية، بغض النظر عن تنوع التسميات والمنظورات، كي يتمكن من تحديد خصوصية التعليم الثانوي: كيف يختلف هذا التعليم عن سواه؟ وكيف يخدم حلقة وصل حساسة وتشكيلية بين التعليمين الأولي والابتدائي من ناحية، والجامعي من الناحية الثانية. في مرحلة التعليم الأولي/الابتدائي يحاول التربويون التركيز على تطوير المهارات الأساسية والضرورية للإنسان في المجتمع المتحضر أو المثقف، زيادة على غرس عدد من القيم والمبادئ الدينية والاجتماعية والأخلاقية التي يتوجب على المواطن احتضانها على نحو تلقائي (إن لم نقل متعام) بلا نقاش أو تشكيك عقلي. هذه المبادئ الأساس متفق عليها اجتماعيًا بوصفها واحدة من أهم أعمدة المجتمع وأسباب تواصله. لذا تتم العناية بملكات الحفظ والمذاكرة، خاصة في المواضيع المتعلقة بالتربية الدينية وبالثقافة الوطنية والقومية، زد على ذلك تلقين الأطفال قواعد السلوك الأخلاقي السوي من بين قواعد ضرورية أخرى، من نمط قواعد النظافة وتنظيم الروتين اليومي والاستعداد لأداء الواجبات والتهيئة لليوم التالي. وبذلك يتعلم الطفل مجموعة مهمة من السلوكيات التي تعد شرطًا مسبقًا لبقائه عضوًا مفيدًا في المجتمع. ولكن من الناحية المعرفية، يتم التركيز في التعليم الابتدائي على «المهارات» الأساس التي لابد من اكتسابها كشرط مسبق ترتهن به عملية التواصل أو الاستمرار التربوي. من هذه المهارات المهمة، تبرز للمرء مهارات الحفظ والاستيعاب والمحاكاة، والتهجي، والرسم، وتخصيب الخيال، والتشجيع على إنتاج الأفكار الإبداعية حتى وإن كانت بحدود عمر الطفل.

وعلى نحو متواصل مع هذه العملية التربوية، يأتي الطالب إلى التعليم الثانوي بافتراض تمكنه الكامل من هذه المهارات، حيث تكون القراءة والكتابة والقدرة على التعامل مع المعلومات والبيانات واختزانها موجودة لديه. لهذا السبب يحاول مصممو مناهج التعليم الثانوية استثمار توفر المهارات الأساس لدى طالب الثانوية الجديد من أجل ضخ أكبر كم من المعارف والمعلومات على أساس تجايل هذه العملية مع الفئة العمرية الشابة القادرة على الاكتساب والخزن المعرفي. هذا، بكل دقة، ما يفسر تنوع واتساع مساحة المواد الدراسية في التعليم الثانوي، حيث يفضل عدم الفصل بين العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية الصرف. الهدف الذي يتوخاه التربويون المختصون يغدو واضح المعالم، وهو: تجهيز الطالب بأساسيات جميع الأنظمة العلمية الضرورية، من الآداب وقواعد اللغة الأم وقواعد اللغة الأجنبية، إلى العلوم التطبيقية والمعرفية كالجغرافيا، والتاريخ، والفيزياء، والكيمياء، والرياضيات وسواها من المواضيع التي يهدف بعضها، ليس فقط لزيادة الثروة المعرفية لطالب الثانوية، وإنما كذلك لتمرين العقل الشاب على حل المسائل والتعامل مع المشاكل على نحو منطقي متسلسل من أجل تمرين عقله على هذه العادات التفكيرية والذهنية المهمة. وبعكسه، كيف يتسنى لنا تفسير التركيز على المسائل الرياضية والهندسية المعقدة التي قد لا تخدم هؤلاء الطلاب الذين يطورون مواهب وقدرات خاصة في العلوم الإنسانية. ومن ناحية أخرى، فإنه من المفضل أن يأتي الطالب إلى المدرسة الثانوية وقد اكتسب المعلومات الأساس باللغة الأجنبية المقررة (الإنكليزية في المشرق العربي، والفرنسية في المغرب) كي يتمكن في المرحلة التالية من التعامل مع النصوص، وربما مع تحديات تكوين الجمل والفقرات الأولى باللغة الأجنبية.

وإذا كان التنوع واتساع حقل العلوم والمعارف المختلفة بين الإنسانيات والعلميات مهمًا كي يعرف الطالب شيئًا من كل شيء، فإن هذا النوع من الضخ العلمي المتنوع يتطلب التركيز على حفظ المعلومات ومراجعتها ومذاكرتها وتصنيفها كي تهبط إلى إعماق الذاكرة على نحو متناغم لتكون جزءًا لا يتجزأ من الثروة العقلية للطالب. ومن ناحية ثانية، فإن مرحلة التعليم الثانوي لا ينبغي أن تعتبر الطالب إناء جامدًا خاليًا كي تسكب فيه الوحدات المعلوماتية كيفما اتفق، إذ يتوجب على التربويين توسيع وتقوية القدرات الذهنية لدى الطالب من خلال إلقاء الضوء على طرائق التفكير المنطقي الذي ينأى بنفسه بعيدًا عن الخرافة وعن الغيبيات، حيث يتعرف طالب الثانوية على قوانين مهمة كالسببية والتسلسل التاريخي، زيادة على تعريفه بأهمية القدرة على «الاستنتاج» deduction و«الاستقراء» induction باستخدام وسائل التفكير المنطقي الصحيح. إن العلوم التطبيقية الصرف (الفيزياء، الكيمياء، الأحياء من بين سواها) مهمة لتدريب الطالب الشاب على طرائق البحث في العلوم الطبيعية وهي طرائق مهمة للغاية بالنسبة لمستقبله، ومنها: الموضوعية وجمع المعلومات المحايدة، والبحث عن أصول الأشياء، والتسلسل التاريخي، زيادة على تدريبه (عبر تنوع المواد العلمية والإنسانية) على التمييز بين حقائق التكرار Facts of Repetition (وهي حقائق القوانين المستقاة من العلوم الطبيعية، كأن تبقى تفاحة نيوتن تسقط إلى الأسفل بفعل قانون الجاذبية الآن وإلى ما لانهاية) وبين «حقائق التتابع» Facts of Succession التي تفرزها العلوم الإنسانية (حيث تنفرد الحقبة التاريخية أو أفكار فيلسوف معين على نحو خاص بها، ولا يمكن أن تتكرر بصورة طبق الأصل كما عليه الحال في حقائق العلوم الطبيعية).

إن عملية تطوير ملكات ومعلومات الطالب في المرحلة الثانوية أو الإعدادية إنما يجب أن تترافق مع ملاحظة المرحلة العمرية التي يمر بها، حيث يكون الشاب في هذه المرحلة متعطشًا لكل جديد ومبهرج ومغر، الأمر الذي يجعله ضحية سهلة للأفكار الطارئة والمنحرفة وللممارسات الخاطئة التي يمكن أن يدخلها «على سبيل التجربة»، كالتدخين ومعاقرة الخمور أو المخدرات. لذا ينبغي أن يؤخذ هذا الجانب بنظر الاعتبار من قبل التربويين الذين قد يخطئون في اعتبارهم التلميذ الثانوي مجرد «إناء» تسكب إلى دواخله المعلومات «النافعة». ويمكن تلافي آثار هذا المفهوم الخاطئ عبر التوكيد على المواد الدراسية التي تمنح الطالب الشاب ما يكفي من الحصانة الفكرية كي يرقى بنفسه إلى مقاومة الغريب والطارئ واللاأخلاقي، خاصة في عصر تخترقه الفضائيات بأنواعها وتمخره الشبكات الرقمية التي تستثمر أيما استثمار من قبل الشبكات والمنظمات التي تحاول اختراق الأجيال الشابة في المنطقة العربية والإسلامية على نحو التخصيص. ينبغي أن يترافق هذا البناء النفسي والفكري الرصين مع الجهود المركزة على منع التكاسل والترهل والخوف الهاجسي من العمل والمثابرة والكدح، الأمر الذي يبرر التركيز على دروس التربية الرياضية والبدنية التي تمنح الطالب بناء جسديًا صحيًا ورغبة قوية بالعمل وتوظيف الجسم ومنعه من التصلب أو التكلس. وبضمن هذا الجهد تندرج الأنشطة اللاصفية الأخرى كالسفرات المدرسية والهوايات التي تمارس في الهواء الطلق، زيادة على التدريبات العسكرية أو شبه العسكرية (كمخيمات الكشافة والجوالة) التي تعمد إليها بعض الأنظمة التربوية كجزء أساس من متطلبات البناء الصحيح والسليم للطالب في هذه المرحلة الحساسة من حياته.

لا ريب في أن مثل هذه الأهداف التربوية لا يمكن بلوغها فقط عن طريق توفير الأبنية والمرافق الفيزيائية الملموسة واللوازم المناسبة والضرورية، كالكتب الملونة واستعمال وسائل الإيضاح والفيديو والأجهزة الصوتية، ذلك أن العنصر الأهم من هذه العناصر جميعًا يتمثل في توفير الكادر التدريسي المؤهل الذي يعي مثل هذه الأهداف، ويضطلع بتحقيقها داخل الصف المدرسي وعلى الأرض. هذا ما يجعل من عملية تهيئة وتأهيل المدرسين المناسبين والأكفاء من أكثر العمليات صعوبة (لنلاحظ في هذا السياق أهمية كليات التربية) حيث يتوجب تحقيق التوازن بين التخصص العلمي الدقيق للمدرس أو المدرسة من ناحية، وبين المعارف السايكولوجية والتربوية التي تترجم العلوم والمعارف إلى فنون التدريس عبر قنوات إيصال المادة إلى المتلقي على نحو سلس خال من التعقيدات.

وإذا كان طالب الثانوية في هذه المرحلة من حياته ميالًا أحيانًا إلى المشاكسة أو حتى إلى التمرد ضد التقاليد الاجتماعية وضد الأعراف العائلية والهيمنة الأسرية، نظرًا لدمائه الشابة النازعة إلى الجديد، فإن هذه الصفة هي سجية طبيعية في هذا العمر، بيد أن المهم هنا يتجسد في السيطرة على هذا الفيض العاطفي الطبيعي لضبط هذه النوازع ولتقنينها وتوجيهها على النحو المناسب الذي لا يمكن أن يضر بالطالب نفسه أو بالمجتمع الذي يتوقع منه الكثير. لهذا السبب تعمد الأنظمة التعليمية المتطورة إلى التأكد من وجود مختص نفسي-اجتماعي بضمن الهيئة التدريسية في كل مدرسة ثانوية: فتحت عنوان «المرشد التربوي» يقوم هذا الأستاذ المختص والمؤهل تأهيلًا رفيعًا بالاهتمام الفردي بالطالبات والطلاب، خاصة من هؤلاء المعروفين بأصحاب الحاجات الخاصة الذين يعانون المشاكل العائلية أو الإعاقات السلوكية أو النفسية ومن حالات النزوع إلى التمرد المتعامي لذاته. لذا ينبغي للمرشد التربوي استلام ملفات الطلبة التي ترسل معهم من المدرسة الأولية لمراجعتها ولمتابعة حالة الطالب عبر سنوات الدراسة الثانوية. ولا مانع من أن يقوم المرشد بلقاء الطالب أو الطالبة على نحو منفرد أو بلقاء الطلاب على نحو جماعي من أجل تحقيق أهدافه الاجتماعية والسلوكية المرجوة. لقد بقيت المدارس الثانوية في العالم العربي لعقود طوال تقيس الإنجاز بمعايير وحيدة الجانب كنسب النجاح والمعدلات والدرجات التي يحرزها الطالب من أجل الحصول على قسم علمي جيد في كلية جيدة التخصص. بيد أن عدم الاهتمام بالجانب التربوي لم يعد ممكنًا في عصر مزدحم بالآيديولوجيات والأفكار المتضاربة والمنحرفة أحيانًا.

وعودة إلى فكرة التعليم «الثانوي» الذي يفترض قبله وجود التعليم «الأولي»، فإن على المرء أن يستذكر لفظ التعليم «الإعدادي» ثانية: فإذا كان التعليم الثانوي تواصلًا واستكمالًا للتعليم الأولي، فإن مفهوم التعليم الإعدادي يفترض «إعداد» الطالب إلى ما هو أعلى وأكثر تعمقًا، وهو «التعليم الجامعي». في الكلية أو الجامعة يطلق الطالب لانتقاء أو انتخاب التخصص في حقل أو مجال علمي معين على سبيل التعمق والإلمام الأوسع به، تأسيسًا على أن مرحلة التعليم الإعدادي التي ينبغي أن تكون بدرجة من الجدوى والفائدة لأن تقود الطالب إلى اكتشاف مواهبه واهتماماته الخاصة التي تؤهله للتخصص في أحد الأنظمة العلمية، كأن تكون من العلميات أو من الإنسانيات. فإذا ما أكمل الطالب تعليمه الثانوي دون ظهور بوادر الولع باختصاص بعينه، فإن هذا «الضياع» ينطوي على خلل في نظام التعليم الثانوي. علينا أن نتذكر دائمًا أن هذا معيار مهم: ففي الوقت الذي يذهب به الطالب لأداء الامتحانات العامة في السنة الأخيرة من تعليمه الثانوي، ينبغي أن تكون الكلية أو الاختصاص الذي يرغب فيه أمام عينه كي يعمل من أجله. في هذه المرحلة من العمر «يجب» أن يكون الإنسان واضح الرؤية والرؤيا: فإذا ما كانت ملكاته ومواهبه ميالة (مثلًا) إلى اللغات الأجنبية أو إلى العلوم التطبيقية، فإنه من الطبيعي أن يؤدي الطالب الامتحانات النهائية كي يحقق حلمه في الالتحاق بالكلية المناسبة. لذا يكون اعتماد المعدل والدرجات النهائية، كمعيار وحيد أو أوحد لاختيار الكلية، مبدأ خاطئًا إلى حد كبير. إن الطالب في هذا العمر ينبغي أن ينضج بالدرجة الكافية لأن يعرف ويدرك طبيعته الذهنية وآفاقه المستقبلية، لذا يكون من الواجب أن نساعده على الاختيار الصحيح الذي يحيله إلى مواطن صالح ونافع: على عكس ما يجري حاليًا في العديد من الدول في المنطقة، حيث يذهب الطالب إلى كلية لا تلبي ميوله ولا تستجيب لرغباته ولمواهبه الخاصة، الأمر الذي ينتهي إلى حالات مؤسفة فيما بعد، كأن تراه يعمل تاجرًا وهو يحمل شهادة في الهندسة الإلكترونية، أو أن تراه يعمل موظفًا في دائرة بلدية وهو يحمل البكالوريوس في لغة أجنبية!

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply