49% من العمليات والبرامج الثقافية التي تديرها الخارجية الأمريكية في العالم هي مع النساء!


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في السادس من نوفمبر الماضي أنهت 49 امرأة عربية ما بين برلمانية وسيدة أعمال، ورئيسة اتحاد نسائي، وأستاذة جامعية، وخبيرة نفطية، وطبيبة، وناشطة في مجال المرأة وحقوق الإنسان والطفل، وصحافيةº دورة تعليمية لهن ضمن برنامج أمريكي يسمى (برنامج الزائر الدولي) بدأ منذ 19 أكتوبر الماضي.

البرنامج المذكور الذي شاركت فيها نساء من 14 دولة عربية ركز على (بناء الديمقراطية)، حتى إن أحد المسؤولين في الخارجية الأمريكية خطب في السيدات العربيات قائلاً: "نعلّق آمالاً كبيرة عليكن، ونأمل في أن نسمع عن منجزاتكن في المستقبل"، وذكّرهن بأن برنامج الزائر الدولي استضاف أشخاصاً عديدين صاروا قادة سياسيين منهم أنور السادات (مصر) ومارجريت تاتشر (بريطانيا) وعبد السلام المجالي(الأردن)!.

هذا البرنامج هو الخطوة الأولى ضمن سلسلة خطوات أمريكية لتعليم العرب - والبداية بالنساء - مبادئ الديمقراطية الأمريكية، والسعي لتغيير نظم حكم طوعاً أو كرهاً، بدعوى أن "دمقرطة" المنطقة ستحقق مكاسب كبيرة لأمريكا، وستحجب عنها أخطار (الإرهاب)، وكما أكد مسؤول آخر في الخارجية الأمريكية ممن تعاقبوا على إلقاء المحاضرات على السيدات العربيات: "نعتبر أنفسنا مسؤولين عن تغيير الحكومات التي تهدد الأمن والسلام باعتبارنا أقوى دولة في العالم. إن الولايات المتحدة هدفها احترام النساء والتسامح الديني، والملكية الخاصة، والاقتصاد المستقل، والصحافة الحرة، والمؤسسات المدنية، والمساعدة على توسيع وحماية الحريات. نريد تشجيع إقامة المنظمات غير الحكومية الضاغطة".

ومن الواضح أن هناك شعوراً بالزهو دفع الأمريكان لتصور قدرتهم على تغيير منظومة العالم، والبدء بتغيير أنظمة حكم في المنطقة العربية، والقيام بإصلاحات داخلية فيها باعتبار أنها قلب العالم الإسلامي.

ويبدو أن خطة "دمقرطة" المنطقة (بالعصا والجزرة) تمضي في طريقها بعدما تم الكشف عن تفاصيلها في أول نوفمبر الماضي عبر صحف أمريكية، لكنها لم تبدأ عملياً قبل ضرب العراق، بحيث تنطلق فيما بعد إلى مختلف البلدان (وفق السيناريو الأمريكي).

فالكلمة التي كان يفترض أن يوجهها وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مطلع شهر نوفمبر الماضي عن الإصلاح في العالم العربي، تأجلت للمرة الثانية لحين بدء الخطوة الأولى ضد العراق، إذ كان باول يعتزم إلقاء خطبة عن الموضوع أثناء دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر الماضي، لكنه أرجأها لأسباب من بينها أن الاهتمام موجه للجهود الأمريكية لكسب التأييد لنزع سلاح العراق، ثم عاد ليؤجلها مرة ثانية ذلك الشهر.

وقد سبق للرئيس الأمريكي جورج بوش التأكيد على أن تطبيق الديمقراطية في العالم العربي أحد أهداف سياسته الخارجية، ولكنه لم يوضح كيف سيحقق هذا الهدف، كما أشارت مستشارته لشؤون الأمن القومي كونداليزا رايس في سبتمبر 2002 إلى أن الولايات المتحدة تريد أن تكون (قوة محررة) تكرس نفسها "لإحلال الديمقراطية ومسيرة الحرية في العالم الإسلامي". وأضافت في تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن المبادئ الجيواستراتيجية لما بعد الحرب الباردة تحتم على واشنطن النضال من أجل ما وصفته بالقيم الليبرالية الأمريكية الذي يجب "ألا يتوقف عند حدود الإسلام". وقالت إن "هناك عناصر إصلاحية في العالم الإسلامي نريد دعمها".

وقد عادت كونداليزا في أوائل نوفمبر الماضي لتحاضر النساء العربيات في برنامج الزائر الدولي الذي كان تحت عنوان "تمكين المرأة العربية" عما أسمته (الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي)!.

صحيح أن بعض النساء العربيات تحدثن عن المظالم التي يواجهنها كنساء في المجتمعات العربية، ولكن اللافت أن بعضهن هاجمن السياسة الأمريكية في فلسطين والعراق أمام رايس، وتلون آيات قرانية تدعو أمريكا للعدل والبعد عن الظلم مثل:" ولو كنت فظاً غليظاً القلب لانفضوا من حولك" (آل عمران: 159)، "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "(النساء: 58)، حتى إن مصرية لم يعرف من هي أكدت لرايس أن أمريكا إن عملت بهذا القول ستتربع في قلوب العالم!.

ورغم ذلك فقد كان تركيز البرنامج الذي أشرفت عليه إليزابيث تشيني نائبة مساعد وزير الخارجية وابنة نائب الرئيس ديك تشيني، حول تعليم النساء العربيات أسلوب الحملات الانتخابية وتمويلها وتشجيعهن على عدم الخوف من شيء، وإقامة جماعات الضغط النسائية، والإسهام في بناء المجتمع المدني، فيما أكدت باتريسيا هاريسن مساعدة وزير الخارجية للشؤون الثقافية أن 49 % من العمليات والبرامج الثقافية التي تديرها الخارجية الأمريكية في العالم هي مع النساء، وطالبت النساء العربيات بالتفكير ملياً لدى عودتهن إلى بلادهن فيما يمكن أن يفعلنه بعدما اكتسبن الخبرة الكافية.

وقد دفع هذا التوجه الكاتب بيتر سلفين من صحيفة واشنطن بوست لكتابة مقال طويل عن هذا الوفد النسائي عنوانه (الإعداد للديمقراطية) لخص فيه الهدف من الندوة جاء فيه أن قرابة 50 امرأة عربية تحدثن في واشنطن عن إحباطهن من السياسات في دولهن، إذ الطريق إلى السلطة مغلقة في وجوههن بسبب التقاليد، الأمر الذي أثار ذعر النساء العربيات اللواتي احتججن لدى إليزابيت تشيني على الصحفي الأمريكي باعتباره "يتحدث عن أشياء لم يشهدها مباشرة". وقُلن إن المقال كاذب ويحمل انعكاسات خطرة عليهن في بلادهن إذ أنهن لم يحضرن إلى واشنطن لكي يشتكين من حكوماتهن وإنما لشرح أوضاع النساء الصعبة.

 

المشروع الأمريكي: ( نساند الديمقراطية وفق مصالحنا )

المشروع الأمريكي ل "دمقرطة" منطقة الشرق الأوسط يشير بوضوح حسب تقرير صادر من واشنطن إلى الازدواجية الأمريكية (المعتادة) في التعامل مع قضية الحريات والديمقراطية، ويقرر أن هناك مصالح استراتيجية أمريكية تحكم التحرك تجاه دول بعينها وفرض عقوبات عليها.

ف "العقوبات الاقتصادية أصبحت تتعارض في بعض الأحيان مع المصالح الاستراتيجية العليا التي لا يمكن تجاهلها". وذلك ينطبق بصورة خاصة على العلاقة مع بعض الدول التي تتفاوت فيما بينها في تطبيق المبدأ الديمقراطي، وفي ذات الوقت لا يمكن أن نتجاهل المصالح الاستراتيجية العليا التي تشكل حجر الزاوية للاستراتيجية الأمريكية المقبلة"!.

ويتهم التقرير بعض الحكام العرب بأنهم يقيمون هياكل ديمقراطية شكلية، ويتجاهل أن ذلك تم باتفاق مع واشنطن التي تؤيد الحكومات غير الديمقراطية وتدعمها، ويكشف عن أن هناك مذكرة للإصلاح السياسي تقدمت بها الإدارة الأمريكية لعدد من الدول العربية منذ عام 1997م.

ويشير التقرير إلى أن المذكرة الأمريكية طالبت بعدم التدخل الحكومي في أعمال البرلمانات القائمة، وأن يتم توفير الدعم المالي والمعنوي الكافي للأحزاب والجماعات السياسية المختلفةº مادام هدفها مشروعاً سياسياً. واعتبرت ذلك هو الضمانة الحقيقية للاستقرار السياسي، وحتى تتم السيطرة على التوجهات السياسية المتباينة والتي تصعد في بعض الأحيان إلى حد استعمال العنف السياسي الذي يهدد هذه المجتمعات.

ويرى التقرير أن الإصرار على تطبيق ما يسمى (المبدأ الديمقراطي الأمريكي) في الدول العربية سيشجع على ازدهار العلاقات التعاونية مع دول المنطقة وعدم التحسب لمفاجآت غير متوقعة، بالإضافة إلى الميزة الكبرى، وهي إمكان التدخل القوي من الأجهزة والمؤسسات الأمريكية في المجتمعات العربية لتشكيل جماعات ضغط قوية في الحكومة والبرلمان والمؤسسات السيادية العليا في داخل كل دولة لتعمل هذه الجماعات بشكل مباشر وقوي مع الإدارات الأمريكية لتنفيذ مقتضيات الاستراتيجيات الأمريكية.

يقول التقرير: إنه سيتم البدء بالعراق (بالقوة طبعاً) تليه دول في الخليج ستتأثر بما يحدث في العراق وستكون سورية المحطة الرئيسة الثالثة "وسنحاول أن نحافظ على النظام الجمهوري في سورية، وتطوير الديمقراطية في داخل الأردن".

 

تفتيت الدول أحد وسائل الضغط:

وربما يكون آخر عناصر هذه المخططات الأمريكية ما يثار حول تفتيت بعض الدول وفصل أجزاء منها بزعم أن هذا سيكون لصالح الاستقرار، وأحد النموذجين المطروحين في التقرير الذي جرى تسريبه للإعلام لجس النبض هي مصر، فالمطروح بالنسبة لها، ليس فقط إعادة النظر في القوانين الاستثنائية، وتعزيز قيمة الحريات الفردية والأفكار السياسية، وتوسيع الإطار السياسي ليضم جماعات أخرى، ولكن طرح فكرة دويلة قبطية في صعيد مصر حيث يزعم التقرير أن "الدمقرطة" الكاملة والتطور السياسي الأمثل في مصر سيتحقق من خلال إقامة كيان قبطي في مصر حفاظاً على حقوق وحريات الأقباط، لأنه لا يمكن أن يكون للأقباط حقوقهم الديمقراطية وتمثيلهم العادل في ظل تلك الأكثرية من المسلمين"!! ويهدد التقرير بأن الوسائل الاقتصادية يمكن أن تكون أكثر جدوى في تحقيق الإصلاحات السياسية داخل مصر، خاصة وأن المشكلة الاقتصادية في مصر معرضة لأن تتفاقم في ظل انخفاض معدلات نمو الناتج القومي، وعدم توسيع نطاق الصادرات المصرية في الأمد المنظور !؟.

فهل يبدأ الأمريكان الإصلاح السياسي في العالم العربي بالنساء؟!، وهل الخطة التي جرى تسريبها حقيقة أم وهم؟ وهل ينجحون في ذلك أم أن هذه مجرد (أضغاث أحلام)؟.

تبقى الحقيقة الساطعة وهي: ازدواجية التفكير الأمريكي وتطويع الديمقراطية لتنفيذ المصالح الأمريكية فقط في البلدان المختلفة لا تبنيها كمبدأ.

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply