علَى مائدة الكِبار: فوائدُ من كِبار السِّنِّ
الموقع بلغة الأرقام 13-11-2018
  1. الرئيسية
  2. المقالات
  3. علَى مائدة الكِبار: فوائدُ من كِبار السِّنِّ
علَى مائدة الكِبار: فوائدُ من كِبار السِّنِّ

علَى مائدة الكِبار: فوائدُ من كِبار السِّنِّ

تاريخ النشر: 4 رجب 1442 (2021-02-16)

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
عباد الله، فاتقوا الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.

عِبادَ الله، ففي ظِلِّ تطوُّر العصـر، و تداخُل الشعوب، وتعاطي الأفكار، وانفتاح التقنية، وتخلي الناس شيئًا فشـيئًا عن بعضِ مبادئهم وعاداتهم؛ أصبح لدى الكثيرين قدواتٌ ساقطة وأسماءٌ واهية، يُصفِّقون لها، ويهتفون بها غير مُبالين بتلك الأسماء، ما هي دوافعُها، وما هي أفكارها، معيارُهم الوحيد في اختيار القدوات هي الشهرةُ فَقَطْ في أيِّ مجالٍ وتحت أيِّ لواء، فأُهمِلت القدواتُ الراشدة الرائعة، واتُّبِع كُلُّ سخيفٍ وساقط.

حديثي معكم -أيُّهَا الأحبابُ- اليوم عن (القدوة) حديثٌ يخاطب به الأصلُ فرعه، والوالدُ ولده، بل جيلٌ يخاطب جيلًا، أتحدَّث عن جيلٍ يعيش بين أيدينا، جيلٍ فريد بأفعاله وأقواله وأخلاقِه، جيلٍ نُعاشرهم ونُخالطهم، نُحاكيهم نهارًا و نُسامرهم ليلاً، جيلٍ تربَّوْا في مجالس الرِّجَال، وتخرَّجوا من جامعة الحياة، فحصلوا عَلَىٰ وثيقة التجربة، ولبسوا أوسمةَ الخبرة.

 عاشوا عَلَىٰ شظَف العيش وشدّة الحاجة والفاقة حتى خرجوا ناضجين بعقولهم، متوازنين في تصـرُّفاتهم، لم يترعرعوا عَلَىٰ قنواتٍ ماجنة، أو ألقابٍ لاهية، أو مبارياتٍ مُشغلة، بل جِدٌّ وكفاح، فعملٌ ونجاح، إنَّهم جيلٌ شربَ الأخلاقَ الكريمة بل وتضلَّعها، جيلٌ علَّمته الأيامُ وأدَّبته الليالي؛ حَتَّىٰ أصبح نبراسًا للفضيلة وعنوانًا للكرامة، أتدرون مَنْ هو هذا الجيلُ؟

 

 إنَّه جيلُ آبائنا الكرام، إنَّهم كبار السِّنِّ -حفظهم اللهُ-، عقيدةٌ صافية، وأخلاقٌ راقية، وتجربةٌ صادقة، وعقول راجحة، طاعةٌ مستمِرَّة، ثباتٌ عَلَىٰ المبادئ، وصبرٌ على المصائب، وحكمةٌ في التعامُل، هيبةٌ في المُحيَّا، ووقارٌ عند الُّلقيَا، تواضعٌ جمٌّ وصدقٌ في الكلم؛ لذا كان لزامًا أن نقفَ وقفةَ وفاءٍ لأهل الوفاء، فهي تأمُّلاتٌ ونظراتٌ لم تُدوَّنْ من كتابٍ أو تُسمع من مُتحدِّث، بل هي صورٌ تعكس واقعَهم القريب وما فيه من خِصالٍ عظيمة، هي أهلٌ أن يهتدي بها شبابُ اليوم، وهي أهلٌ أن يفتخر به جيلُ اليوم.

 فلَئن قال اَلْأَوَّلُ: مُفتخرًا بالعلماء والقراء.

مَعْشـَرَ الْعُلَمَاءِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ                   مَا يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحُ فَسَدْ

♢♢♢

فليقُلِ القائل اليوم:

معشـرَ الآباءِ يا ملحَ البلد                      كيف الحياةُ إذا الملحُ فُقِد

♢♢♢

نعم، إنَّهُم روح الحياة، وزينة المجالس، بهم يحلو الزمانُ، وبطلَّتِهم يتجمَّل المكان، فهيَّا نعِشْ مع شيءٍ من أعمالهم، ونتنفَّسْ شيئًا من أخلاقهم:

 فأوَّلاً: عقيدتهم الصافية، إنَّ أعظم ما يتميَّز به آباؤنا الكرام عقيدتهم الصافية الَّتِي لم تؤثِّر عليها فتنُ هذا الزمان من إعلامٍ مرئيٍّ أو مسموع أو مقروءٍ، فهم يعيشون صفاءً وصدقاً و تسليماً و جزماً قلَّ أن تجد له نظيرًا، يدلُّ عَلَىٰ ذلك تلك الكلماتُ العفويَّة التي تخرج من أفواههم عند بعض المواقف التي تكون عند مشاهدة مظهرٍ من مظاهر قدرة الله، أو سماع خبرٍ من أخبار الله العظيمة، فتسمع التسبيح لله و التكبير و التهليل تعظيماً لله؛ ممَّا يدلُّ عَلَىٰ أنَّ كُلَّ شيءٍ ينسبونه إِلَىٰ الله -عَزَّ وَجَلَّ-.

 ومما يدلُّ عَلَىٰ تلك العقيدة الصَّافية كراهيتُهم لكلِّ ما يُعكِّر صفوَ عقيدتهم من أقوالٍ تُشكِّكُ فيما في دواخلهم مما سَلَّموا به لله –تَعَالَىٰ-، حتى و لو كان ذلك من قبيل تطوُّر العلم كالإخبار بأحوال الطقس أو غيره، فهم من أشدِّ الناس عنايةً بعقيدتهم وتوحيدهم، وما الدِّين إِلَّا التوحيد والتسليم، وما الجنة وثمنها إلَّا التوحيد والتسليم.

 فأينَ شباب اليوم من هذا التسليم والانقياد، وهم يخوضون في مواطن الشَّكِّ والريب، يبحثون عن مواقع الشبهات والحوارات والمناظرات، يمتحنون إيمانهم في كلِّ يومٍ وليلة؛ حتى وقعوا في براثن الشَّكِّ والحيرة؟ ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.

 أين شباب اليوم من الحفاظ عَلَىٰ عقيدتهم، وهم يُتابعون الأبراج، وما فيها من أخبارٍ وتدجيلٍ وكذب؟ أين شباب اليوم من المحافظة عَلَىٰ عقيدتهم، وهم يُتابعون أخبار الكهنة والعرَّافين وغيرهم؟

ومما يُستفاد من كبار السِّنِّ أيضًا؛ استمرارُهم عَلَىٰ الطاعة وصبرُهم عليها، إنَّ مما لا يستطيعُ أن يُخرَس عنه اللسان أو تُغمض عنه العينان ملازمةُ الكبار عَلَىٰ الطاعة.

 ولنأخذِ الصَّلاة مثالاً، استمرارٌ عليها في كلِّ الظروف وجميع الأحوال، خمسون عامًا أو ستون عامًا وهم عليها مُحافظون في ليالي الشتاء الباردة أو أيَّام الصيف المحرِقة في الليل والنَّهار، في الشغل والفراغ، في السفر والحضـر، في الفرح والحزن، هم عَلَىٰ صلاتهم دائمون، فوالله لن تضيع تلك الركعات، وتلك السجدات، فإنّهُ لا يستوي عند الله مَنْ عمل ومَنْ لم يعمل، فأبشروا ثُمَّ أبشروا أيُّهَا الآباء، فإنَّ الله لا يُضيع أجرَ مَنْ أحسنَ عملًا، فأين أنتم أيُّها الجيلُ الَّذِينَ أنتم أقوى من الآباء جسمًا، وأنشطُ بدنًا، وأسرع عدوًا، وأحدُّ نظرًا، أين أنتم من هذه الفريضة العظيمة التي هيَ عنوانُ الصِّدق مع الله.

 لقد أقامَ كبار السِّنِّ الحُّجةَ عليكم بمُحافظتهم عَلَىٰ الصَّلاة رغم ما هم عليه من الكِبر والتعب، فاتَّقوا الله وحافظوا عَلَىٰ فريضة الله.

ومما يُستفادُ من الآباء أخلاقُهم الكريمة من احترامٍ وتقديرٍ للغير، لا نُحصـي كم رأينا أحدَهم يقومُ لِمَن دخل عليه في مجلسٍ احتفاءً به واحترامًا له، وربَّما كان مساويًا له في العمر أو أصغر منه! يُفسحُ له باحتفاءٍ وحرارةٍ، ولا نُحصـي كم أجلسَ غيره في مكانه بروحٍ تمتلئُ رجولةً وشهامةً وعزَّةً وكرامة! ولا نُحصـي كم صمَت أحدُهم صمتًا طويلاً يستمع لغيره من غير تململٍ أو انشغال! ولا نُحصي كم قدَّم غيره عَلَىٰ نفسه بشرب ما يُقدَّم من قهوةٍ أو غيرها!

إنَّهَا أخلاق الكبار، فأين مجالسُ الاستراحات اليوم من هذه الأخلاق الكريمة؟ واسألوا المجالس الخاصَّة والعامَّة عن هذه الاخلاق الَّتِي قد تلاشت واضمحلَّت لدى كثيرٍ إِلَّا ما رحم الله،  فلا يُعرَف حقٌ لكبير أو عالم أو غريب أو ذي هيبةٍ ومقامٍ والله المستعان.

ومما يُستفاد من أخلاق الكبار أيضًا تعظيمُهم لشعائر الله، يظهر ذلك في حرصهم عَلَىٰ إحياء المناسبات الشـرعيَّة عَلَىٰ أكمل وجه، ومن ذلك حرصُهم عَلَىٰ صلاة العيد و الجُمَع، وصلاة التراويح، وذبح الأضاحي، وأداء صلاة الاستسقاء، وغيرها من المناسبات الشـرعيَّة العظيمة، فأسألكم بالله مَنْ يُحيِ تلك المناسبات، و يُؤدِّي تلك الشعائر غيرُهم إِلَّا قليلاً ممن رحمَه الله.

 عباد الله وَمِمَّا يُستفاد من أخلاق الكبار التمسُّكُ بالعادات والتقاليد افتخارًا بها واعتزازًا بمضمونها، لم يُقلِّدُو شرقيًّا بلهجته أو غربيًّا بملبسه، لم يلتفتوا إِلَىٰ موضةٍ تافهةٍ؛ لاقتناعهم أنَّ مَنْ ضمَّ بين جنبيه عزَّةَ الإسلام وشرف العروبة، فهي تكفيه عن غيرها، فيا مَنْ لهثتَ وراء المشاهير بلباسهم وأشكالهم وتصـرُّفاتهم ألمْ تعلَمْ بأنَّك أقصيتَ دِينًا، وخالفتَ عادةً، وشددت طرفًا بين مجتمعٍ مُحافظ؟ فارجع إلى صوابك، واقتدِ بآبائك وأكابرك، فهو خيرٌ لك وأبقى، نفعني اللهُ وإيَّاكم بكتابه وأجارني وَإِيَّاكُمْ من أليم عقابه، واستغفروه، إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

(الخُطبة الثانية)

 الحَمْدُ للهِ عَلَىٰ إحسانه، والشكر له عَلَىٰ توفيقه وامتنانه، وأشهدُ أنْ لا إله إِلَّا اللهُ وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، الداعي إِلَىٰ رضوانه وجنانه، والمحذَّر من عِصيانه ونيرانه.

عبادَ الله، فكما أنَّنا نستنيرُ بأخلاق كبار السِّنِّ، وننهلُ من مَعينهم، ونستفيد من تجارِبهم، ونسترشد بآرائهم، فيجب علينا أن نعرفَ حقوقهم، وأن ننزلهم منزلتَهم الَّتِي أنزلهم الشَّرْعُ بها، فقد قال نبيُّكم: « إنَّ من إجلالِ اللَّهِ إِكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ»، رواه أبو داود، فينبغي علينا احترامُهم وتقديرُهم، وذلك بمبادرتهم بالسَّلام عليهم، وتقبيل رؤوسهم، والمصافحة والحفاوة بهم عند لقائهم والتَّبسُّم والبشاشة في وجوههم، ومشاورتهم في الأمور كلِّها، وممازحتهم ومداعبتهم، وإدخال السرور عليهم.

 وكذلك يجبُ علينا اجتنابُ كُلِّ ما يُكدِّر صفوَهم، أو يُقلِّل من شأنهم؛ من مقاطعة حديثهم، أو التشاغل عنهم بجوَّال أو غيره، أو التدقيق عليهم وانتقادُهم ومحاسبتهم عَلَىٰ كُلِّ كلمةٍ وزلَّة، فاتَّقوا الله -يا شباب الإسلام- واعتنوا بكِباركم، فقد قَالَ نبيُّكم «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ويَعْرِفْ حَقَ كَبِيرِنَا؛ فَليْسَ مِنَّا»، هٰذَا وأُصلِّي وأُسلِّم عَلَىٰ مَنْ أمركمُ اللهُ بالصَّلاة والسَّلام عليه.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ وأذلَّ الشـركَ والمشـركين واحمِ حوزةَ الدِّين، اللهمَّ انصـر المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتِكَ في كلِّ مكان، اللهمَّ كن لهم عونًا ونصيرًا ومُؤيِّدًا وظهيرًا، اللهمَّ ارحم المستضعفين من المسلمين في كلِّ مكان، اللهمَّ اجعل ولايتنا فيمَن خافكَ واتَّقاكَ واتَّبَع رضاك، اللهمَّ وفق وليَّ أمرنا لكلِّ خير، اللهمَّ ارزقه البطانة الصالحة التي تدلُّه على الخير وتُعينه عليه.

اللهمَّ اغفرْ لأمَّهاتِنا، اللهمَّ اغفر لآبائنا، اللهمَّ اغفر للمُسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

اللهمَّ إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك مِنَ الرِّبَا والزِّنَا والزَّلازل والمحن والفِتَن ما ظهَرَ منها وما بطَن، سبحان ربِّك ربِّ العزَّةِ عمَّا يصفونَ، وسلامٌ علَى الْمرُسلينَ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

إضافة تعليق

التعليقات المقتضبة أو تلك التى لا تتعلق بموضوع المحاضرة أو الأسئلة أو التعليقات بغير اللغة العربية ستحذف تلقائيا
تم إرسال التعليق بنجاح و سيظهر في الموقع بعد مراجعته و الموافقة على نشره
العلماء والدعاة التصنيفات