الرياء الاجتماعي على حساب الدين


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 

إن من الآفات التي ظهرت في مجتمعاتنا ولا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة الرياء الاجتماعي ومداراة الناس على حساب الدين، مما قد يؤدي الي النفاق. ونرى ذلك ظاهر بوضوح في إجتماعات الناس في المناسبات كالأعراس والعزائم. كما نراه في مواقع التواصل الاجتماعي وكثير من قنوات مشاهير اليوتيوب. فنجد أحدهم يفتح قناة عن الغناء والأخر يملأ قناته بصور غير لائقة ويدعى انه ينتقد اصحابها، والثالثة تعمل موديل وتتخلى عن حجابها وهويتها بعد ان تشتهر، ورابع يحلق لحيته ويجالس السافرات لأجل ان يشتهر، وخامس لا يتوانى عن تصوير زوجته حتى يكسب أكبر عدد من المشاهدات، وغيرها من الأمثلة. وهكذا يتملصون من الدين شعرة شعرة حتى لا يبقي منه سوى أسماءهم العربية. ثم يقعون فريسة النفاق ويختم الله علي قلوبهم عقوبة لهم بعد اصرارهم على معصيته وتقديم رأي الناس على طاعته. قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[i]. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الرياء وسماه الشرك الأصغر، وذلك في قوله صلي الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟"[ii]. فليحذر هؤلاء من ذهاب حسناتهم التي تعبوا فيها. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍۢ فَجَعَلْنَٰهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)[iii]. وهم مع ذلك يضيَّعون الصلاة والعبادات لإنتاج فديواتهم التي تأخذ من اوقاتهم جلَّها. قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)[iv].

والرياء يعارض الاخلاص لله تعالى الذي هو أساس العمل وركن من أركان التوحيد. وقد عرفه ابن القيم – رحمه الله – بقوله: "هو ما لا يعلمه مَلَكٌ فيكتبه، ولا عدوٌ فُيفسده، ولا يُعجب به صاحبه فيُبطلُه"[v]. فلا شك أن ارتياد مواقع التواصل وقنوات اليوتيوب قد صار باب كبير لفتنة الرياء التي أصابت الكثير من رواده. وكم من فتاة مُحجّبة فتحت قناة يوتيوب وبعد فترة من الزمن تخلت عن الحجاب، مثل دارين البايض ومها جعفر وزينب (زوجة أحمد حسن) وشهد والقائمة تطول. ونذكر هنا عرضًا أن هناك كم ليس بقليل من نجوم التمثيل قد قمن بنفس الفعل.

الرياء ومداراة الناس على حساب الدين من منظور مقاصد القرآن الكريم عند ابن عاشور:

-إن مداراة الناس ورياءهم تُدخِل الإنسان في باب الشرك الأصغر وهذا يتناقض مع مقصد إصلاح الإعتقاد وتعليم العقد الصحيح.

-الرياء يودي إلى النفاق وكلاهما صفة ذميمة تتناقض مع مقصد تهذيب الاخلاق.

-تقديم رضا الناس علي رضا الله فيه سوء ادب مع الله تعالى وإجهار بالمعاصي وهذا يتناقض مع مقصد المواعظ، والإنذار، والتحذير، والتبشير.

-تبرج النساء وظهور ما لا يرضي الله في هذه المقاطع التي ينتجها هؤلاء المرائين يتناقض مع مقصد التشريع.

-تضييع الساعات الطويلة في انتاج محتوى هذه القنوات كثيرا ما يؤدي إلى تضييع الصلاة عن وقتها وهذا يتناقض مع مقصد التشريع. كما أن تضييع الوقت يؤثر سلبا على طلب العلم والدراسة وهذا يتناقض مع مقصد التعليم.

النصائح والضوابط المقترحة:

-على أصحاب هذه القنوات اتقاء الله ومراقبته في كل كلمة تقال وكل ما يعرض على قنواتهم، وليعلموا أن الله رقيب عليهم وأنه يمهل ولا يهمل. وليتذكروا بأنهم سيموتون يومًا وسيحاسبون بكل صغيرة وكبيرة. قال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[vi]، وقال أيضًا: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْارض وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)[vii]

-عليهم إختيار محتوى هادف ينفع الناس ويؤجرون على نشره، بدلا من تضييع حقوق الله والتجرأ على مبارزته بالمعاصي.

-عليهم الاحتراز من وضع الإعلانات المخلة.

علي النساء التستر وعدم ظهورهن سافرات في هذه القنوات. وقد سُئل الشيخ بن بار – رحمه الله - عن حكم تصوير النساء في الصحف والمجلات، فقال رحمه الله: "تصوير النساء في الصحف والمجلات، أو في المؤلفات أمر منكر، لا يجوز"[viii]. وعليه يمكن قياس قنوات اليوتيوب.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

[i] سورة التوبة، آية ٦٧.

[ii] أخرجه أحمد (٢٣٦٣٠) واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣١)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥)، وصححه لألباني في صحيح الترغيب (٣٢).

[iii] سورة الفرقان، آية ٢٣.

[iv] سورة النساء، آية ١٤٢.

[v] الفوائد، ابن القيم، ص ١٤٤.

[vi] سورة ق، آية ١٨.

[vii] سورة يونس، آية ٦١.

[viii] بن باز، فتاوى نور على الدرب، التصوير، تصوير العروس والعريس في المنصة المعدة لهما، ص ٣١٣. 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply