إفهام المُريدين وإفحام المُتنطعين


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

إن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها المصطفى ما تركت لأتباعها شيئًا إلا بينته وفصَّلته تفصيلًا حتى أصبح واضحًا جليًا كوضوح الشمس في رابعة النهار في يوم صائف. 

قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(المائدة: 3).

وجاء في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبيقال:"... وقد ترَكْتُ فيكم ما لنْ تضِلُّوا بعدَه إنِ اعتصَمْتُم به: كتابَ اللهِ، وأنتم تُسأَلونَ عنِّي فما أنتم قائلونَ؟ قالوا: نشهَدُ أنْ قد بلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصَحْتَ فقال ﷺ بأُصبُعِه السَّبَّابةِ يرفَعُها إلى السَّماءِ وينكُتُها إلى النَّاسِ: (اللَّهمَّ اشهَدْ) ثلاثَ مرَّاتٍ"(صحيح ابن حبان).

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:"وعظنا رسولُ اللهِ ﷺ موعظةً ذَرَفتْ منها العيونُ ووجلت منها القلوبُ، فقلنا يا رسولَ اللهِ إن هذه لموعظةُ مودَّعٍ فماذا تعهد إلينا؟ قال قد تركتكم على البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ من يعشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتُم من سنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذِ وعليكم بالطاعةِ وإن عبدًا حبشيًا،فإنما المؤمنُ كالجملِ الأنِفِ حيثما قِيدَ انقادَ"(صحيح ابن ماجه).

إن من أهم صفات الشريعة الإسلامية الغرَّاء أنها كاملة تامة، ناصحة واضحة ناصعة، صالحة لكل مكان وزمان إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

إن للشريعة الإسلامية مقاصد خمسة وهي، حفظ (الدين- النفس- النسل- المال- العقل)، وفي ضوء هذه المقاصد الخمسة يجب أن توضع النظم واللوائح والقوانين والدساتير بل والعادات والتقاليد دون إغفال لأحد هذه المقاصد لأنه يستحيل أن يستغني عن أحدها جيل من الأجيال مهم طال الزمان، ومهما اختلفت الثقافات، وازدهرت الحضارات، وتنوعت الآمال والطموحات.

قال الإمام الشاطبي  رحمه الله  في (الموافقات):*اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل*. 

إن كل ما يتضمن حفظ المقاصد الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يضيعها فهو مَفسدة، ومن القواعد الشرعية التي اتفق عليها علماء الأمة أن *درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة* حتى لا نكون كمن يبني بنيانه على شفا جُرف هار، ولا كمن يبني بنيانًا من الملح على شفا نهر جار. 

بعد التأكيد على أهمية الأخذ بالمقاصد الخمسة للشريعة الإسلامية وحمايتها والحفاظ عليها من التعطيل أو الانتقاص أو الاختزال تأتي مراتب المصالح البشرية التي تنقسم إلى:

1- الحاجيات: وهي كل ما يحتاج الناس إليه لتيسير أمورهم الحياتية والأخروية، ولتحقيق مصالح هامة يؤدي غيابها إلى المشقة واختلال النظام العام للحياة، مثل ضبط البيوع، وضبط مراسم الزواج وسائر المعاملات، كل ذلك في ضوء ما جاء به الشرع.

2- التحسينيات: وهي كل ما يتم به تحسين وتجميل أحوال الناس وتصرفاتهم ومصالحهم المرسلة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وعادات وتقاليد وسلوكيات وآداب... الخ، كل ذلك في ضوء ما جاء به الشرع. 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ مَرَّ بقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقالَ:"لو لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ قالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بهِمْ فَقالَ: ما لِنَخْلِكُمْ؟ قالوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" (صحيح مسلم). 

من هذا الحديث يتضح لنا أن الدين لا يحجر على الرأي، ولا يقيد الفكر، ولا يعارض التطوير والإبداع في أي مجال من المجالات ولا شأن من الشئون، طالما كان كل ذلك في حدود الشرع، وفي حدود درء المفاسد وجلب المنافع. 

لضمان دقة تطبيق كل ما سبق وعدم خرقه ولا تجاوزه ولا اختزاله بحجة من الحجج ولا بذريعة من الذرائع يجب الالتزام والاحتكام بالقاعدة التي وضعها الإمام الشاطبي  رحمه الله  في (الموافقات) حيث قال: (فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه).

هذا ما قصدت أن أقوله وأؤكد عليه لإفهام كل من يريد الفهم الصحيح الذي لا عوج فيه، لينطلق من قاعدة صلبة متينة وأسس واضحة متفق عليها لا يتخطاها في خضم النظريات والفلسفات التي تلبس على الناس فهمهم وتشوه دينهم. 

إفحام المتنطعين:

يخرج علينا بين الحين والآخر من ينتقصون من حق الدين وقدْرهِ ومكانته، ويتطاولون على رموز الأمة وعلمائها، بل بلغ بهم السَّفه إلى أن يشككوا في قدرة الدين على إدارة شئون الحياة في ظل ما طرأ عليها من تطور في جميع المجالات، بزعم أن إنسان الأمس يختلف عن إنسان اليوم وأن زمن التكنولوجيا والفضائيات والصاروخ والوصول إلى القمر يختلف عن زمن البادية والخيمة والجمل والسيف والرمح.

إن هذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على جهل قائليه، وعُقم تفكيرهم، وسطحية فكرهم، وقصر نظرتهم، وفساد نظرياتهم. 

إن الاحتياجات الأساسية والبيولوجية للإنسان لم تختلف في أي عصر من العصور منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، ولن تختلف إلى قيام الساعة.

إن احتياجات الإنسان الأساسية تتلخص في حاجته للمأكل والمشرب والمسكن كما يحتاج للشعور بالأمن والأمان والحرية والعدالة الاجتماعية وكذلك يحتاج لإشباع حاجته البيولوجية الفطرية والغريزية بالزواج والتكاثر... الخ.

هل اختلفت احتياجات الإنسان الضرورية أو تغيرت منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا؟

هل حدث في عصر من العصور أن تخلى الإنسان عن حاجته للمأكل والمشرب والمسكن... الخ؟ 

 هل حدث في عهد من العهود أن استقامت حياة الإنسان في ظل غياب قيم الأمن والحرية والعدالة الاجتماعية... الخ؟

 هل حدث في ملة من الملل أن تخلى الإنسان عن إشباع حاجته البيولوجية الفطرية والغريزية من زواج وتكاثر وحنان ومودة ورحمة... الخ؟

هل حدث في بحث من أبحاثكم أن اختلفت فصائل الدم أو وظائف الأعضاء باختلاف طبيعة العصر وتطوره أو تدهوره؟ 

هل حدث في تجربة من تجاربكم أن أنجبت المرأة خارج النطاق الذي عرفته البشرية (حيوان منوي وبويضة)، وهل استطاع العلم الحديث أن يتدخل في فترة حمل الجنين بالزيادة أو بالنقصان؟

هل نجحتم في محاولة من محاولاتكم أن تعرفوا سر واحدة من الغيبيات الخمس التي اختص الله تعالى بها نفسه. 

هل... وهل... وهل... ؟

إن كل هذه الأمور هي ما يحتاج إليها الإنسان ويسعى لتحقيقها في كل زمان ومكان ومتى توفرت أبدع وتطور وكل هذا الإبداع وكل هذا التطور هو ما أسماه الشرع الحاجيات والتحسينيات تتغير من جيل لآخر ومن زمان لآخر بينما تظل الضروريات والثوابت كما هي.

وأخيرًا أقول لهؤلاء المتنطعين

 يا أدعياء التحضر بئست الحضارة حضارتكم التي تسمح لمسوخ أمثالكم أن يتطاولوا على الدين الذي هو تنزيل رب العالمين.

يا أدعياء التقدم بئس التقدم تقدمكم الذي يسمح لأنطاع أمثالكم أن يحطوا من قدر علماء الأمة، فإن أحدكم لو عاش مئات الأضعاف من عمره ما بلغ معشار المعشار مما بلغه أحد هؤلاء العلماء من قوة إيمان، وشدة خشية، ورسوخ فهم، ورجاحة عقل، وصواب رأي، ونفع للأمة. 

وأقول:

دعوكم من كل هذا التشدق فما شاد الدين أحد إلا غلبه.

كفوا من هذا التنطع فإنكم إلى زوال ودين الله باق لا محالة.

احذروا من هذا التفيهق فإن *الحق أبلج والباطل لجلج*.

ثقوا أن للباطل جولة ثم يضمحل وللحق دولة لا تنخفض ولا تذل.

اعتبروا بأمثالكم الذين سبقوكم فإن رائحتهم في مزابل التاريخ تزكم الأنوف، وما ذُكِر اسم أحدهم إلا لاحقته اللعنات. 

عن أنس بن مالك وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبيقال:"سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ، يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخونُ الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال: الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ" (صحيح الجامع). 

وأختم حديثي بما قاله الإمام الشاطبي رحمه الله حيث قال: (لا يُسمَح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظرَ مُفيدٍ أو مُستفيدٍ حتى يكون ريَّان من علم الشريعة؛ أصولها وفروعها، معقولها ومنقولها) أهـ.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ}(الرعد: 17).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply