بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
التوحيد هو الأساس الذي قامت عليه دعوة الأنبياء والرسل، وهو جوهر رسالة الإسلام، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: 25).
غير أن مفهوم التوحيد قد تعرّض عبر العصور لتغييرات وفهم مغلوط نتيجة التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي مرّ بها المسلمون. في ظلّ هذه التحديات، ظهرت الحاجة الملحّة لإعادة فهم وتصحيح هذا المفهوم في العصر الحديث بما يتناسب مع أصول الإسلام ومعالجة الانحرافات الفكرية التي أصابته.
أولًا: مفهوم التوحيد في الإسلام:
التوحيد في الإسلام ينقسم إلى ثلاثة أنواع أساسية وفقًا لما جاء به العلماء:
1. توحيد الربوبية: وهو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق المدبّر للكون والمتصرّف فيه.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
(سورة يونس: 31).
2. توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا يُصرف أي نوع من العبادة لغير الله.
قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (سورة الإسراء: 23).
وقال النبي ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" (رواه مسلم).
3. توحيد الأسماء والصفات: وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته كما وردت في القرآن والسنة، من دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل.
قال تعالى :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الشورى: 11).
ثانيًا: مظاهر الخلل في فهم التوحيد في العصر الحديث:
1. التأثر بالفكر العلماني: يتّجه البعض إلى تحييد الدين عن الحياة العامة، مما يؤدي إلى فصل العبادة عن المعاملات، وهذا يخالف مفهوم توحيد الألوهية الذي يشمل كل جوانب الحياة.
2. التصوف المنحرف: بعض الطرق الصوفية تروّج لمفاهيم مغلوطة مثل الحلول والاتحاد، مما يؤدي إلى إشراك غير الله في العبادة.
3. الشرك الخفي : قد يظهر في صور عديدة، منها الرياء وحب الشهرة، حيث قال النبي ﷺ: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء" (رواه أحمد بسند صحيح).
ثالثًا: الأسباب التي أدت إلى ضعف الفهم الصحيح للتوحيد:
1. الجهل: قلّة الاطلاع على النصوص الشرعية من القرآن والسنة، وعدم الرجوع إلى العلماء الثقات.
2. التقليد الأعمى: اتّباع الموروث الديني من غير تدبّر، مما أدى إلى ترسّخ بعض المعتقدات الخاطئة.
3. الابتعاد عن الكتاب والسنة: ترك الاعتماد على المصادر الأصلية للدين والالتجاء إلى المصادر الثانوية التي قد تكون محرفة أو مبهمة.
رابعًا: دور العلماء والمصلحين في تصحيح المفاهيم:
يجب على العلماء والمصلحين أن يعيدوا للأمة فهم التوحيد الصحيح، وذلك من خلال:
1. التعليم والتوعية: نشر العلم الشرعي بين الناس لتصحيح المفاهيم المغلوطة.
2. العودة إلى مصادر الإسلام: التركيز على فهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
3. محاربة البدع والخرافات: توجيه الناس لنبذ البدع والشركيات التي تُفسد العقيدة الصحيحة.
أقوال العلماء في أهمية التوحيد:
· قال شيخ الإسلام ابن تيمية: *أصل الدين وقاعدته إخلاص العبادة لله وحده، وهو معنى لا إله إلا الله*.
· وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: *لا خير في الأمة إذا لم تعرّف ربها وتوحده*.
خامسًا: وسائل تعزيز فهم التوحيد في العصر الحديث:
1. استخدام وسائل الإعلام الحديثة: كالمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية لتعزيز الوعي بالتوحيد.
2. إعداد المناهج التعليمية: تضمين المناهج الدراسية موضوعات عن التوحيد وأهميته.
3. إقامة الدورات والمحاضرات: تخصيص دورات علمية لتعليم التوحيد بأسلوب مبسّط يناسب جميع الفئات.
إن إعادة فهم التوحيد في العصر الحديث ضرورة ملحّة للحفاظ على نقاء العقيدة الإسلامية. فالتوحيد ليس مجرد مفهوم نظري، بل هو منهج حياة يتطلب تطبيقه في جميع جوانب الحياة.
قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ (سورة البقرة: 256).
1. القرآن الكريم.
2. صحيح مسلم.
3. مسند الإمام أحمد.
4. كتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
5. مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين
أضف تعليق
هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها
تم الإرسال
ستتم إضافة التعليق بعد معاينته من قبل فريق عمل مداد