استقبال شهر رمضان


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الخطبة الأولى

وبعد:

عباد الله: لقد أهلّ علينا شهر من أعظم الشهور، فهو شهر عبادة يتقرّبُ بها العبد إلى ربه. بترك محبوباته من طعام وشراب لينال رضا ربه، ولو يعلم العباد ما في هذا الشهر الكريم من الأجر والثواب لتمنّت الأمة أن تكون السنة كلها رمضان. يقول الله - عز وجل -: ((يترك شهوته وطعامه وشرابه لأجلي، فالصوم لي وأنا أجزي به)).

 

هذا الشهر الكريم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُبشِّر أصحابه بقدومه فيقول: ((أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تُفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبوب جهنم، وتُغلّ فيه مَرَدة الشياطين، لله فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم)) قال العلماء هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضاً بدخول الشهر، فالشقي من حُرِم فيه رحمة الله، وكيف لا يكون شقياً وخاسِراً وهو لم تدركه رحمة الله في شهر التوبة والغُفران ولذا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبعد والهلاك والشقاء والخسران لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له. فعن كعب بن عُجرة - رضي الله عنه - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أُحضِروا المنبر فحضرنا فلما ارتقى درجة قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين)) فلما نزل قُلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كُنا نسمعه قال: ((إن جبريل عرَض لي فقال: بَعُد من أدرك رمضان فلم يُغفَر له. قلت: آمين. فلما رقيت الثانية قال: بَعُد من ذُكِرتَ عنده فلم يُصَل عليك. فقلت: آمين. فلما رقيت الثالثة قال: بعُد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يُدخلاه الجنة قلت: آمين)).

 

ولله - عز وجل - أيها الصائمون في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة من ليالي رمضان، فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن لله- تبارك وتعالى -عتقاء في كل يوم وليلة يعني من رمضان وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة أي لا تُرَد -)) فانتبهوا عباد الله لهذا الوقت واشغلوه بدَعوات صالحات. كم من مؤمن أيها الأحباب لم يُدرك هذا الشهر، بالأمس القريب مات جارٌ أو قريبٌ أو أخ أو صديق ولم يُدرك رمضان، فاحمَدوا الله - عز وجل - أن أبقاكم أحياءً ومنحَكم فرصة، فاغتنموها ولا تُضيِّعوها، ولينظر أحدنا ماذا أعدّ لرمضان، وكيف استعدَّ له؟ أنستعدّ له في تضييع أوقاته في السهر على المُحرّمات من شُربٍ, للمُخدِّرات والتمتّع بالأفلام والمُسلسلات الساقطات والجري وراء الشَهَوات، أو نستقبله بالإسراف والتبذير في المأكولات والتّلهٌّفِ على الملذّات. أم نستعدّ له بالحفلات والأغاني أم نستقبله بالمعاصي والحرام ومحاربة الملك الديّان.

 

إن الناس في استقبالهم لرمضان على صنفين اثنين.

أما الصنف الأول:

فهم الذين يفرحون بهذا الشهر ويُسرٌّون بقدومه، لأنهم عوَّدوا أنفسهم على الصيام ووطّنوها على تحمٌّله، ولهذا جاء في السنة النبوية استحباب صيام الاثنين والخميس وأيام البيض ويوم عرفة ويوم عاشوراء مع يوم قبله وصيام شعبان وغير ذلك من أنواع الصيام المُستحب الذي سنّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته ليعتادوا الصوم ويتزوَّدوا من التقوى. وأثر ذلك واضح في الواقع، فإنّك تجد الذي يصوم النفل لا يستثقل صيام رمضان بل هو عنده أمر يسير لا كُلفة فيه ولا عناء، وأما الذي لا يصوم شيئاً من النافلة فإنّ رمضان يكون عليه ثقيلاً شاقاً. ولقد كان السلف مِثالاً رائعاً في الحرص على النوافل، ورُوي عنهم في ذلك قصص عجيبة، من ذلك أن قوماً من السلف باعوا جاريةً لهم لأحد الناس فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان كما يصنع كثير من الناس اليوم، فلما رأت الجارية ذلك منهم قالت: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا لاستقبال شهر رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان، والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كأنّها كلٌّها رمضان، لا حاجة لي فيكم رُدّوني إليهم ورجعت إلى سيدها الأول.

 

ويروى أن الحسن بن صالح وهو أحد الزّهاد العُبّاد الأتقياء كان يقوم الليل هو وأخوه وأمّه ثلاثاً أي يقوم هو الثلث الأول، وأخوه الثلث الثاني، وأمّه الثلث الثالث فلما ماتت أمه صار يقوم هو نصف الليل وأخوه النصف الآخر، فلما تُوفي أخوه صار يقوم الليل كلّه. وكان لدى الحسن بن صالح هذا جارية، فاشتراها منه بعضهم فلما انتصف الليل عند سيدها الجديد قامت تصيح في الدار: الصلاة الصلاة.

فقاموا فَزعين وسألوها هل طلع الفجر؟ فقالت: وأنتم لا تُصلّون إلا المكتوبة؟ فلما أصبحت رجعت إلى الحسن بن صالح وقالت له: لقد بِِعتني إلى قوم سوء لا يُصلّون إلا الفريضة ولا يصومون إلا الفريضة، فردّني فردّني.

 

هؤلاء كانوا فرحين برمضان لأنهم يعلمون أن منع النفس وكفّها عن المَلذات في هذه الدنيا سبب نيلها في الآخرة فإنّ امتناع الصائم عن الأكل والشرب والجماع وسائر المُفطرات في نهار رمضان طاعة لله - عز وجل - يكون سبباً في حصوله على ألوان الملذّات الخالدة في الجنة فيقوى يقين المُتقين بذلك، تراهم يفرحون بقدوم هذا الشهر الكريم، وعلى العكس من ذلك حال المُنغمسين في الملذّات المّحرّمة في هذه الدنيا فإن انغماسهم فيها يكون سبباً في حرمانهم منها يوم القيامة. ألم يقل رسولنا - صلى الله عليه وسلم -: ((من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب)) وإنما يُحرم من شربها يوم القيامة وإن دخل الجنة عقاباً له على تمتّعه بخمر الدنيا وهي مُحرّمة عليه. وما يُقال في الخمر يقال في لبس الحرير للرجال فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) كذلك يفرح هؤلاء بهذا الشهر لأنهم يُدركون أنه من أعظم مواسم الطاعات والتنفس في القُربات، ويعلمون أن الله يُجري فيه من الأجور ما لا يُجري في غيره من الشهور، فلا عجب أن يفرحوا بقدومه فرح المشتاق بقدوم حبيبه الغائب أو أعظم من ذلك. هذا هو الصنف الأول من الناس في استقبال شهر رمضان.

 

وأما الصنف الثاني:

الذين يستقبلون هذا الشهر ويستعظمون مشقّته، فإذا نزل بهم فهو كالضيف الثقيل، يَعُدّون ساعاته وأيامه ولياليه، منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم يمضي منه حتى إذا قرُب العيد فرحوا بِدُنوّ خروج هذا الشهر، وهؤلاء إنما استثقلوا هذا الشهر وتطلّعوا إلى انتهائه لأنهم اعتادوا التوسٌّع في الملذات والشهوات من المآكل والمشارب فضلاً عن ارتكابهم للذات المُحرّمة كالنظر إلى النساء وعدمِ غضّ البصر وغيرها. فوجدوا في هذا الشهر مانعاً وقيداً يَحبِسهم عن شهَواتهم، ويَحول بينهم وبين ملذّاتهم، لذلك ثَقُل عليهم رمضان ولأنهم قوم عظُم تقصيرهم في الطاعات حتى إنّ منهم من قد يُفرِّط في الفرائض والواجبات، كالصلاة فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض الطاعات، فترى مَثلاً بعض المُفرِّطين والمُقصّرين يتردّدون في هذا الشهر على المساجد ويشهدون الجُمَع والجماعات ويواظبون على الصيام والصلاة، فبسبب هذا الالتزام الذي لم يألَفوه ولم يتعوَّدوا عليه استعظموا حِمل هذا الشهر، هكذا حال الذين يستقبلون رمضان لأنهم سيفارقون ما ألِفوه من الشهوات ويلتزمون ببعض العبادات هذا مع ضعف يقينهم بما أعدّه الله- تبارك وتعالى -للمؤمنين وعدم استحضارهم لِفضل هذا الشهر وما فيه من الأجور العظيمة، فلا عجَب ألا يجدوا من اللذة والفرح والسرور بهذا الضيف الكريم ما يجده الصادقون المؤمنون.

جعلني الله وإياكم ممن يَفرح بقدوم رمضان ويجتهد فيه للتقرٌّب إلى الله - عز وجل - إنّه وليّ ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.

 

الخطبة الثانية

أما بعد:

وماذا عن شهر رمضان، إنه شهر أنزل الله فيه كتابه وفتح فيه للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا وهو مسموع، ولا خير إلا وهو مجموع، ولا ضُر إلا وهو مدفوع، ولا عمل إلا وهو مرفوع، الظافر الميمون من اغتنم أوقاته، والخاسر المَغبون من أهمله ففاته، شهر جعله الله لذنوبكم تطهيراً ولسيئاتكم تكفيراً، ولمن أحسن منكم صُحبته ذخيرة ونوراً. ولمن وفّى بشرطه وقام بحقِّه فرحاً وسروراً، شهرٌ تَورَّع فيه أهل الفسق والفساد، وازداد فيه إلى الرغبة إلى الله أهل الجدّ والاجتهاد، شهر عمارات القلوب، وكفّارات الذنوب واختصاص المساجد بالازدحام والتحاشر، شهر فيه المساجد تُعمر، والمصابيح تزهر، والآيات تُذكر، والقلوب تُجبَر، والذنوب تُغفَر، شهر تُكثِر فيه الملائكة لصوّامه بالاستغفار ويَعتق فيه الجبّار في كل ليلة ويوم، وتنزل فيه البركات وتعظُم فيه الصدقات، وتكفر فيه النكبات، وتُرفع فيه الدرجات وتُرحم فيه العبَرات، وتنادي فيه الحور الحِسان من الجنّات: هنيئاً لكم يا معشر الصائمين والصائمات، والقائمين والقائمات بما أعدّ الله لكم من الخيرات، فقد غمرتكم البركات واستبشر بكم أهل الأرض والسماوات. فيا ليت شعري مَن المقبول منّا فنهنّئه بحسن عمله؟ أم ليت شعري من المطرود منّا فنعزّيه بسوء عمله؟

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي في هذا الشهر الكريم بوصيتين أرجو الله أن ينفعنا بهما،

 

أما الوصية الأولى:

فهي أن تَحمَد الله أيها الصائم على نعمة الله التي أسبغَها عليك، ومنها أن كتَب لك الحياة حتى بلغت رمضان فتذكّر أولئك الذين حنّت أرواحهم واشتاقت أنفسهم لبلوغ رمضان، قد مضى بهم القدَر وانقطع عنهم الأثر فهم اليوم في الأعماق تحت التراب. كانوا يتمنّوَن لقاء هذا الشهر فما بلغوا مُناهم، وما حقّقوا رَجاهم، وأنت أيها العبد قد وفّقك الله لذلك، فاذكر نعمة ربّك عليك، وقُل بلسان الحال والمقام: اللهم لك الحمد أن بلّغتني رمضان، وتذكّر أيضاً أيها الصائم إخواناً لك على الأَسِرّة البيضاء في المُستشفيات شفاهم الله قد منعَتهم الأمراض وحالت بينهم وبين الصيام والقيام تَذكّر هؤلاء الناس الذين ودّوا أن يصوموا فما استطاعوا وودّوا أن يقوموا فما تمكّنوا، فاذكر أيها العبد ما تتمتّع به من العافية، وانظر إلى جسدك وهو تغمرُه الصحة الغالية فإذا تَذكرت ذلك فاسأل الله دوام العافية، واسأله أن يعينك على دوام الطاعة والإنابة إليه. ثم تذكّر أيها العبد أنّ صيامك إنما هو لله فإن جُعت لله وعطشت لله فلا تؤثِّر فيه نزَغات الشيطان من الجن والإنس، وتذكّر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرفُث ولا يَصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم)). فكُن على حذر من هذا حتى لا تُضيع صيامك.

 

وأما الوصية الثانية:

فهي للقائمين. إذا وفّقَك الله لأن تقوم ليالي رمضان فاحرص على أن يكون خروجك من بيتك لصلاة التراويح لله - عز وجل - لا تُريد إلا وجهه، ولا يكون في قلبك إلا ما أعدّه الله للقائمين فقد قال نبيّك - صلى الله عليه وسلم -: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)). واعلم أنه ما رَفعتَ خطوة وأنت ذاهب إلى المسجد إلا رفعَك الله بها درجة وما وضعت قدَماً إلا حطّت عنك سيئة، فكم من أُناس وقفوا بين يدي الملك العلاّم وهم في القيام أوجب الله لهم دار السلام. وكم من أناس اجتهدوا في القيام في جوف الليل فما كان حظٌّهم إلاّ التعب والسهر. فالإخلاص الإخلاص عباد الله، وإيّاك أيها العبد أن تَمَلَّ وأنت قائم فكم من أُناس يستثقلون آية يسمعونها وهم قيام خَلف إمامهم ولكنهم لا يَملٌّون الحديث وهم في مجالس الغيبة والنميمة فإيّاك أن تَبخَس أعمالك وأنت لا تَشعر. فاصبروا على قيامكم وتَذكّروا أنه أهون وأخف من قيامكم يوم الحشر بين يدَي ربكم. واحتسبوا أجر القيام عند ربّكم. كما أُوصيكم وأنتم قائمون أن تسمعوا وتُنصِتوا وتتدبّروا في الآيات التي تسمعونها واعرضوها على أعمالكم، فإن وجدتم أنفسكم معها طائعين فاحمَدوا الله واسألوه الثبات على ذلك، وإن وجدتم أنفسكم مُخالفين أو مُقصِّرين فتوبوا إلى ربكم وأصلحوا ما أفسدتم وتداركوا ما فاتكم فَفُرصة هذا الشهر بين أيديكم، فاللهم وفِّقنا لاغتنامها والإكثار من العمل الصالح فيها وانفعنا بالصيام والقيام وبما نقول وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أنّ لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply