وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين وبيان حقه على الخلق أجمعين


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما زالت تتوالى هجمات أعداء الإسلام في محاربته، وتسلك السٌّبل للقضاء عليه بأي وسيلة كانت، حتى وصل الأمر بهم إلى الاستهزاء والسخرية بالرحمة المهداة بالنبي محمد – صلى الله عليه وسلم- ، ليعطوا تصوٌّراً سيئاً ومغلوطاً لأتباعهم وشعوبهم النصرانية عن نبي هذا الدين العظيم، وأن هذا الدين لا يستحق الاهتمام والاتباع له كحال نبيه – صلى الله عليه وسلم - ، وهدفهم الطعن في نبوته، والقدح في رسالته، وإسقاط دعوته، وصد الناس عن الإسلام.

وما ذلك إلا لأن الدين الإسلامي ينتشر انتشاراً سريعاً، ويتوالى الناس في اعتناقه، في بلدانهم الكافرة بينما النصارى عقدهم في انفراط، وتنازل عنه كبارهم قبل عامتهم، وسبب هذا الانفراط هو التحرٌّر من دينهم لمّا رأوه مصادماً للعقل والفطرة، ورأوا أهله تسلطوا به على حياتهم، فحاربوه وحاربوهم، وحولوا الحياة عندهم إلى الاتجاه المعاكسº إلى \"الليبرالية\"، و\"الديمقراطية\" اللادينية، ولم يهتدوا إلى الإسلام، إذ لم يراعوا في تحوّلهم هذا أن الله خلق الإنسان مركباً من جسدٍ, وروحٍ, مشتركين لا يستغني أحدهما عن الآخر فغذاء الروح العبادة، وغذاء الجسد الطعام، فالعبادة للخالق وهو الله. قال - تعالى -: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) {الذاريات: 56، 57}.

لذلك فإن اتباع هذا التحول -ومن يُرَيده من بني جِلدَتِنا وجِلدَتِهم- هم الذين يكرهون الدِّين، ويسبّون رَسولَ الله سواء كان محمداً، أو عيسى، أو موسى -صلوات الله وسلامه عليهم- يريدونها عبادةً للشهوات والأهواء، وسَلخاً للناس عن ربهم ودينهم.

فوجب على كل مسلم ومسلمة الذب عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين.

منزلة رسول الله {محمد بن عبد الله، وموقف أهل الكتاب منه:

لم يخلق اللهُ الخلقَ عبثاً، ولم يُنزِّل الشرائع على الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ليلقوها إلى الناس تسليةً، إنما خلق اللهُ الخلقَ ليعبدوه وحده لا شريك له، ويتبعوا رُسُلَه ويعظموهم، فهم طريقهم ودليلهم للنجاة والهدى.

ولذلك لمّا خلق الله آدم استخرج ذريته من ظهره وأخذ عليهم الميثاق كما قال - تعالى -: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا172 {الأعراف: 172}.

وأخذ الله - عز وجل - الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، قال - عز وجل -: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 81 {آل عمران: 81}.

فما كان من أهل الكتاب إلاَّ أن كتموا ذلك وأخفوهº حتى لا يصدق الناس بالكتاب المصدِّق لما معهم، فقال الله عنهم: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين 89 {البقرة: 89}.

ورسولُ الله محمدٌ – صلى الله عليه وسلم - شرَّفه الله بأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن دينه خاتم وناسخ لما قبله من الشرائع، وكتابه (القرآن) ناسخ لما قبله من الكتب والألواح.

فَضلُ الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم - على العالمين عامة، وعلى أمته خاصة:

كرَّم الله الخَلقَ بهذا النبيِّ الأميِّ محمد -صلوات الله وسلامه عليه- فكان رحمة للعالمين، وبالمؤمنين رؤوف رحيم.

فَضلُ محمدٍ, – صلى الله عليه وسلم - على (أهل الكتاب): فقد كان رحمة، لأنه جاهد أهل الكتاب وغيرهم لإنقاذهم وإقامة العدل فيهم، لا لاستعبادهم، بعثه الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد.

وبُعِثَ محمد – صلى الله عليه وسلم - ليُحِلَ لهم ما كانوا حرَّموه على أنفسهم من الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث مما هو خبيث ضار في البدن ومنافٍ, للدين، وجاء محمد – صلى الله عليه وسلم - بالتيسير والسماحة ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

قال - تعالى -: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون 157 {الأعراف: 157}.

وما عرف أهلُ الكتاب الحضارة العلمية إلا من حضارة الإسلام، إذ كانوا قبله في تخلٌّف.

وأما فَضلُه على أمته فقد كان بهم رؤوفاً رحيماً، ومن ذلك:

*ما من نبيِّ عصاه قومه وآذوه إلاّ دعا عليهم فأهلكهم الله، إلا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم - ، فإنه لم يدعُ على أمته وقومه لمَّا آذوه، بل دعا لهم وقال: \"بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبُد الله وحده لا يشرك به شيئاً\" (متفق عليه: البخاري3-3059، ومسلم 3-1795).

فأنت أيٌّها المسلم بقيةٌ من هؤلاء الذين من الله عليهم ببعثة سيد المرسلين، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

*وكذا في الإسراء والمعراج لمَّا أوجب الله الصلاة خمسين صلاة في اليوم والليلة، فراجع محمد – صلى الله عليه وسلم - ربَّه فيها لسؤال موسى واستشارة جبرائيل - عليهما السلام -، وشرح الله صدره كذلكº حتى أصبحت خمس صلواتٍ, بأجر خمسين. (متفق عليه: البخاري1-342، ومسلم 1-162).

*لم يُخيَّر بين أمرين من الأمور إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. (متفق عليه: البخاري6-6404، ومسلم 4-2327)، فاختار اللبن على الخمر لما عرضا عليه، فَهُدِيَ للفطرة، ولو اختار الخمر لغوت أمته. (متفق عليه: البخاري4-4432، ومسلم 3-168).

هذا في الدنيا.

أمّا في الآخرة فالشفاعة الكبرى لكل من قال: \"لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه\"(1) محمدٌ رسولُ الله\" من أمته خالصًا من قلبه، فرسولُ الله {ادَّخر شفاعته عند ربه - عز وجل - لأمته، لأهل الكبائر منهم، لرحمته وشفقته بهم – صلى الله عليه وسلم - .

حقٌّ محمدٍ, – صلى الله عليه وسلم - على أمته:

إنَّ محمداً – صلى الله عليه وسلم - هو نبيٌّ الله ورسوله وخاتم الأنبياء والمرسلين، أرسله الله للأمة، ووصفه بالرأفة والرحمة بهم يَعِزٌّ عليه ما يعنتهم، حريص على هدايتهم، قال - تعالى -: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم 128 {التوبة: 128}.

فأمر الله أمته باتباعه وطاعته قال - تعالى -: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم 33 {محمد: 33}، وجعل طاعة محمد – صلى الله عليه وسلم - طاعة له، قال - تعالى -: من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى\" فما أرسلناك عليهم حفيظا 80 {النساء: 80}.

فَحَقٌّ محمدٍ, – صلى الله عليه وسلم - على أمته:

1- الإيمان بأنه رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان به أحد ركني شهادة التوحيد (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فلا إسلام لمن لم يؤمن به.

2- التصديق بكل ما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم - وصحَّ عنه من شريعته في العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، وغير ذلك من شؤون الحياة، وعدم جحدها أو شيء منها.

3- محبته – صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه واتباع سنته قولاً وعملاً، وذِكرُه بالصلاة عليه في الأوراد والأذكار التي شرعها رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، كالتشهد في كل صلاةٍ,، وبعد الأذان، ويوم الجمعة وليلتها، وتقديم محبته – صلى الله عليه وسلم - على كلِّ شيء، كما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين\" (متفق عليه: البخاري1-15، ومسلم 1-44).

4- أمانة الراعي على رعيتهº فكل أب أو أم أو زوج أو مسئول -وكذا كل راعٍ,- أن يُعلِّم رعيته وجوب محبة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم - والاقتداء بسنته وتطبيقها في كل شئون حياته، وتصديق أخباره، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرعه.

5- من حقِّ محمد – صلى الله عليه وسلم - على أمته حفظ حقوق أصحابه - رضوان الله عليهم- بتوليهم والترضي عنهم، والكف عن مساوئهم، واعتقاد فضلهم، ومنزلتهم وسبقهم، الذين اختارهم الله لصحبة رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم - ، وهم الذين آووه ونصروه وعزّروه ونشروا شريعته وبلّغوها لمن بعدهم.

ولذا قال محمد – صلى الله عليه وسلم - في الأنصار: \"لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلاَّ منافق، من أحبهم أحبَّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\" (متفق عليه: البخاري7-3783، ومسلم 1-75).

فأذية أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم - إنما هي أذية لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - نفسه، وأذيّة محمد – صلى الله عليه وسلم - إنما هي أذيّة لله - عز وجل -.

ومن عادى محمداً – صلى الله عليه وسلم - فإنه عدو لله - عز وجل -، قال - تعالى -: من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين 98 {البقرة: 98}.

6-ومع كل ما تقدم فإن محبة النبي  – صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه وإعطاءه حقوقه بلا إفراط ولا تفريط:

الأول: لا إفراط في حقه – صلى الله عليه وسلم - بالغلو، بحيث يُشرك في حقِّ من حقوق الله كالدعاء والتوسل والرجاء والخوف، وأيِّ نوع من أنواع العبادة التي هي حق لله وحده لا شريك له.

الثاني: لا تفريط في حقه  – صلى الله عليه وسلم - ولا جفاء بإنزاله عن منزلته التي أنزله الله إياها وكترك الإيمان به أو تصديق ما جاء به أو بعضه أو عدم تعظيمه، أو عدم الاعتراف برسالته، أو اعتقاد أنها خاصة بالعرب، أو اعتقاد أن بعده نبي، أو غير ذلك من أنواع جفائه – صلى الله عليه وسلم - .

عقوبة الجناية على شخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أو سننه:

إن الله اختار من خلقه الصفوة منهم وجعلهم أنبياءه ورسله، وأنزل معهم كتبه وشرائعه ليبينوها للناس. قال - تعالى -: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين 33 {آل عمران: 33}.

وإن الله - عز وجل - خصَّ رسوله محمداً – صلى الله عليه وسلم - بكونه خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته عامة للثقلين: الجن والإنس، وأوجب الإيمان به، واتباعه، وتعزيره، وتوقيره، والعمل بشريعته، على جميع الناس، وذكر أوصافه في كتب الأنبياء السابقين، وأوصاف أصحابه، وذكر مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل، قال - تعالى -: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما 29 {الفتح: 29}.

لذا فإن عاقبة من سبَّ أو استهزأ بشخص رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم - -وكذا جميع أنبياء الله ورسله - وخيمةٌ، وظهور عقوبة الله فيهم على مرِّ الزمان معروفة معلومة. قال - تعالى -: والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم 61 {التوبة: 61}، وقال - تعالى -: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57}، وقال - تعالى -: إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين 5 يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد 6 {المجادلة: 5، 6}، وقال - تعالى -: إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين 20 كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز 21 {المجادلة: 20، 21}.

أما موقف المسلم من المحادِّ لله ولرسوله فقد ذكره الله في الآية التي بعدها من سورة المجادلة قال - تعالى -: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون 22 {المجادلة: 22}.

وأهل الكتاب الكفار أقدموا على قتل أنبياء الله ورسله، اتّباعاً لشهواتهم وأهوائهم، قال - تعالى -: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون 87 {البقرة: 87}.

وكل من كفر بالله ورسله فإن له معيشة ضنكاً، قال - تعالى -: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى 124 {طه: 124}، لا يخرجه منها إلا أن يؤمن بالله ربَّاً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ, – صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً.

وفي الآخرة يُحشر أعمى، كما قال في آخر الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى 124 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا 125 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى 126 وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى 127 {طه: 124 - 127}.

هذا جزاء الكافرين ومصيرهم في الدنيا والآخرة، والمستهزئ بالرسول – صلى الله عليه وسلم - والساخر به لهم النصيب الأوفر من العذاب والخزي، والنكال في الدنيا وفي دار القرار.

نسأل الله السلامة والعافية من الفتن والمحن، ونسأله أن يرزقنا الإيمان بالله وبرسله، وأن يرزقنا محبة نبينا – صلى الله عليه وسلم - ، وتوقيره، وتعظيمه، والإيمان به، وتصديقه، والعمل بشريعته ظاهراً وباطناً، وأن يرزقنا الثبات على الإيمان والاستقامة على دين الله القويم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا، وقدوتنا، وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى أزواجه وذريته وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply