شعائر الله وعلاقتها بالأمن الفكري


بسم الله الرحمن الرحيم

 

عملية الغزو الثقافي الفكري الهائلة، لا تستطيع قوة الفكر لوحدها أن تقف في وجهها، وتحدّ من قدرتها في التأثير على المجتمـعات الإسلاميةº فالفـكر المجرّد الجاف قد يفقد قابليته على التحدي والمقاومة إذا لم يكن نافذاً إلى أعماق النفس الإنسانية، وإذا لم يخرج من الذهن إلى الروح فيمتزج معها ويتحول من مجرد قناعة فكرية إلى عملية انشداد نفسي وتلبس كامل لا يقبل الانفصام، ومن هنا جاءت الإشارة في أول سورة نزلت من السماء إلى الأرضº فقال - تعالى - في مطلع سورة العلق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) هذا في جانب القراءة والفكر، وختم السورة بأهمية العبادة مع الفكرº فقال - سبحانه -: (كلا لا تطعه واسجد واقتراب).

فالعلم والفكر والتفكر، وكثرة السجود والاقتراب منه - سبحانه - يمثلان صمام الأمن بالنسبة للمفكر الإسلامي من الانحراف وطاعة الشيطان والأهواء والسقوط عن الطريق (كلا. لا تطعه)!!.

 

ولعل الساحة الإسلامية المعاصرة فيها قائمة من المفكرين والمنظرين المحسوبين على جهة إسلامية معينة قد انسلخوا آخر المطاف عن مذاهبهم الّتي طالما رفعوا لواءها ونادوا بها ودافعوا عنها، والسبب بسيط جداً، وهو أن هؤلاء لم تكن قناعاتهم الفكرية قد انعكست على نفسياتهم ونفذت إلى قلوبهمº بل ظلت محصورة ضمن جدران الذهن.

 

والإسلام وإدراكاً منه لهذه النقطة بالذات أولى الجانب النفسي والروحي للإنسان المسلم أهمية كبيرة، ولم يقصر تربيته للمسلم على الجانب الفكريº بل على الجانب النفسي أيضاً، إن لم يكن اهتمامه بهذا الجانب يفوق اهتمامه بالجانب الأول.

 

لقد أكّد الإسلام على ضرورة الانشداد النفسي للمبدأ والتفاعل الروحي مع الفكرة الإسلامية، والتمازج الفكري النفسي من أجل أن تكون الشخصية الإسلامية شخصية قوية ومؤثرة في الحياة الاجتماعية، وقادرة على أداء دورها الرسالي في هذا الكون، وإيصال صوت الإسلام إلى كل مكان، ومن أجل أن تتحصن بالوقاية من كافة الأمراض والأوبئة الفكرية والثقافية الّتي لابدّ وأن تواجهها خلال عملية الصراع المستمر بين الخير والشر، وبين الفكر التوحيدي والأفكار المادية القائمة على الانحراف، قال – تعالى -: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) ذكر وتفكر وقال: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) كثرة سجود واقتراب في أوقات الاستجابة، وبهذين الأمرين الفكر والذكر كانوا أئمة الدين والدينا (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

 

ولا يخفى أن العبادات الإسلامية عامل صيانة، وعنصر وقاية فاعل يقي الإنسان المسلم من كل عوامل التهديد الفكري والثقافي، لا سيّما إذا قامت على القناعة ومورست بوعي وتعبّد صادق، نظراً لما تضخه في النفس الإنسانية من طاقات هائلة من الانجذاب إلى الفكر الّذي تحمله، والتفاعل معه بشكل يجعل من المستحيل على الأفكار المضادة أن تؤثر عليها.

ومن هنا ندرك أن المفكر الإسلامي يجب أن يتمتع برصيد عبادي كبير، وأن يكون الجانب التعبدي لديه قوياً جداً بحيث يستطيع به أن يخوض عباب الحياة الاجتماعية غير عابئ بكل ما يواجهه خلال تلك العملية الشاقة من ضغوط وتحديات ومخاطر، لأنّ الطاقة العبادية الّتي يمتلكها تذلل كلّ العقباتº بل وستخلق لديه شعوراً باللذّة وهو يرى أن كلّ ما يتعرض له إنّما هو في سبيل الله ومن أجله، وفي طريق الوصول إليه سبحانه.

ويصح القول بعد ذلك: إنه لا يمكن للمفكر الإسلامي أن يكون مفكراً إسلامياً بالمعنى الصحيح لمجرد أنّه يحمل أفكاراً إسلامية، ويمتلك رصيداً فكرياً إسلامياًº بل لابدّ وأن يكون متعبداً تمام العبودية لله تعالى، وعلى اتّصال قوي به سبحانه، من أجل ألا تبنى تلك الأفكار على فراغ، وألا تظل مجرد أفكار عائمة في الذهنº بل تتفاعل مع الروح، وتنطبع في الضمير، وتتجذر في النفس، وبهذا فقط يمكن للأفكار الإسلامية أن تكون رصينة ومحكمة ومؤثرة، وذات حظ كبير من القدرة على مقاومة أعاصير الأفكار المضادة، كما قال – تعالى -: ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)، ثم قال – سبحانه -: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) فعينة الله مع الذاكرين والشاكرين والمصلين والصابرين، والله مع المحسنين!.

 

فالجانب العبادي إذاً يلعب دوراً كبيراً في تعزيز الجانب الفكري ووقايته من كافة ما يمكن أن يواجه من أخطار، وهو ما يكشف عن عظم المسؤولية الملقاة على عاتق علماء المسلمين ومفكريهم في الاهتمام بالجانب العبادي لديهم، والارتفاع به كي يشكل مع الجانب الفكري حصانة تتصدى لكافة التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، وكي يؤدي المفكر المسلم دوره الرسالي المناط به أحسن أداء، ولا معنى لتلك الادعاءات الفارغة الّتي يطلقها والّتي تقلل من أهمية الجانب العبادي والممارسات التعبدية، وتكتفي بالإيمان الغريزي وتؤكد أكثر ما تؤكد على تعزيز الجانب الفكري فحسب!!

 

فالممارسة العبادية والارتباط الدائم بالله تعالى والالتحام به من خلال تلك الممارسة، هي الضمانة الأقوى، إن لم تكن الوحيدة للحفاظ على الشخصية الإسلامية، وصيانة الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، وإذا عرفنا ذلك استطعنا أن نستنتج عمق وسعة التدريب الروحي والنفسي الّذي يمارسه الإنسان من خلال العبادات المتنوعة، على القصد الموضوعي وعلى البذل والعطاء، وعلى العمل من أجل هدف أكبر في كل الحقول المختلفة للجهد البشري.

 

باختصار نقول: إنّ بقاء المسلم على ارتباط بالله - تعالى - من خلال الممارسات العبادية المستمرةº سيحفظ له فكره وثقافته وصلته القوية بالإسلام، ويحافظ على هويته الإسلامية، ويُفشل أية محاولة غريبة يراد بها مسخ هذه الهوية وإضاعتهاº لأنّ العابد الحقيقي هو الّذي يطبق في حياته ما تحدث به مع الله في عبادته، والعبادة بالنسبة إليه «عهد» والحياة (ساحة الوفاء بهذا العهد)، وهذا العهد يشتمل على شرطين أساسيين: الأولº التحرر من كل حاكمية، والثانيº التسليم المحض أمام ما أراده الله وارتضاه وندب إليه في كتابه العزيز وسنة نبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply