موقف الآخر من قضية الولاء والبراء


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فلقد كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن قضية علاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى سواءً كانت سماوية أو أرضية، وظهرت مصطلحات قديمة تم استحضارها من سلة مهملات التاريخ مثل [زمالة الأديان] [السلام العالمي] [الإنسانية الدولية] إلى غير ذلك من الأفكار التي تم استيرادها خصيصاً لإثارة الجدل والشبه والشكوك على عقيدة المسلمين، ومن المصطلحات الحديثة التي ظهرت في الفترة الأخيرة [مصطلح الآخر] ويقصد بالآخر غير المسلم الذين هم عادة اليهود والنصارى المقيمين داخل البلدان الإسلامية كأقلية وسط المجتمعات المسلمة، ولما كان هذا المصطلح كسابقيه يخفي تحت جمال ظاهره الكثير من الأباطيل والحقائق فوجب علينا أن نوضح العديد من الحقائق التاريخية في قضية الآخر.

إن عداوة حزب الشيطان وأولياءه لحزب الرحمن وأولياءه عداوة أبدية باقية ببقاء الفريقين، فطالما هناك خير فهناك شر، وطالما هناك أهل للحق فهناك أهل للباطل، ولما كانت هذه العداوة باقية أبداً إلى أن يرث الله - عز وجل - الأرض ومن عليها فإنها حتماً ولابد أن تتطور وتختلف أساليبها باختلاف الزمان، وتبعاً لطبيعة المرحلة تكون المواجهة، ولكل زمان سلاحه، فقديماً كانت الحرب بالسيف والسهم، والآن بالصواريخ والطائرات، وقديماً كانت حرب الإسلام بالغزو والاحتلال حال ضعف المسلمين، وبالكيد والمكر والشائعات حال قوتهم، وأعداء الإسلام ما فتؤوا يطورون أساليبهم القتالية ضد أمة الإسلام، بل إنهم يغيرون أساليبهم الشريرة من بلد لآخر فما يناسب بلداً قد لا يناسب الآخر، فمثلاً: كان الغزو والاحتلال أسلوبهم في أفغانستان أو العراق لضعف البلدين، ووجود المنافقين فيها، وكانت السيطرة الاقتصادية والتحكم في المعونات أسلوبهم مع مصر والأردن وغيرهما، وهكذا ومن الأسلحة الجديدة والتي ليست حقاً بجديدة لأنه قد سبق استخدامها وبنجاح هو سلاح خطير اسمه [اضطهاد الآخر] أو [كبت الحريات الدينية عند الأقليات غير المسلمة]، فلقد تم التلويح بهذا السلاح الخطير لمصر والسعودية [على الرغم من خلو السعودية من غير المسلمين]، وقاومت مصر قليلاً ولكنها سرعان ما خضعت للتهديدات الأمريكية، وجاءت التنازلات تترى بعد إلغاء الخط الهمايوني، وتعيين بعض الأقباط في وزارات هامة سيادية [مثل يوسف غالي وزير الاقتصاد ]، ثم توجت التنازلات بإقرار يوم عيد الأقباط الأرثوذكس [7 يناير] إجازة رسمية في البلاد كلها.

والعجيب أن المسلمين نتيجة جهلهم بدينهم وبتاريخهم يجعلون أمثال تلك الشبهات والتهم، تروج عليهم فيقعون صرعى حمى التأويل الدفاعي للإسلام، وتعقد المؤتمرات للدفاع عن الإسلام ضد هجمات أعداءه، وينبري العلماء للدفاع عنه بصورة كأننا مخطؤون ومذنبون، يقفون موقف المدافع ابتداءً، وتراهم يؤولون ويشوهون حقائق الإسلام من حيث لا يشعرون، وهذا يذكرنا من قبل عندما احتل الإنجليز مصر بدعوى حماية الأقباط، ونشروا الشائعات عن ذلك فانبرى العلماء والمشايخ للدفاع ويا ليتهم ما قالوا، قال الشيخ المراغي [شيخ الأزهر السابق] في رسالة بعث بها إلى مؤتمر الأديان العالمي: [اقتلع الإسلام من قلوب المسلمين جذور الحقد الديني بالنسبة لأتباع الديانات السماوية الأخرى، وأقر بوجود زمالة عالمية بين أفراد النوع البشري، ولم يمانع أن تتعايش الأديان جنباً إلى جنب]، وهذه عينة مما يمكن أن تنتجه حملات التشكيك على عقيدة المسلمين.

ولا أريد أن أطيل عليكم إنما بالجملة كانت التهمة والسلاح الجديد المحارب به المسلمين هو [اضطهادهم للآخر]، وتمسكهم بعقيدتهم الناصعة [عقيدة الولاء والبراء]، ولكن السؤال الذي يثور في هذا المقام والذي يجب أن نجيب عليه للمسلمين ليس لغيرهم - لأن الأعداء لا يعنونا في هذا المقام بشيء، لأنه مهما حشدنا عليهم من حجج وأدلة لا يفيد ذلك، ولا يغير من عداوتهم للمسلمين -، هذا السؤال هو: ما موقف الآخر منا، ومن مجتمعه، ومن قضية الولاء والبراء التي يطالب أعداء الإسلام بالتخلي عنها لصالح الإنسانية والزمالة العالمية؟

هم يطلبون منا أن نحبهم ونتولّاهم ونجعلهم كالمسلمين بقلوبنا قبل أجسادنا فهلا سألوا [الآخر] عن موقفه من المسلمين؟ هل قرأوا في كتب التاريخ عن أفعال أهل الذمة [الآخر] مع المسلمين؟ ثم هل قرأوا في أحداث التاريخ عن موقف المسلمين إذا كانوا أقلية وأصبحوا هم [الآخر] في مجتمع غير مسلم، وكيف تصرف وتعامل معهم الأكثرية؟

سوف نطوف في أحداث التاريخ الإسلام لنرى حجم الجرائم التي ارتكبها [الآخر] في حق مجتمعه المسلم والبلد المسلم، ولنرى هل كان [الآخر] فعلاً يشعر أنه [مواطن] في بلده المسلم؟ ولنرى أيضاً مدى كان موقفه من قضية الولاء والبراء التي طالما طلب ما أعداء الإسلام أن نتخلى عنها من أجل عيون [الآخر] وحتى تحقق [الإخوة الإنسانية] و[زمالة الأديان] و[السلام العالمي] وعند السرد يتضح الخبر.



الآخر ودوره في سقوط الأندلس:

عندما فتح المسلمون الأندلس كان أهلها من النصارى وبعضهم من اليهود لم يعاملهم المسلمون معاملة الفاتح المتجبر الذي يستبيح الديار والأعراض، ولم يكرههم على ترك دينهم، إنما ترك لهم حرية الاعتقاد، وقامت دولة الإسلام في الأندلس بقوة وتمكن خاصة في عهد الدولة الأموية وعبد الرحمن الداخل ومن جاء بعده، وكان النصارى المعاهدون [الآخر] قد أصبحوا أقلية بسبب إسلام معظم أهل الأندلس بعد الفتح اختياراً لا إجباراً، وكان [الآخر] يعيش آمناً مطمئناً على داره وعرضه وماله في ظل الحكومة الإسلامية، وكانوا يستوطنون القواعد الأندلسية الكبرى مثل قرطبة، وإشبيلية، وطليطلة وبلنسية وسرقسطة، ويتمتع النابهون من أبناء [الآخر] بعطف الخلفاء وثقتهم وتقديرهم، ويشغل الكثير منهم مناصب هامة في الإدارة، وفي القصر [لاحظ أن هذا مخالف لما يجب أن تكون عليه عقيدة الولاء والبراء بين المسلمين، وما ورد من النهي عن اتخاذهم بطانة من دون المسلمين].

فلما سقطت دولة الخلافة الأموية بالأندلس وقامت دولة الطوائف المشؤومة على الإسلام والمسلمين طرأ تغيير ملحوظ على أحوال النصارى المعاهدين [الآخر] حيث تمتعوا بحرية مطلقة في كل شيء أكبر من الأول بكثير، واعتنى ملوك الطوائف بالآخر بشدة وأولاهم رعاية فائقة، وبذلوا جهوداً كبيراً في تأمين [الآخر] وحمايته، وكسب مودته، وكان ملوك قرطبة وإشبيلية وسرقسطة يتسابقون في العطف على [الآخر]، وكانت بواعث هذه السياسة الودية واضحةº ذلك لأن أسبانيا النصرانية في تلك المرحلة كانت بدأت تتفوق على الأندلس المسلمة، وبدأت تشن ما يسمى بـ [حرب الاسترداد]، وكان ملوك الطوائف يشعرون في [الآخر] أنه مكمن للخطر والدسائس، وكان بنو عباد ملوك قرطبة أكثر الناس تسامحاً مع [الآخر]، وبلاط بني عباد يغص بالنصارى واليهود، وعلى شاكلته كان باقي الملوك فهذا [عبد الله بن بلقين] يصطنع النصارى، ويعتمد على الفرسان النصارى، ويتخذهم نصحاء وأمناء ووزراء يعاونوه في حربه ضد المسلمين!، وهذا ابن هود نكبة الإسلام في شمال شرق الأندلس كان أكبر ملوك الطوائف تسامحاً نحو [الآخر]، ويعتمد على مخالفة [الآخر] في كل مشاريعه ضد المسلمين، وكان هو السبب وراء بطولة الفارس الصليبي الشهير [الكمبيادور].

هذه كانت حالة [الآخر] في ظل حكم المسلمين بالأندلس رفاهية وأمان، ورعاية وحماية، ووزارة وبطانة، وكلها أمور يجب أن تجعل ولاءهم الأول لهذا الحكم وهذا المجتمع، ولكن كيف كان رد فعل الآخر تجاه كل هذه المزايا والنعيم؟

كان [الآخر] أو النصارى المعاهدون بالرغم من هذه الرعاية والحماية، وهذا التسامح الكبير من جانب ملوك الطوائف لم يشعروا أبداً أنهم جزء من المجتمع المسلم، ولم يشعروا قط بعاطفة من الولاء نحو تلك الحكومة المسلمة التي كانت تبذل وسعها لحمايتهم واسترضائهم، بل لبثوا دائماً على ضغنهم وخصومتهم لها، وتربصهم بها ينتهزون أية فرصة للإيقاع بها، وممالأة ملوك أسبانيا النصرانية ومعونتهم بكل وسيلة على محاربتها، وتسهيل مهمتهم في غزوها، والتنكيل بها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

أ ـ حصار قلمرية سنة 456 هـ: وفيه قام [الآخر] أو النصارى المعاهدون، وقد كانوا كثرة في هذه المنطقة بدور بارز في معاونة الجيش الأسباني الصليبي، وقام رهبان دير [لورفان] القريب من قلمرية بمؤنهم المختزنة بإمداد الجيش الصليبي ودلوهم على عورات المدنية حتى سقطت بيد الصليبيين.

ب ـ سقوط طليطلة سنة 478 هـ: دأب [الآخر] في طليطلة على تدبير الدسائس وبث الفتن والاضطرابات داخل المدينة، والاتصال المستمر بألفونسو الصليبي زعيم صليبي أسبانيا، ومؤازرة الناقمين من المسلمين الأغبياء ضد الحكومة القائمة، والعمل على تحطيم كل جبهة حقيقية للمقاومة، ولعب [الآخر] دوره على أكمل وجه حتى سقطت طليطلة بيد ألفونسو الصليبي سنة 478 هـ.

جـ ـ غزوة الأندلس الكبرى 519 هـ: هذه الغزوة تمثل قمة الاجتراء والخيانة، وذروة نكران الجميل من جانب [الآخر] عندما قام النصارى المعاهدون باستدعاء [ألفونسو الأرجوني] المعروف بالمحارب، وكان أخوي ملوك الصليبيين وقتها لغزو الأندلس واحتلالها ووعدوه بانضمام عشرات الألوف منهم، وأرسلوا له بأسمائهم في عرايض لضمان ولائهم، ووعدوه بالمساعدة بالذخائر والمؤن والأرواح والدماء، وبالفعل قام ألفونسو المحارب بغزوته الشهيرة، واخترق قواعد الأندلس يعيث فيها فساداً، وجنود [الآخر] ينضمون إليه أثناء سيره يدلونه على المسالك والطرق ومداخل البلاد، ولكن بفضل الله - عز وجل - وحده فشلت تلك الغزوة الجريئة، وعاد ألفونسو خائباً فما كان من [الآخر] إلا أن شعر بخطورة موقفه ففر ورحل في صحبة [ألفونسو] وترك دياره وأهله.

بالجملة كان [الآخر] في الأندلس نكبة على البلاد والعباد، ورغم كل ما لاقاه من عون ورعاية وحماية من الحكومات الإسلامية، وكانوا طابوراً خامساً للأعداء، وهذا ما أقر به مؤرخي الصليبيين أنفسهم فهذا الأستاذ [بيدال] يقول: [إن نجم المعاهدين قد بزغ ثانية عقب انحلال الدولة الأندلسية، وقيام دول الطوائف الضعيفة، واستطاعوا أن يؤدوا خدمات جليلة لقضية النصرانية، والاسترداد النصراني]، بل إن الحرية الممنوحة لـ [الآخر] دفعته لئن يتطاول على المسلمين وأصلهم كما نرى من الرسالة الشهيرة التي كتبها [ابن جرسيا] في تفضيل العجم على العرب سنة 450 هـ، وهي رسالة تفيض تحاملاً ضد الجنس العربي، وتنوه بوضاعة منبته، وخسيس صفاته، وحقارة عيشه، وميوله وانغماسه في شهوات الجنس، وتشيد بالعكس بصفات العجم [كل من ليس عربي]، وترفعهم عن الشهوات الدنية، وتبحرهم في العلوم وغير ذلك، مما يوضح نتاج سياسة التسامح واللين مع [الآخر] والجدير بالذكر أن خيانات وجرائم [الآخر] المتكررة دفعت فقهاء المسلمين لئن يحملوا الحكام على عقابهم كما حدث من كبير فقهاء الأندلس [ابن رشد الجد] عندما أصدر فتوى بوجوب تغريب [الآخر] المعاهدين من الأندلس إلى المغرب، وذلك سنة 521 هـ، في عهد أمير المسلمين على بن يوسف.



الآخر ودوره مع التتار في دمشق:

دائماً يذكر المؤرخون أن سبب خروج التتار على بلاد المسلمين كان بسبب ما وقع بين جنكيز خان ملك التتار وعلاء الدين خوارزم ملك المسلمين وقتها، ولكن السبب الحقيقي الذي ذكره المحققون من المؤرخين هو الكيد الصليبي الذي خاف من إسلام قبائل التتر باحتكاكهم مع المسلمين كما حدث لأبناء عمومتهم من الترك مثل السلاجقة والتركمان، والذي لو وقع لأصبح المسلمون قوة لا يقف أمامها أحد، فعمل الصليبيون على إرسال الرسل للتتار يحسنوا فيها لهم غزو بلاد الإسلام، وغلاتها ومنتجاتها، وخيراتها وحمالها، وكان سلاح النساء النصرانيات يعمل بقوة في التتار عندما دخلوا على شكل خليلات وعاهرات، المهم خرج التتار كالجراد المنتشر الذي يأكل الأخضر واليابس، ولا يذر شيئاً حتى تمكنوا من إسقاط الخلافة العباسية سنة 656 هـ، وواصلوا زحفهم حتى وصلوا إلى دمشق في شهر صف ر سنة 658 هـ، وجعلوا على المدينة والياً من قبلهم رجلاً اسمه [إبل سيان]، وكان معظماً لدين النصارى، وهذا يوضح أثر الصليبيين على التتر منذ البداية، فاجتمع هذا الشقي بأساقفة وقساوسة النصارى الذين كانوا يمثلون [الآخر] في هذا الوقت، وعظمهم جداً، وزار كنائسهم، وصارت لهم دولة وصولة بسببه، وذهب طائفة من النصارى [الآخر] إلى هولاكو، وأخذوا معهم هدايا وتحفاً وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب [توها] ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس ومن ينادون بشعارهم ويقولون: [ظهر الدين الصحيح دين المسيح]، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني الخمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً، ويرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في السوق فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، ثم دخلوا كنيسة مريم، وأخذوا في ضرب النواقيس ابتهاجاً بما فعلوه، وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيراً من المساجد وغيرها، وعندما اعترض المسلمون، ودخلوا على الشقي [إبل سيان] ليشكوا إليه، وكان هذا فصلاً آخر من فصول موقف [الآخر] عندما يجد فرصة للتنفيث عن مكنونات صدره ودفائن حقده.



الآخر ودوره في الحملة الفرنسية على مصر:

وفي مصر كان للآخر جولة وجولات تطفح بمدى شعور [الآخر] من انعزال وانقطاع عن المجتمعات المسلمة التي ظل في حمايتها قروناً عديدة، ولكن أبرز هذه الخيانات وأخس هذه الأدوار ما كان من [الآخر] عندما احتل الفرنسيون مصر سنة 1213 هـ، بدافع صليبي مغلف بدوافع اقتصادية وتجارية وسياسية وجدوا أمامهم معارضة شعبية إسلامية قوية وصامدة من مسلمي مصر، فقرروا الاستفادة من وجود [الآخر] بالديار المصرية، ولعبوا على وتر العقيدة الصليبية عند [الآخر]، ونجح الفرنسيون في استثارة [الآخر] وجندوا العناصر النصرانية المصرية التي طالما عاشت وترعرعت آمنة مطمئنة بأرض مصر، وكان وفر الخيانة من [الآخر] وقتها ممثلاً في شخصية المعلم [يعقوب حنا] الذي يعد أبرز من خانوا بلادهم في المجتمع الحديث، حيث قام هذا الصليبي الخائن بتكوين فرق عسكرية من النصارى المصريين، وقام الضباط الفرنسيون بتدريبهم على نظم أوروبا العسكرية، وتزويدهم بالأسلحة الحديثة لمساعدتهم في قمع الثورات الشعبية، وقد منحه الفرنسيون رتبة [جنرال]، ولقب القائد العام للفيالق القبطية بالجيش الفرنسي.

وقد استطاعت القوات الفرنسية بمعاونة ميليشيات يعقوب القبطي من قمع ثورة القاهرة الأولى سنة 1213 هـ، وثورة القاهرة الثانية سنة 1214هـ، وقد أباح الكلب [كليبر] للمعلم يعقوب القبطي أن يفعل بأهل القاهرة ما يشاء بعد أن قمع ثورة القاهرة الثانية، فقام بإحراق الدور، ونهب الأموال، وتهديم المساجد، وانتهك الأعراض، ووقع منه من المنكرات والأحقاد ما يعجز القلم عن وصفه، وكانت أفعال [الآخر] أو يعقوب بن حنا القبطي وفرقته القبطية العسكرية بداية لما عرف في التاريخ المصري باسم الفتنة الطائفية، والعجيب أنه صار بعد ذلك قديساً يقام له بأرض مصر مولداً واحتفالاً بذكراه في الجهاد ضد المسلمين، ولكن العجيب من ذلك موقف المؤرخين النصارى المعاصرين حيث يثنون على ما قام به هذا الخائن الصليبيº فهذا هو الكاتب الصليبي الشهير د. لويس عوض المعروف بكراهيته الشديدة للإسلام يقول: [إن الدور الذي قام به المعلم يعقوب حنا مع الفرنسيين ضد العثمانيين يعتبر تعاوناً يستحق بموجبه أن يقام له تمثال من ذهب في أكبر ميادين القاهرة، ويكتب عليه أنه أول من نادى باستقلال مصر في العصر الحديث].



الآخر ودوره في هدم الخلافة العثمانية:

ونحن هنا قد وصلنا للدور الأروع والأفظع والجريمة الأشنع التي قام بها [الآخر] في حق مجتمعه المسلم ودولته التي عاش فيها ونما وازدهر، وهو الذي قام به اليهود والنصارى من رعايا الدولة العثمانية، حيث كان أوروبا الصليبية في حربها ضد الدولة العثمانية حريصة على تمزيق الدولة بإثارة الفتن، وتفجير الثورات الدينية الداخلية، وكانت أدواتهم في ذلك وسلاحهم الشرير في تنفيذ مخططهم الآثم هو [الآخر] اليهود والنصارى، رغم ما كان يلقاه [الآخر] من عناية ورعاية وعطف من سلاطين الدولة العثمانية حتى أن كثيراً من هؤلاء السلاطين قد تزوجوا من نساء [الآخر]، ولربما يضطلع اليهود بالدور الأكبر في هدم الخلافة العثمانية، ولكن هذا لا يقلل دور النصارى في إثارة الفتن والقلاقل، وكان القساوسة ورجال الدين على صلات وثيقة بزعماء الدول الأوروبية وخصوصاً روسيا، وهذا يتضح من نص الوثيقة التاريخية الهامة التي أرسلها بها البطريرك [جريجوريوس] إلى قيصر روسيا يبين له فيها كيفية هدم الدولة العثمانية من الداخل، التي يركز فيها على كيفية تحطيم الروح الإيمانية والمعنوية للمسلمين، وتمزيق الروابط التي تجمعهم نحو النصر [عقيدة الولاء والبراء].

ولنعرض لدور طرفي [لآخر] في هدم الخلافة العثمانية:



أولاً: دور النصارى في هدم الخلافة العثمانية:

كانت الدولة العثمانية تنظر إلى رعاياها النصارى على أنهم جزء من نسيج هذه الدولة يتولون المناصب، ويشتركون في المعارك، وينعمون بالأمن والأمان، والرفاهية التامة، وازداد نفوذهم مع تدهور الدولة العثمانية، وانتشار الأفكار التغريبية، خاصة من بداية عهد السلطان محمود الثاني المتوفى سنة 1839 م ـ 1255هـ، والذي فتح المجال على مصراعيه للنصارى، ومسخ عقيدة الولاء والبراء تماماً، فها هو يقول في إحدى خطبه: [إني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق].

لذلك نعمت النصرانية في عهده بحرية تامة جداً، ثم جاء من بعد السلطان عبد المجيد الأول المتوفى عام 1860م ـ 1277 هـ، وكان شاباً في السادسة عشر فعبث برأسه المفتونون بالغرب، وعلى رأسهم [مصطفى باشا رشيد] الذي أصدر [خط شريف جلخانة] الذي ينص على المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلم وغير المسلم، ثم أتبعه بالخط الهمايوني الأكثر انحلالاً، والذي ينص على 8 نقاط ترشح وتؤكد على المساواة بين المسلم وغير المسلم في كافة الحقوق والواجبات، وتكتب شهادة بوفاة عقيدة الولاء والبراء عند هؤلاء القوم، ورغم كل هذه الحريات التي تصل لمرحلة التمييع الشديد، والطمس الكامل لعقيدة الولاء والبراء كيف جاء رد فعل الآخر على هذه التنازلات؟ وهل شعر أنه جزء من هذا الوطن الذي لا يفرق بينه وبين غيره؟ الجواب: لا، فالنصارى دأبوا على التحريض والثورات، ويتضح ذلك جلياً في ثورة اليونان الكبيرة سنة 1821 م ـ 1237 هـن وفي عهد من؟ في عهد محمود الثاني الذي فتح الباب للنصارى على مصراعيه، وفي هذه الثورة كان النصارى يهاجرون من بلادهم إلى اليونان للاشتراك في ثورتها ضد الدولة العثمانية، وتسببت تلك الثورة في إضعاف الدولة العثمانية، وتنازلها لروسيا عن الكثير من الموانئ والبلاد، وانفصال الشام ومصر تحت حكم العميل محمد علي باشا.

ويتضح أيضاً هذا الدور من ثورات النصارى الدائمة بأرمينيا وجورجيا الذين كانوا يرون دائماً في الدولة العثمانية عدواً أبدياً يجب التخلص منه.

ويتضح أيضاً هذا الدور في المحافل الماسونية التي دخلت بلاد الإسلام مع الحملة الفرنسية على مصر 1213 هـ، حيث كانت معظم هذه المحافل مكونة من النصارى، ومنها انبسقت الأفكار العلمانية والقومية، فنجد أن فكرة القومية العربية التي وضعت أصلاً لضرب الولاء والبراء بين المسلمين نشأت ببيروت على يد رجال أمثال بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي وغيرهم من رجال[الآخر] المشهورين.



دور اليهود في هدم الخلافة العثمانية:

إن كان للنصارى دور كبير في هدم الخلافة العثمانية فإن اليهود هم أصحاب الدور الأكبر والأخبث في تلك المهمة القذرة، ذلك لأن النصارى كانوا يعتمدون سياسة الثورة والقوة التي تهدف لتحطيم الدولة عسكرياً، أما اليهود فقد كانوا يعملون في الخفاء، وينخرون في جسد الأمة كالسوس، يقفون بالمرصاد أمام محاولات الإحياء والصحوة، ويروجون لكل المنظمات والأفكار الهدامة التي من شأنها على المدى البعيد أن تقوض هذا الملك الكبير، هذا رغم كبير الجميل الذي قام به العثمانيون تجاه اليهود، ذلك لأنه في عهد سليمان القانوني المتوفى سنة 974 هـ، وقعت محنة محاكم التفتيش بالأندلس للمسلمين واليهود، وتشرد من اليهود مئات الألوف، وهاموا على وجوههم، ورفضت كل البلاد استقبالهم لسابق سوء صنيعهم، وسمعتهم الشهيرة في الفساد والشر، وكان سليمان متزوجاً من امرأة يهودية كالأفعى اسمها [روكسلان] ظلت تستعطف سليمان ليتقبل اليهود ببلاده حتى وافق وأذن لهم بالاستيطان بالبلاد العثمانية، فاستوطنوا الأناضول خاصة [إزمير، سلانيك، أدرنة] وتمتعوا بقدر كبير من الاستقلال الذاتي، وتولوا المناصب، واقتنوا الثروات، وعاشوا في حرية ورفاهية تامة، فماذا كان رد فعلهم؟ وكيف تعامل [الآخر] مع دولته ومجتمعه؟

أخذ اليهود في إنشاء جماعة خاصة بهم غرضها إفساد عقائد المسمين، والدعوة لتجميع اليهود من شتى أنحاء العالم لاتخاذ القدس مقراً لهم، وهؤلاء المعروفين [يهود الدونمة] وداعيتهم [شتباي زيفي] الذي ادعى النبوة، وذاع أمره بأوروبا والشام ومصر، وجاءته وفود اليهود لتبايعه، ولما أخذته الدولة العثمانية لتعاقبه ادعى الإسلام، وأظهر أنه مسلم وسمى نفسه [محمد البواب]، وطلب من الدولة أن تأذن له في الدعوة للإسلام بين اليهود، وظل [شتباي زيفي] على يهوديته في الباطن يمارس العمل للصهيونية في الخفاء، ويظهر الإخلاص للإسلام في العلن، ويعتبر ضرته [يهود الدونمة] سياسته موجهة ضد الدولة العثمانية أكبر من كونها حركة دينية، وكان لها إسهامات عديدة في هدم الخلافة عن طريق:

أ ـ هدم القيم الإسلامية في المجمع العثماني المسلم، والعمل على نشر الإلحاد والأفكار الغربية، والدعوة للعري والاختلاط بين الرجال والنساء خاصة في المدارس والجامعات.

ب ـ قام يهود الدونمة بدور فعّال في نصرة القوى المعادية للسلطان عبد الحميد، والتي تحركت من [سلانيك] لعزله، وهم الذين سمموا أفكار الضباط الشباب، وتغلغلوا داخل صفوف الجيش.

جـ ـ قام اليهود بالتأثير في جمعية الاتحاد والترقي، تحكموا فيهم وحركوهم كالدمى حتى ينفذوا مخططهم الشرير في عزل عبد الحميد، وتطبيق الدستور العلماني.

د ـ أسسوا المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية، واستخدموا شعارات خادعة مثل الحرية، ومكافحة الاستبداد، ونشر الديمقراطية لاجتذاب البسطاء، وترويج الأفكار الهدامة.

ويعتبر [شتباي زيفي] والذي هلك سنة 1678م ـ 1067 هـ، أول من نادى باتخاذ فلسطين وطن قومي لليهود، ويعتبر المؤسس الحقيقي للصهيونية العالمية، وذلك قبل [تيودور هيرتزل] بثلاثة قرون، ويكفي أن نعرف أن [مصطفى كمال] ينتسب إلى هذه الطائفة اليهودية الخبيثة لندرك مدى دور [الآخر] في تحطيم الخلافة العثمانية.

ويعتبر اليهودي [موئيز كوهين] مؤسس الفكر القومي الطوراني، وكتابه في القومية الطورانية هو الكتاب المقدس للسياسة الطورانية التي قوضت الخلافة العثمانية، وأحبطت فكرة الجامعة الإسلامية، واليهود ويؤكدون على دورهم في تحطيم الخلافة العثمانية بإرسال أحد كبار اليهود وهو [إيمانويل قراصو] وهو من قادة الاتحاد والترقي ليسلم السلطان عبد الحميد قرار عزله كنوع من التشفي والانتقام، وإظهار عاقبة رفض عبد الحميد لطلبهم باستيطان فلسطين.

هذه كانت جولة سريعة في أحداث التاريخ السابقة التي ربما تكون غائبة عن ذهن المسلمين الآن كعادتهم مع تاريخهم التليد وضحنا فيها موقف الآخر من قضية الولاء والبراء، أما واقعنا الحاضر وتاريخنا القريب فهو مليء أيضاً بالمواقف التي تبرهن لنا على حقيقة موقف الآخر في مجتمعه المسلم نذكر منها رؤوس أقلام للتذكرة والتنبيه:

ـ ما جرى من الآخر في بلاد البوسنة والهرسك والمجازر البشعة التي ارتكبت في حق المسلمين لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يكون لهم دولة خاصة ترفع شعار الإسلام.

ـ ما جرى من الآخر في بلاد كوسوفا ومقدونيا.

ـ ما جرى من الآخر في الشيشان.

ـ ما جرى من الآخر في جنوب السودان وجنوب نيجيريا وساحل العاج وأثيوبيا وأريتريا.

ـ ما جرى من الآخر في لبنان، وخيانة الآخر الكبيرة بتكوين جيش صليبي بقيادة أنطوان لحد.

وما زالت دماء المسلمين تراق كل يوم وليلة في شتى بقاع الأرض على يد الحليف [الآخر] والذي نعم مئات السنين تحت حكم الإسلام.

مما سبق عرضه من تلك الدراسة التاريخية الموجزة، والعرض السريع لأحداث التاريخ القديم والمعاصر يتضح لنا عدة أمور هامة في قضية الآخر، وموقفه من الولاء والبراء لمجتمعه.

أولاً: أن [الآخر] الممثل في اليهود والنصارى قد نعموا في ظل حكم الدولة الإسلامية بكل أنواع الأمان والرفاهية والمساواة التي لم يكن يخطر لهم بمثلها على بال لو حكم بعضهم بعضاً [مثلما حدث من الأسبان عندما حكموا الأندلس طردوا كل اليهود منها]، ولم يعلم من أحداث التاريخ شيئاً يدان به المسلمون في معاملتهم للآخر، بل إن حسن المعاملة كانت سبباً لإسلام الكثير من أبنائهم، وانظر مثلاً إلى أهل حمص الذين علموا أن هذا الدين هو الدين الحق فأمنوا.

ثانياً: أن [الآخر] رغم كل هذه المعاملة الحسنة والتسامح الكبير الذي يصل على حد التساهل لم يشعروا أنهم جزء من المجتمع المسلم، بل دائماً وأبداً يشعرون أنهم نسيج بمفرده، وهذا مثلما فعل نصارى مدينة طرابلس الشامية الذين رحلوا بعيالهم ونسائهم مع الصليبيين عندما خرجوا من هذه المدينة مع نهاية الحروب الصليبية سنة 680هـ، ونجد مثلاً أن الإنجليز عندما احتلوا العراق سنة 1917م - 1335هـ دخلوا بغداد في استقبال رائع وكبير من اليهود والنصارى الذين أعلنوا أنهم في خدمة الإنجليز وتحت تصرفهم، وعندما طالب المسلمون بالعراق تكوين دولة مستقلة لهم من شمال الموصل إلى الخليج العربي سنة 1338 هـº رفض اليهود والنصارى ذلك وطلبوا أن يكونوا رعايا بريطانيين.

ثالثاً: أن [الآخر] لم يكتف بانعزاله شعورياً ووجدانياً عن المجتمع المسلم الذي يحيى فيه، بل تمادى في ذلك، وأصبح بمثابة الطابور الخامس لأعداء الأمة المسلمة، يحيكون الدسائس، وينقلون الأخبار، ويتجسسون لصالح الأعداء، فهم مع كل عدو وحاقد على الإسلام، حتى ولو لم يطلب الأعداء منه العمل فالآخر دائماً تحت أمر وخدمة وتصرف أعداء الإسلام، ولم يعلم منهم موقفاً واحداً في نصرة الدين أو الدفاع عن مجتمعه المسلم الذي يحيى فيه إلا ما كان اضطرارياً أو دفاعاً عن النفس.

رابعاً: أن [الآخر] لم ينشط أو يرفع رأساً أو يحيك المؤامرات أو يتعاون مع أعداء الإسلام إلا في الفترات التي تضعف فيها عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين أنفسهم، ويتساهلون مع [الآخر]، ويرفعونه إلى درجة المساواة مع المسلمين، كما حدث عند إطلاق الخط الهيمايوني في عهد السلطان [محمود الثاني] حيث شهد هذا العصر إطلاق المحافل الماسونية، والمدارس التبشيرية، والإرساليات النصرانية، وظهور الأفكار التحررية والعلمانية، ومن قبل نشط الآخر في الأندلس في عهد ملوك الطوائف المشهورين لتجميعهم الشديد في أمر الإسلام، وضعف عقيدتهم الإسلامية، مما أتاح الفرصة أمام [الآخر] لئن يتآمر مع أسبانيا الصليبية وتضيع حواضر الإسلام التليدة قرطبة، طليطلة، إشبيلية، وهكذا، وعلى المقابل ففي الفترات التي كانت الدولة المسلمة تطبق شرع الله بصورة تامة وكاملة خاصة عقيدة الولاء والبراء، وكانت شروط أهل الذمة تطبق على الآخرº كانت هذه الفترات هي فترات القوة والعظمة والفترات التي لم يستطع فيها الآخر أن يتحرك أو يخرج مكنون صدره، أو حتى يفكر في التآمر على المجتمع لأنه يعلم علم اليقين أن يد الشرع ستطوله، وعندها يكون العقاب الأليم والحد الفاصل.

خامساً: أن المتاعب والفتن التي تسبب فيها [الآخر] لمجتمعه المسلم لم يكن لها أن تحدث لو أن المجتمع المسلم كان ملتزماً بشرعه، متمسكاً بعقيدته النقية، وهذا يقودنا إلى حقيقة هامة قررها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان عندما قال رب العزة: [ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم]، فمهما فعل المسلمون ومهما قدموا من تنازلات للآخر، ومهما تساهلوا وتهاونوا معه إلى حد التمييع فلن يرضى الآخر عن كل هذا، ولن يشعر بأنه جزء من هذا المجتمع، ولن ترضيه قصائد المدح وشعارات الوحدة الوطنية.

وإفطارات الكنائس، والإجازات الرسمية، والكنائس الجديدة إلى غير ذلك كل ذلك لن يُرضي الآخرº لأنه أولاً وأخيراً عدو لله ولرسوله، وصدق الشاعر عندما قال:

كل العداوات ترجى مودتها*** إلا عداوة من عاداك في الدين

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply