الدعاء


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

الدعاء سلاح المؤمن الذي ينجو به من أهوال عظيمة لا يعلمها إلا الله.

فالمؤمن في هذه الدنيا مثله كالمسافر في غابات مليئة بالدواب المفترسة الضارية التي لا تميز بينه وبين أي حيوان آخر، تريد الانقضاض عليه كي تشبع نهمها وجوعها، والمؤمن مع الشيطان لا ينجو منه في هذه الدنيا إلا بالدعاء إلى الله - جل وعلا -.

 

تساؤلات عدة نطرحها على أنفسنا، هل منا أحد ليس عنده مشاكل في حياته؟ من منا ليس لديه آمال في حياته يتمنى تحقيقها؟ من منا لا يخشى ذنوبه؟ هل منا أحدٌ لا يحتاج إلى الله - عز وجل - ليغفر له ذنوبه، ليرحمه، ليهديه؟

وأظن أننا جميعاً هذا الشخص، وأظننا جميعاً نعاني مشاكل عديدة، ونتمنى كذا وكذا... وكأن المشاكل وزعت كي نلجأ إلى الله بالدعاء، وكأن الأمنيات أخرت كي ترفع يديك إلى الله - عز وجل - وتتذلل له بالدعاء، حتى تبقى اليدان معلقتان نحو السماء.

 

تعريف الدعاء:

الدعاء هو العبادة، وهو صلة بين العبد وربه، ووسيلة لقضاء حاجتك في الدنيا والآخرة، وهو كنـز لا يحرم منه إلا من تقاعس عن الأخذ به.

مشروعية الدعاء من الكتاب والسنة: قال تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم.. ". قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة\"، وفي رواية أخرى "الدعاء هو مخ العبادة".

 

حكم الدعاء في الإسلام:

ذهب جمهور العلماء إلى أن الدعاء واجب على كل مسلم، للأدلة التالية: قال الله – تعالى-: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وقد ورد في تفسير هذه الآية أي أن الله خلق المخلوقات ليعبدوه ويعرفوه ويخضعوا له ويتذللوا، وجاء في الحديث الشريف عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدعاء هو العبادة"، فإذا كان الدعاء هو العبادة، وغاية خلق الجن والإنس العبادة أي "الدعاء" كان لزاماً على كل مسلم الالتجاء إلى الله –تعالى- والخضوع له، والتذلل بالدعاء في كل وقت وحين، لذا حري بنا أن نرقى بفهمنا لمعنى الدعاء إلى معناه الأسمى، أن تدعو الله لا لأنك محتاج إليه، بل لأن هذا الدعاء جزءٌ من عبوديتك لله – تعالى -، وعليه أمكن لنا أن نقسم الدعاء إلى قسمين هما: الأول: دعاء احتياج ومسألة، والثاني: دعاء عبودية لله، وهما متلازمان.

 

حكم ترك الدعاء:

إن من صفات المسلم الحق الانصياع لما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ولما كان الله - سبحانه وتعالى - أمرنا بأن ندعوه، وجب علينا الالتزام بأمره، وتركنا للدعاء يلحق بنا الإثم والمعصية، ويكفيك ما وصف الله – تعالى- به من ترك دعاءه في الآية الكريمة تأملها معي - رحمك الله - قال تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"

وقد أمر الله - تعالى - بالدعاء، ووصف من لم يستجب لأمره بأنه مستكبر، وهدد وتوعد هؤلاء المستكبرين بأنهم سيدخلون جهنم - والعياذ بالله -، وأيضاً قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد"، وقال أيضاً: "من لم يسأل الله يغضب عليه" فجعل غضب الله - عز وجل - من نصيب من ترك الدعاء والالتجاء إلى الله.

 

هل الدعاء مستجاب؟

قال الله – تعالى -: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" ، وقال في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي"، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حييٌ كريم، يستحي أن يرفع العبد يديه ثم يردهما صفراً خائبتين"، فهل بعد كل هذا ثمة شك في أن الله يستجيب الدعاء؟

 

نماذج من استجابة الدعاء في القرآن:

دعاء نوح - عليه السلام -: "قال رب إني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء... "، ودعاء سليمان - عليه السلام - "رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي.. "، وانظر إلى قول سفيان بن عيينة: "لا يغرنك أو لا تخف ألا يستجيب لك ما تعلمه عن نفسك من سوء، فإنه قد استجاب لشر الخلق إبليس - لعنه الله - لما قال : "رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين".

 

أوقات وأماكن استجابة الدعاء:

-  الثلث الأخير من الليل: "أقرب ما يكون الرب من عبده في ثلث الليل الآخر"، "إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أتاه الله ما سأل"، "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل، فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه؟؟، من يستغفرني فأغفر له"

-  ساعة من يوم الجمعة يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم الجمعة: "فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله ما سأل"، وقيل إنها أثناء خطبة الجمعة، وقيل الساعة الأخيرة قبل المغرب.

-  عند السجود: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".

- بين الأذان والإقامة.. "بين الأذان والإقامة لا يرد الدعاء".

-  عند نزول المطر، وعند الجهاد في سبيل الله، ويوم عرفة، وعند رؤية الكعبة، وعند الملتزم، وعند الطواف، وفي المساجد كلها، عند ختم القرآن، دعوة الإمام العادل "الحاكم العادل"، "دعوة الإمام العادل لا ترد"، دعوة الصائم، دعوة المظلوم، دعوة المسافر: "ثلاثة لا ترد دعوتهم دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد"،

-  دعوة الأخ لأخيه في ظهر الغيب: "دعوة المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل به، يقول له كلما دعا لأخيه: "آمين ولك مثله"، الدعاء على أعداء الإسلام، الدعاء بعد الطاعات وبعد التوبة، الدعاء عند الخوف من إنسان.

 

أشكال استجابة الدعاء:

يستجاب الدعاء بثلاثة أشكال: تعجل إجابته في الدنيا، أو تؤخر له في الآخرة، أو يغفر لصاحبه بمقدار ما دعا عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بمقدار ما دعا".

 

شروط إجابة الدعوة:

يستجاب يقيناً إذا توافرت شروط أربعة:

- اليقين في الإجابة: "ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة".

- الخشوع بين يدي الله والذل: "اعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه".

- عدم الاستعجال: "يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، يقول قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيترك الدعاء"

 - أكل الحلال: "أطب مطمعك تكن مستجاب الدعوة".

 

آداب الدعاء:

رفع اليدين، استقبال القبلة، الطهارة ما أمكن، البدء بحمد الله والثناء عليه، الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، التوبة والبدء بالاستغفار، التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، التذلل إلى الله بالاعتراف بنعمه وضعفك، الإلحاح في الدعاء: "كان النبي إذا دعا دعا ثلاثاً"، قدم بين دعائك صدقة من أجل أن تطهر مالك، عدم الاعتداء في الدعاء "سيكون بعدي أقوام يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم".

كلمة لابن القيم - رحمه الله - تلخص آداب الدعاء يقول: "ألا أدلك على دعاء لا يرد أبداً... ادعُ الله وأنت موقن بالإجابة، بخشوع، وارفع يديك، وألح في الدعاء، وتوسل إلى الله بأسمائه، وتملق إلى الله بإنعامه، واخشع له، وذل له، وتصدق بعد أن تدعو، هذا الدعاء لا يكاد يرد".

وصلى الله على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين .

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply