من سجلات الإحتلال تحرير مدينة دمياط الحملة الصليبية الخامسة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 



الزمان/ الأربعاء 19 رجب - 618هـ



المكان/ ثغر دمياط ـ الديار المصرية



الموضوع/ المسلمون بقيادة الملك الكامل الأيوبي يطردون الصليبيين من دمياط



الأحداث/ راج عند كثير من الناس أن الدافع وراء الحملات الصليبية المتتالية على بلاد المسلمين قرابة القرنين من الزمان هو سلب ونهب خيرات تلك البلاد، وهذا رغم أن شعار هذه الحملات كان الصليب، ذلك لأن أعداء الإسلام من أذناب الغرب استغلوا جهل كثير من المسلمين بتاريخ أمتهم، وروجوا عليهم هذه الأباطيل والأكاذيب، ويكفي أن نعرف أن الذي أشعل فتيل الحملة الصليبية الأولى سنة 491هـ على بلاد المسلمين هو بابا الفاتيكان \'أوربان الثاني\'، وكل الحملات التالية كان الذي يأمر بتحريكها هو باب الفاتيكان، وكان بمثابة القائد الأعلى للقوات المسلحة الصليبية في أوروباº فكان يعزل من يشاء ويعين من يشاء، بل كان يعاقب من يتوانى ويتكاسل في حرب المسلمينº بل كان هم الباباوات الأكبر في تلك الحقبة من الزمان هو مواصلة الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، وكل بابا يوصي من بعده بمواصلة الجهاد المقدس ضد المسلمين! حتى كانت حملتنا التي سوف نتكلم عنها.



أمر الباب \'أوسنت الثالث\' بشن الحملة الصليبية الخامسة على ديار الإسلام في فترة تعد عصيبة على المسلمينº حيث دب بينهم الخلاف، فأرسل البابا إلى ملوك أوروبا الصليبيين فجاءوا جميعًا لنيل هذا الشرف، وتحركوا بجيوش جرارة عبر البحر المتوسط حتى وصلوا إلى عكا التي كانت ما زالت تحت حوزتهم، فلما وصلت الأخبار إلى الملك العادل الأيوبي ـ وكان ملكًا على مصر والشام ـ وقد حمل الراية بعد أخيه صلاح الدين، توجه هو وابنه عيسى الملقب بـ \'المعظم\' لمنع الصليبيين من التقدم في بلاد الشام، فنزل في منطقة بيسان من الأردن، فوجد العادل أن جيوش الصليبيين ضخمة جدًا، وجيشه صغير، فآثر أن يتراجع إلى دمشق حتى ينظم قواته، وتنضم إليه الجيوش المصرية، ولم يتسرع في الاصطدام مع الصليبيين.



دخل الملك العادل دمشق وحصنها، وأرسل إلى باقي ملوك المسلمين للنصرة، وأرسل ولده المعظم عيسى لحفظ بيت المقدس من هجوم الصليبيين عليهº لأنه الأهم عندهم وعند المسلمين، ثم تقدم الصليبيون وحاصروا قلعة الطور، فدافع عنها أبطال المسلمين دفاعًا هائلاً حتى اضطر الصليبيون للرجوع عنها والتوجه للديار المصرية عن طريق البحر، وجعلوا جهتهم إلى مدينة \'دمياط\' فوصلوا إليها في شهر صفر سنة 615هـ، وضربوا عليها حصارًا شديدًا طيلة أربعة شهور متواصلة قتالاً ليل نهار، وكان على النيل برج كبير منيع، اسمه \'برج السلسلة\' لأنه كان فيه سلاسل حديدة ضخمة بين طرفي النيل، وهي بمثابة القفل للديار المصرية، ولولا هذا القفل لكانت مراكب العدو لا يقدر على منعها أحد من أقاصي ديار مصر وأدانيها، وكان الملك الكامل محمد بن العادل هو الذي يتولى حفظ دمياط ويباشر قتال الصليبيين بنفسه، وبعد أربعة أشهر من القتال المتواصل ملك الصليبيين برج السلسلة، وقطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم، فنصب الكامل جسرًا عظيمًا لتمنع مرورهم، فقاتلوا عليه حتى قطعوه، فأخذ الملك الكامل عدة سفن كبار وخرقها وغرقها في النيل ليسد به مجرى النيل، فلما رأى الصليبيون ذلك قصدوا خليجًا هناك يعرف بالأزرق، كان النيل يجري عليه قديمًا، فحفروا ذلك الخليج وأجروا الماء فيه، ثم سارت فيه سفنهم، كل ذلك والكامل يواصل معهم القتال والطعن والضرب، ولما وصلت أخبار استيلاء الصليبيين على برج السلسلة للملك العادل وكان في مرج الصفر، تأوه لذلك تأوهًا شديدًا، ودق بيده على صدره أسفًا وحزنًا على المسلمين وبلادهم، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده الله - عز وجل -، فلما كان يوم الجمعة 7 جمادى الآخر توفي - رحمه الله -، وكانت هذه الوفاة سببًا في ضعف المسلمين كما سنعلم.



لما مات الملك العادل - رحمه الله - اضطربت الأمور جدًا في بلاد المسلمين، وكان من المفترض أن يتولى ابنه الأكبر الملك الكامل محمد، الذي كان يتولى قتال الصليبيين في دمياط، وهنا ظهر أمير يقال له \'أحمد بن المشطوب\' اتفق هذا الأمير على خلع الكامل وتولية أخيه الفائز مكانه ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، فبلغت هذه الأخبار للكامل في دمياط، ففارق موقعه ليلاً وتوجه سريعًا إلى القاهرة ليضبط الأمور قبل استفحال الفتنة، وأصبح العسكر فلم يجدوا قائدهم معهم، فركب كل إنسان هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، وفروا جميعًا وتركوا معسكرهم بما فيه من سلاح ومؤن، ولما أصبح الصليبيون لم يجدوا أحدًا من جنود المسلمين أمامهم في المعسكر، فاسترابوا في الأمر، فلما علموا الخبر عبروا النيل ودخلوا دمياط آمنين بلا منازع ولا ممانع، وغنموا ما في معسكر المسلمين، وكل ذلك بسبب فعلة ابن المشطوب.



عندما استولى الصليبيون على معسكر المسلمين أحاطوا بمدينة دمياط وقاتلوا أهلها برًا وبحرًا، وعملوا عليهم خندقًا يمنعهم من إمدادات المسلمين، واستمات أهل دمياط في الدفاع عنها، ولكن المصيبة جاءت من طرف الأعراب، عليهم غضب الله ومقته، حيث اجتمعت قبائل الأعراب عندما سمعوا بحصار الصليبيين على أهل دمياط ووقع أهل دمياط بين نارينº نار الصليبيين ونار الأعراب فاضطروا في النهاية للاستسلام، فغدر بهم الصليبيون وأمعنوا فيهم القتل والأسر، وفر الباقي ولا حول ولا قوة إلا بالله.



أما الملك الكامل فلما دخل القاهرة ضبط الأمور، وهرب ابن المشطوب وفشلت خطته، ولم يلبث إلا يسيرًا حتى أهلكه الله - عز وجل - جزاءً وفاقًا لما تسبب فيه للمسلمين، ثم أرسل الملك الكامل رسالة عاجلة لإخوانه ملوك الإسلام، قائلاً فيها: \'الوحا الوحا! العَجَل العَجَل! أدركوا المسلمين قبل أن يملك الصليبيون جميع أرض مصر\' فأقبلت الجيوش الإسلامية من كل بلاد الشام لنصرة المسلمين.



أما الصليبيون فلما تملكوا دمياط أقاموا بها وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من البلاد ينهبون ويقتلون، وشرعوا في عمارتها وتحصينها، وبالغوا في ذلك، ولما سمع الصليبيون في أوروبا ذلك أقبلوا يهرعون من كل فج عميق، وأصبحت دمياط دار هجرتهم، وقد حولوا جامع المدينة الكبير إلى كنيسة، ولم يكن هذا هو البلاء الوحيد الواقع على المسلمين وقتها، بل إن بلاد الإسلام كلها كانت تحت هجمة شرسةº فالتتار من ناحية المشرق قد وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان، ومن ناحية المغرب استولى الصليبيون على في الأندلس على معظم بلاد المسلمين، ولم يبق للمسلمين سوى غرناطة فقط، وأشرف المسلمون وبلادهم على خطة خسف وهلاك في شرق الأرض ومغربها ووسطها.



ظل أمر المسلمين في اضطراب واختلاف أكثر من ثلاث سنوات، والعدو مستحكم في دمياط، وكثرت أعداءهم بشدة، وأصبحت دار هجرة للصليبيين حتى أذن الله - عز وجل - بلطف على المسلمين، واتحدت كلمة الأخوة الثلاثة الكامل والأشرف والمعظم أبناء الملك العادل - رحمه الله -، وفي الوقت المناسب لأن الصليبيين قد عزموا على محاربة الكامل وأخذ باقي الديار المصرية، وقد خرجوا بجميع جيوشهم من دمياط، ووصل الملك الأشرف واتحدت جيوشه مع جيوش أخيه الكامل في مقابلة الصليبيين عند نقطة من النيل اسمها \'بحر أشمون\'، وحدث قتال بين الفريقين، واستطاع المسلمون كسب الجولة الأولى من القتال، فقويت نفوسهم وحميت عزائمهم على عدوهم الذي بدأ يغير وجهة نظره، وبدأ في التصالح مع المسلمين، خاصة وأن الكامل ـ غفر الله له هذه الزلة ـ قد عرض عليهم إعطائهم بيت المقدس وعسقلان وطبرية، وكل السواحل التي فتحها صلاح الدين بسيفه وبدمه ودماء المسلمين مقابل أن يرحلوا عن دمياط، ولكن الصليبيين طلبوا ثلاثمائة ألف دينار إضافة لما سبق، فرفض المسلمون العرض، وواصلوا القتال، وكان الفرنج لثقتهم الزائدة في النصر لم يأخذوا معهم المؤمن الكافية لمواصلة القتال، فعبرت مجموعة فدائية من أبطال المسلمين إلى معسكر الصليبيين وفجروا سدود النيل، ففاض الماء على المعسكر الصليبي ولم يبق للفرنجة جهة يسلكونها إلا من جهة واحدة كان يسدها عليهم الكامل والأشرف بجيوش المسلمين، ولم يبق لهم خلاص، وحاول الصليبيون في أوروبا إرسال معونات لإخوانهم الصليبيين المحاصرين في دمياط، وذلك من خلال سفينة ضخمة محملة بالسلاح والمؤمن، ولكن أسطول المسلمين استطاع أسر هذه السفينة وغنم ما عليها، وعندها أيقن الصليبيون الهلاك والعطب، وكشرت سيوف المسلمين عن أنياب المنايا، وذلت نفوس الصليبيين، وتنكس صليبيهم وخذلها شيطانهم، فأرسلوا للصلح مع الملك الكامل على أن يخرجوا من دمياط بلا عوض، ولكن يأمنهم على حياتهم، وبالفعل تم الصلح، دخل المسلمون دمياط في 19 رجب سنة 618 هـ، وعاد الصليبيون إلى بلادهم خائبين خاسرين لم ينالوا شيئًا.



من المواقف الرائعة حقًا في هذه الحملة الصليبية الخامسة أنه أثناء حصار المسلمين للصليبيين كان يخرج كل يوم من معسكر الصليبيين كلب صليبي حاقد يشتم ويسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأفظع السباب، وجعل هذا ديدنه كل يوم، وبعد أن تم الصلح وخرج الصليبيون من دمياط دارت الأيام وتم أسر هذا الكلب الصليبي الحاقد في الشام، وعرفه الملك الكامل عندما رآه، فأمر به فحمل إلى المدينة النبوية ليذبح أمام الحجرة النبوية الشريفة، وفي يوم الجمعة على مشهد ومسمع من الجميعº جزاءً وفاقًا لهذا الصليبي الحاقد، والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply