الأحمدية القاديانية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 



لن أضيف كثيراً على ما نشرته \"الحقيقة الدولية\" في عددها رقم 13، ولن أستعين بكتب ومراجع تفصيلية لبيان حقيقة هذه الجماعة (كما تحب أن تطلق على نفسها)، وأن ما أذكره في هذا السياق هو نضح من الذاكرة من لقاء مطول لي مع دعاة هذه الجماعة، ومن عقر بيتهم، ومقر إقامتهم في حيفا، ومن على جبل الكرمل حيث هناك مركزهم الرئيسي.

كانت بداية معرفتي بهذه الجماعة لأول مرة من خلال كتاب صادر عن رابطة العالم الإسلامي اسمه \"القاديانية الأفعى في بلاد (أو ديار) الإسلام\"، ومن خلاله أطلعت على فكر وزعيم هذه الجماعة لأول مرة، وبعدها قرأت ما كتب \"أبو الأعلى المودودي\" و\"أبو الحسن الندوي\" وهما من علماء الهند الأفاضل، وكلامهما ثقة كونهما هنديان ومرزا أحمد غلام هندي، وكما قيل \"أهل مكة أدرى بشعابها\"، وبعدها قرأت عدة كتب لم تزد على ما في كتاب \"الأفعى في ديار الإسلام\" إلا القليل.

كنت في رام الله أثناء عملي في \"إذاعة صوت الحب والسلام\"، وصباح ذات يوم وأنا أقلب جريدة القدس المقدسية عثرت على إعلان للجماعة، وعجبت كيف نشر هذا الإعلان، فأنا أسمع وأعرف أن الجماعة في حيفا ولكن ليس لدي عنوان لهم، وفي الإعلان رقم هاتفهم وعنوانهم رقم الفاكس، فأرسلت فاكساً قلت لهم بصراحة إني قرأت كثيراً عما قيل عنكم وأني أود أن أسمع منكم حتى تكتمل الدائرة لدي، وتتوضح الصورة، وأترك الباقي لعقلي، فوجئت بترحيبهم الشديد، حيث تم الاتصال بي، وطلبوا مني أن أختار الوقت المناسب، والتاريخ المناسب، واتصل بهم وأتجه إلى مدينة طولكرم حيث سأجد سيارة ومرافقاً ينتظرني، وفعلاً ذهبت، ووجدت في طولكرم أحد أتباعهم، وسيارة أجرة صفراء بانتظاري، وتوجهنا إلى حيفا، وكانت أول مرة أزور فيها حيفا وأرى البحر الأبيض المتوسط وأرى جبل الكرمل، حيث على قمته هناك مسجد بمئذنتين هو مقر الجماعة.

دلفنا إلى الداخل فاستقبلني بقاعة تعلو جدرانها صور لنبيهم المزعوم وخلفاؤه وآخر خليفة يقوم على أمرهم ومقره لندن، واستقبلني بترحاب شديد أمير الجماعة في المنطقة الذي كان دمثاً، وحلو الحديث بحفاوة لا أنساها.

جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، قلت له: إنني قرأت الكتب المذكورة أعلاه للمؤلفين الهنود والعرب، فضرب لي مثلاً بأبي لهب ومواقفه المعادية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقريش عموماً ثم سألني: هل تعتقد أن أبا الحسن الندوي وأبا العلاء المودودي هما العالمان الوحيدان في الهند، دولة يبلغ تعداد المسلمين فيها عشرات الملايين؟

فقلت: لا شك أنه يوجد غيرهم كثيرون، فقال لي: ولماذا لم يهاجم أحمد غلام غيرهما؟ قلت له: أولاً أنا لست مؤهلاً لنقاشك وجدالك كوني مسلماً عادياً، وحتى أن اختصاصي بالفلكلور والتراث الشعبي، ولكن من حب المعرفة أتيت لأسمع، وثانياً: إن كل المعلومات التي أريدها منك هي لثقافتي الشخصية، وقد يأتي يوم وأكتب عن هذا اللقاء، وقد لا يأتي اليوم، فلا تعلق عليّ آمالاً إعلامية، وكان ذلك عام 1999م قال: إن ميرزا يعني بالعربية السيد، وميرزا أحمد غلام تعني \"السيد أحمد غلام\"، فالنبي اسمه أحمد غلام، قلت له: على أي قاعدة ارتكزت نبوته؟ قال: إنه نبي متبع، وليس نبياً مشرعاً، أي أن التشريع الإسلامي انتهى مع سيدنا رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن أي نبي بعده هو نبع تابع له ولا يجوز أن يأتي بتشريع جديد فهو مجدد لشريعة سيدنا محمد.

سألته: وهل كان يوحى إليه؟ قال: بلى، قلت: ومن الملاك الذي أوحى إليه؟ قال: جبريل!!، قلت: وهل يجوز أن تقرأ ما أنزله جبريل عليه في الصلاة؟ قال: لا، الصلاة لا تكون ولا تجوز إلا بالقرآن الكريم.

قلت على أي أساس زعم النبوة وسيدنا محمد خاتم النبيين؟ فقال: خاتمهم أفضلهم وليس آخرهم، وهاهي معاجم اللغة العربية بين يديك أثبت لي أن خاتمهم آخرهم وأنا أتراجع عن عقيدتي، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بين أصحابه وبينهم سلمان الفارسي فقال لأصحابة: لو كان الأمر أو (الإيمان) في الثريا لناله رجل من قوم هذا، ووضع يده على كتف سلمان الفارسي، فكانت تنبؤه لنبي فارسي هو ميرزا أحمد غلام (الحديث سمعته أكثر من مرة شفوياً في عدة مناسبات، ولكني لا أعرف صحته، ولا أعرف من رواه، ولا من خرّجه، ولو كان هذا الموضع دراسة أو تثقيفاً لما أوردته ولكن أروي على لسان الرجل)، ويعتبر هذا الحديث الركن الثاني الذي يرتكز فكر الجماعة عليه بعد (خاتمهم أفضلهم وليس آخرهم)، ثم قال: إن النبوة لا تكون إلا بعد إثبات أن المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - قد مات ولا عودة له إلى الحياة، وأن المسيح المنتظر هو غير عيسى بن مريم، وقد أثبت حضرته (هكذا) أن المسيح قد مات، وقام بالاهتداء إلى قبره وهو في الهند!!، ثم قال: وبما أن المهدي لا يموت في قتال فقد كانت مقولة المهدي السوداني ومن زعم المهدية غير صحيحة، لأنهم قتلوا قتلاً ولم يموتوا حتف أنوفهم كما حدث مع حضرته، لذلك هو يزعم أنه المسيح والمهدي والنبي ميرزا أحمد غلام.

قلت له: إنه نبي من صناعة إنجليزية، وهو قام بإلغاء الجهاد وهذا ما اعتبرته بريطانيا من صالحها فقامت بتأييده ودعمه وفتح كل قنوات الإعلام والتسهيلات الوظيفية له ولأتباعه، فقال: هذا غير صحيح، نعم نحن ضد الحرب والقتال، ولكن سبب شكر حضرته للإنجليز أنه كان هناك اضطهاد شديد للمسلمين في الهند، حتى إذا كان أحدهم يطبخ وسمع صوت الآذان يدلق الوعاء لأنه يعتبره نجساً، فقام الإنجليز بإعطاء الحرية للمسلمين وغيرهم بقيام شعائرهم الدينية بحرية، فقال حضرته: \"من لا يشكر الناس لا يشكر الله\"، فشكر الإنجليز على موقفهم، وبعد ذلك ذهب إلى لندن ليدعو الملكة فكتوريا إلى الإسلام، وهذا ما لم يفعله مسلم غيره!.

قلت له: أنت قلت إن جبريل أوحى لأحمد غلام فهلا أهديتني نسخة من هذا الكتاب؟ فقال: إنهم بصدد طباعة هذه الكتب، فعجبت لنبي عمر رسالته أكثر من 120 سنة، وله أتباع قال لي إنهم أكثر من (30) مليوناً، وإن لهم خليفة ومحطة فضائية ودعاة في كل بقاع الأرض، وحتى الآن لا أجد نسخة من كتابه المقدس؟ وسألته لماذا يحجون إلى قاديان بدل مكة، فأنكر ذلك إنكاراً شديداً، وقال: إن قاديان قرية صغيرة في الهند، وزيارتها زيارة لضريح النبي، ولا تسقط الحج لأننا مسلمون موحدون لله ولا نشرك به أحداً.

كان حديثاً طويلاً، وسجلت لقاءاً تلفزيونياً أحاور أحد الجماعة، وأحد علمائها، وكان الحديث ساخناً، وكنت أود إذاعته ليتعرف الناس إلى فكر تلك الجماعة، فهو يقول لك: أنا أوحد الله، وأؤمن برسالة محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصوم رمضان، وأصلي الفروض الخمسة، وأؤدي الزكاة، وأحج إلى البيت الحرام، ولما سألته عن شروط الانتساب إلى الجماعة قال لي: أن تكون مؤمناً بالله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وتقيم الصلاة، وتؤدي كل فرض تستطيع القيام به حسب الشريعة الإسلامية، وأن تكون على خلق، وأمور أخرى، حتى أنه لم يشترط الانتساب إلى الجماعة بالإيمان بميرزا محمد غلام، فقلت له ممازحاً: على هذا نحن جميعاً (أحمديون) أو (قاديانيون) ونحن لا نعرف!!

كان الحوار طويلاً، وهذا ما أفرزته الذاكرة، ولكن هناك أمور لا بد منها: وهي أنهم محاورون من طراز رفيع، لا يغضبون من الاستفزاز، يستشهد لك بكل ما يقول بآية وحديث، وبيت شعر وأمامك المعاجم وانظر، حتى أن المؤذن رفع الأذان، وحرصت على سماع كاملاً فوجدته أذان المسلمين في كل بقاع الأرض، وأقاموا الصلاة وقد رفضت أداء الصلاة جماعة معهم لأنه لا يجوز لي الصلاة وراء إمام هو في حكم شريعتنا مرتد، ولم يغضبوا مني، وهيأوا لي مناماً في دار الضيافة، وفي اليوم التالي طلبوا من سائق السيارة وهو من جماعتهم أن يريني حيفا، فأخذني بجولة شاهدت حدائق البهائية، وللبهائية قصة مستقلة أخرى، قد نقولها في مناسبة أخرى.

وأوصلوني إلى طولكرم ثم عدت إلى سنجل، ولكن بقيت هذه الزيارة في ذاكرتي، فالمسألة خطيرة جداً، وتتعلق بالعقيدة، وتحتاج إلى وعي كبير وإلى أسلحة دفاعية شديدة، وإلى تعريف كامل بالجماعة، حتى لو تطلب ذلك استدعاء علمائهم وهم لا يمانعون بالمناسبة، ويحاورهم علماء أكفاء، ويظهرون ثغراتهم الخفية حتى لا يقع السذج من الناس في الخطأ، وهم ضليعون بالإعلام، ولهم مجلة شهرية اسمها البشرى.

القاديانية أو الأحمدية ليست حركة سهلة، بل لها جذور ولها من يدعمها، ويفتح أمامها كل الأبواب المغلقة، ويذلل المصاعب من أمامها، وشمال فلسطين يقع في دائرة تأثيرها، ومئات من الناس اعتنقوا المذهب، وآمنوا بنبوة أحمد غلام، وفي الأردن لها جماعة ولها أمير أعرف اسمه، وحدثوني عنه.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply