الثورة البائسة: الماكرون


بسم الله الرحمن الرحيم

 

كيف استولت الزمرة الخمينية على السلطة؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تلك الخدعة الكبرى في تاريخ إيران؟

الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مراجعة التاريخ لقرن مضى ولا سيما تلك الفصول التي تتعلق بنضال الشعب الإيراني بقيادة زعمائه الدينيين مبتدأ بثورة الشيرازي الكبيرة السلمية ضد الإنجليز في عام 1891م حتى آخر ثورة شهدتها إيران بقيادة زعمائه الدينين والتي انتهت إلى سقوط الملكية وإعلان الجمهورية.

 

إن التاريخ يحدثنا بكل وضوح أن الزعماء الروحيون في تاريخ النضال الشعبي كانوا يقودون حركات التحرر بإخلاص القائد الفذ وعندما كانت الثورة تنجح في مقاصدها كان الزعماء الروحيون يعودون إلى واجباتهم الروحية ولم يطلبوا لأنفسهم جزاءا ولا شكورا.

 

قاد الشيرازي الكبير الثورة السلمية ضد الانجليز والملك المستبد ناصر الدين ولما رضخ الملك لأمر الإمام ألغى معاهدة التبغ التي ابرمها مع الإنجليز أبرق له الشيرازي يدعو له بالتوفيق ويطلب منه ان يكون قدوة لكل الحاكمين. وبعد هذه الحادثة بـ15 سنة ثار الشعب الايراني بقيادة زعيم عظيم من زعمائه الروحيين هو الآخوند (الشيخ) محمد كاظم الخراساني ضد الملك المستبد محمد علي شاه الذي الغى الدستور وحل مجلس الامة ليستبد بالامور، وخاض ذلك الزعيم الروحي غمار تلك الثورة الشعبية التي قدمت من التضحيات الكثير لينال الشعب حريته، وأخيرا عزم الأخوندة محمد كاظم الخراساني الملك من وظائفه وخلعه من عرشه واضطر الملك المعزول اللجوء الى سفارة الروس القيصرية في طهران

 

وثبت الأخوندة محمد كاظم - رحمه الله - ابن الملك المخلوع احمد شاه ملكا على إيران ولم يطالب لنفسه جزاءا ولا شكورا.

 

كان باستطاعة الخراساني أن ينصب نفسه واليا وآمرا بأمر الله على العباد والبلاد كما فعل الخميني لكنه ارتفع عن هذا المر بل انصرف إلى واجباته الروحية من جديد.

وفي عام 1950 شهدت إيران ثورة عارمة ضد الإنجليز قادها الإمام الكاشاني والدكتور مصدق رحمة الله عليهما وأصبح الإمام الكاشاني هو الحاكم المطلق في البلاد وكان باستطاعته تنصيب نفسه رئيسا للجمهورية وواليا للأمر ولكنه لم يفعل ذلك بل جلس في داره القرفصاء وعندما انتخب رئيسا رئيسا للمجلس النيابي ارتفع عن حضور جلساته وهكذا زهد في الرئاسة والحكم حتى أن احاط الامريكان بمصدق فسجن مصدق ولقي الكاشاني من الهوان الكثير. إذا لم يخطر ببال الشعب الايراني أن زعيما من زعمائه الروحيين يناضل من أجل الاستيلاء على الحكم والسلطة لاسيما إذا كان ذلك الزعيم يؤكد أكثر من مرة بأنه لا يطمع بالحكم، بل لا يخطر في باله.

كما أن الشعب الإيراني لم يفكر قد أن زعيما دينيا مثل الخميني يكذب بهذه الفضاحة أمام العالم وعندما يصل إلى مأربه يجعل الوعود كلها تحت قدميه، وهناك شيء آخر لابد من الإشارة إليه وهو أن الخميني لم يكن هو الزعيم الديني الوحيد في ميدان النضال، بل كان هناك آخرون لهم دور قيادي كبير في نجاح الثورة، وبعد نجاح الثورة عادوا إلى بيوتهم لا يتعاملون مع الخميني بل هم معه على طرفي نقيض، وهم غير راضين عما وصلت إليه الزعامة الدينية من انحدار وسوط وذل وهوان.

 

إن الامام سيد كاظم الشريعتمداري والإمام القمي والإمام الزنجاني والإمام الطالقاني رحمة الله عليهم، كان لكل منهم دور عظيم وهام في نجاح الثورة وهؤلاء الأئمة الأربعة عارضوا استيلاء الخميني وزمرته على الحكم بالنار و الحديد واعتبروا الدستور مزورا والانتخابات مزيفة وأعلنوا أن كل ما يبنى على الفاسد فاسد أيضا.

 

إذاً فإن ما يقال من استيلاء رجال الدين على السلطة في إيران بصورة عامة إنما هو في واقعه وحقيقته لا يطابق الواقع وحقيقة الامر، بل هناك طبقة خاصة من بين رجال الدين استطاعت أن تستولي على الحكم وتحتكر السلطة لنفسها والصراع بين الحاكمين من أهل العمائم والمحكومين من الطبقة نفسها على أشده في إيران، أما تفصيل تلك المؤامرة الشنيعة على الحرية والشعب باسم الإسلام والدين فهو كما يلي: لا أعتقد أن الخميني وحده هو الذي وضع خطة احتكار السلطة، بل إن زمرته لعبت دورا هاما في وضع الخطط المناسبة في الموقع المناسب مع الأخذ بعين الاعتبار سذاجة الشعب الايراني وإيمانه بالثورة ومكاسبها وتأثير المواعيد الكاذبة والخطب الرنانة في نفسية هذا الشعب المغلوب على أمره. لم يظهر الخميني في الأيام الأولى بعد نجاح الثورة ما كان يظمره في قلبه من جعل نفسه وليا على العباد والبلاد، بل عين المهندس بازركان رئيسا للوزراء واطلق يده في تعيين وزراءه ما عدا يزدي وجمران وصادق طباطبائي وعاد الى قم يستقبل جماهير الشعب كمرشد للثورة يلقي فيهم الخطب اليومية كما اجتمع على بابه رهط من الناس ولكن في الوقت نفسه استولت زمرته على اربعة من اهم المرافق الحيوية في البلاد:

 1. الحرس الثوري، الذي تم تشكيله منذ الايام الاولى من نجاح الثورة.

2. اللجان الثورية التي شكلت في المساجد وعلى رأس كل واحد منها رجل من رجال الدين المحسوبين على الخميني.

 3. المحاكم الثورية التي بدأت بتصفية المعارضين ورجال العهد الملكي فورا.

4. الاذاعة والتلفزيون. وفي الاسبوع الأول من العهد الجديد حكمت محكمة الثورة على خمسة من رجال العهدالقديم بما فيهم الجنرال نصيري رئيس السافاك المخابرات في عهد الشاه- واعدموا فور صدور الحكم على سطح المدرسة التي كان يسكنها الخميني في طهران، وأجريت المحاكمة بصورة سريعة وسرية مما ادهش العالم وذلك ان تلك الشخصيات بما فيهم نصيري كانوا من اهم ركائز العهد القديم وكان يمكن الحصول منهم على معلومات قيمة عن اسرار الدولة التي ولت الأدبار، وأعلن بارزركاك أن لا علم له بهذه المحاكمات وبالاعدامات وأنه لا يرضى إلا بمحاكمات عادلة وفق أصول متبعةفي كل أنحاء العلم، ولكن نداء بازركان لم يلق أذنا صاغية واستمرت المحاكمة في محاكمتها وظهر للشعب أن الخميني هو وراء هذه المحاكمات وهو الذي يعين القضاة بأمره الخاص، وهكذا ظهرت قوة تنفيذية جديدة تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد ولا سلطان للدولة عليها.

أما حرس الثورة واللجان الثورية فكان كل منهما دولة في دولة لا تقل شأنا وخطورة على المحاكم الثورية، لقد كان باستطاعة أي منها أن ترسل رجالها الى رئيس الدولة في أي وقت تشاء لتقبض عليه وتجره الى حيثما تريد وتشاء. وبذلك ظهرت في البلاد ثلاثة قوى تنفيذية أضعفها الدولة التي كانت تعتمد على الجيش والشرطة الذي دمر أحدهما تدميرا كاملا والثاني أصبح تحت حكم اللجان الثورية، وهكذا استولت زمرة خميني على السلطة منذ الأيام الأولى من نجاح الثورة ولكن بصورة غير مباشرة.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply