أثر الخلاف في المسائل الفقهية من حيث الإنكار وعدمه


بسم الله الرحمن الرحيم 

 

البحث عن الخلاف، وطبيعته، وأسباب حدوثه، وآدابه ليس مجال هذا البحث، الذي يهتم بتناول الخلاف من حيث إنه حدث واقع ظاهر في حياة المسلمين العلمية في الميدان الشرعي، ولا بد من شرح مبسط لقاعدة البحث قبل الدخول في مناقشتها باعتبارها وضعت (قننت) حكما عند حدوث الاختلاف، وأرشدت إلى معالم لاستيعاب الخلاف، سارت عليها الحياة الفقهية عند الأمة الإسلامية.

 

فقد تضمنت هذه القاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) عدة معالم علمية وفقهية، وأرست عدة مبادئ للجدل والحوار بحسب ظاهر لفظها ومفهومها، منها:

 

أرست مبادئ للحوار والمناظرة بين المختلفين، يقف على رأسها حسن الظن بالمخالف، وعدم الإنكار عليه باليد... أما الإنكار عليه نصحا، أو مناظرة، أو مشاورة، أو مباحثة، أو تخطئة على نتيجة الاجتهاد مع أدب القول... فهذا كان دأب أهل العلم في كل خلاف مذ كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم. [ص: 61]

 

2- لا يسري النهي عن المنكر فيما اختلف فيه الفقهاء ما دام لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا جليا. والقيد هنا قد أشار إليه واضعو القاعدة.

 

الأصل في الخلاف بين المسلمين التماس العذر للمخالف، وإحسان الظن به، ولذا لا يسري إليه الإنكار باليد، وإنما يتم الحجاج العلمي معه.

 

قسمت هذه القاعدة الأحكام الشرعية إلى قسمين: محكمات قطعية، ومسائل فرعية ؛ وذلك حتى يتسنى لكل ناظر في الفقه الإسلامي أن يفرق بين النوعين من حيث أهميتهما، وحكم تركهما أو فعلهما.

 

خضوع كل من يخالف في محكمات الشريعة للإنكار عليه، بحسب مفهوم القاعدة.

 

المحكمات الشرعية هي أساس الدين وجوهره، وعليها مدار اتفاق المسلمين، ويجب حراستها بالإنكار على الخارج عليها، بحسب مستوى الإنكار اللائق به.

 

لا يخرج عن طائلة الإنكار والنقد فيها أيا كان، مهما جل قدره، أو عظمت مكانته، فالعبرة في النظر للفعل لا للفاعل.

 

ولكن هذه القاعدة -بحسب ظاهرها- جعلت الخلاف حكما ومرجعا يعتمد عليه: فعند حدوث نقاش في مسألة فقهية اختلفت فيها الأنظار، وأراد كل طرف أن يظهر ترجيح أحدها، فإن كل طرف ملزم بأن يتحاكم إلى هذه القاعدة، والحكم هو ألا تنكر الرأي الآخر مهما ظهر أن النص ضده أو معه، أو أن الرجحان رفعه أو وضعه. وهذا بحسب ظاهرها.

 

كما حوت -بحسب ظاهرها أيضا- نفيًا بمنطوقها، وإثباتًا [ص: 62] بمفهومها: فنفت الإنكار في المسائل المختلف فيها، وأثبتت الإنكار في المسائل المتفق عليها.

 

الإشكالات المتبقية في فهم هذه القاعدة ما يلي:

 

وتبقى هناك إشكالات أخرى، من مثل:

 

1- ما المراد بالإنكار المنفي هنا؟ هل هو الإنكار باليد أم باللسان؟

 

2- هل المراد الإنكار الواجب أم المستحب؟

 

3- حال كونه باليد، فكيف تكون عبارة المنكر باللسان؛ لينا ورفقا؟

 

4- وهل تجوز بعد ذلك المباحثة والمناقشة والإقناع بين الطرفين إذا كان النفي متوجها لجميع أساليب الإنكار من يد ولسان؟

 

5- وهل يؤخذ بظاهر لفظها، فيجعل خطابا عاما للعالم فيخاطب به المسلمون وغيرهم، في المسائل العلمية والعملية، الأصلية والفرعية؟

 

6- هل كل المسائل المختلف فيها لا تنكر بأي أسلوب من أساليب الإنكار؟

 

لقد أردت بطرح هذه التساؤلات منع المسارعة في أخذ القاعدة على ظاهرها وإطلاقها؛ ولتكون مدخلا لبحث القضايا الرئيسة في مدلولاتها.

 

وعند النظر في عبارات أهل العلم يظهر جليا أن الإطلاق في القاعدة ليس على ظاهره، فقد اتفقوا على التذكير بالإنكار على المخطئ في المسائل المختلف فيها في الجملة؛ لانتماء التذكير بالإنكار إلى عدد من القطعيات الشرعية، ولكن عباراتهم اختلفت في تفصيل المعيار الصحيح الدقيق للإنكار في المختلف فيه، كما يأتي تفصيله. [ص: 63]

 

معيار التذكير بالإنكار

اختلفت عبارات أهل العلم في معيار التذكير بالإنكار في المسائل المختلف فيها [1] على عدة أقوال، منها:

 

القول الأول: معيار الإنكار هو ما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه

 

ذهب إلى هذا الرأي الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي ومثله أبو يعلى الفراء، فقد قال الماوردي : «وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل في إنكاره، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه، وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه...» [2].

 

ولكن الماوردي أورد فرقا بين ما إذا كان المنكر له ولاية الاحتساب أم لا، فقال: «واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي : هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده، أم لا؟ على وجهين؛ أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري : أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين؛ ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه. والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه؛ لتسويغ الاجتهاد للكافة، فيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون [ص: 64] المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها» [3].

 

ونص صاحب الفروع على مثل هذا، فقال: «فقد بينا الأمر على أن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها، وفي كلام أحمد أو بعض الأصحاب ما يدل على أنه إن ضعف الخلاف فيها أنكر، وإلا فلا.. وللشافعية أيضا خلاف، فلهم وجهان في الإنكار على من كشف فخذيه» [4]، وذكر تفصيلا لفروع كثيرة وردت فيها نصوص، وضعف الخلاف فيها، ونقل عن عدد من أئمة الشافعية والحنابلة الإنكار فيها.

 

واعتبار أن يكون الخلاف ضعيفا لحدوث الإنكار هو ما عبروا عنه بقولهم: فليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر [5]

 

فإن كان معتبرا لم ينكر على صاحبه إن تبادل الطرفان بيان الحجة، وإقناع المستفتي بما عندهما من أدلة.

 

فتحصل من هذا:

 

1- أن عبارة الماوردي تدل على ترك الإنكار في المختلف فيه حيث قال: «ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته»، لكن استثناءه دال على أنه يريد أن ثمة مسائل خاصة من مسائل الخلاف لا بد من إنكار القول [ص: 65] الآخر فيها إن كان ضعيفا أو شاذا، وأن بعض مسائل الخلاف التي يقوى فيها دليل كل طرف فلا إنكار فيها، ولنصطلح على تسمية هذا النوع الذي يقوى الخلاف فيه ب: «مسائل الاجتهاد»، وذلك لأن إجهاد الذهن فيها مطلوب لمعرفة أقرب الأقوال إلى نص الشارع ومقاصد التنزيل والشريعة؛ لعدم ظهور نص أو إجماع أو قياس جلي فيها.

 

2- أن الإنكار المنفي هنا إنما هو عن غير من له ولاية الحسبة، فأما من له ولاية الحسبة فله حق الإنكار على أحد الوجهين، لما يترجح عنده أنه منكر.

 

3- أن ما ضعف الخلاف فيه ينكر، وهذا يدل على تقسيمهم مسائل الخلاف إلى قسمين، وإن لم يصطلح أهل العلم هنا على تسمية مستقلة لكل قسم.

 

القول الثاني: معيار الإنكار في مسائل الخلاف هو مذهب المحتسب عليه

 

وصرح بهذا الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- حين ذهب إلى أن من شروط الإنكار: «...أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة. فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ غير المسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار. نعم لو رأى الشافعي شافعيا يشرب النبيذ، وينكح بلا ولي ويطأ زوجته فهذا في محل النظر، والأظهر أن له الحسبة [ص: 66] والإنكار... » [6]، وتابعه الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه: «أسنى المطالب»، إلا أنه استثنى من ناحية عملية بعض المسائل المختلف فيها؛ كشرب النبيذ فإن «أدلة عدم تحريمه واهية» [7]، على حد تعبيره، وهذا يدل على شعوره بأن قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) لا تنطبق على كل مسألة مختلف فيها.

 

وبذلك فإن الإمام الغزالي يرى:

 

1- أن من شروط الإنكار: أن يكون المنكر معلوما. ولكن كلمة (معلوما) ليست واضحة هنا: فهل المراد بها ورود نص قطعي الدلالة، أو يكفي أن تكون دلالته ظاهرة؟

2- أن ما هو محل الاجتهاد فلا حسبة فيه.

3- أنه ليس لأحد أن ينكر على أحد فعله ما دام مباحا في مذهب الفاعل.

4- أنه يجب على كل مقلد اتباع مذهب مقلده، فإن خالفه أنكر عليه في الأظهر.

5- أن معيار التذكير بالإنكار الفعلي والقولي هو المذهب، فمن فعل شيئا رآه جائزا في مذهبه فلا ينكر عليه، وإن كان مخالفا لظاهر النص.

 

على أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- قد بنى مذهبه هذا على أن كل مجتهد مصيب في المسائل الفقهية، حيث قسم المسائل العلمية الشرعية إلى: المسائل الفقهية وهي أحكام الحل والحرمة، التي يتصور أن يقال فيها (كل [ص: 67] مجتهد مصيب)، والمسائل العلمية العقدية والعقلية التي لا يتصور فيها ذلك [8].

 

وواضح أنه إذا سلمنا بعدم مجانبة هذا القول للنص الشرعي الآمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة فإن أقل ما يمكن أن يقال فيه: إنه مخالف لما اشتهر من إنكار الصحابة بعضهم على بعض -مما سترد أمثلة له إن شاء الله تعالى- بل لفعل الفقهاء حيث يرد بعضهم قول بعض عند مناقشة كثير من مسائل الفقه، كما هو ظاهر في كتب علم الكلام أو علم الأصول، أو علم الفقه المسمى بعلم الفروع.

 

والظاهر أن هذا غير غائب عن الإمام رحمه الله، فلعله أراد بالإنكار هنا التغيير باليد، وأما باللسان فأقل الحالات أنه لا بأس ببيان كون المختلف فيه منكرا عند القائل به على سبيل الإقناع والإرشاد، وبيان الدليل من غير اصطحاب توبيخ أو تقريع. ولذا فإن أكثر الشافعية يرون حد الحنفي إذا شرب نبيذا، لضعف أدلته [9].

 

القول الثالث: معيار الإنكار مذهب المحتسب عليه إلا في حالات استثنائية أهمها بعد المأخذ

 

وإليه ذهب الإمام السيوطي، فقد قال في كتابه الأشباه والنظائر: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه [10]، وتستثنى صور ينكر فيها المختلف فيه:

 

إحداها: أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ بحيث ينقض، ومن ثم وجب الحد على المرتهن بوطئه المرهونة، ولم ينظر لخلاف عطاء. [ص: 68] الثانية: أن يترافع فيه لحاكم فيحكم بعقيدته، ولهذا يحد الحنفي بشرب النبيذ إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.

 

الثالثة: أن يكون للمنكر فيه حق؛ كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته وكذلك الذمية على الصحيح» [11].

 

وضعف المأخذ هو ما ارتضاه العز بن عبد السلام معيارا للإنكار في المختلف فيه [12].

 

وذهب إلى شيء قريب من هذا الإمام القرافي، فإنه مال إلى اعتبار مذهب المحتسب عليه هو معيار الإنكار، «إلا أن يكون مدرك القول بالتحليل ضعيفا جدا ينقض قضاء القاضي بمثله؛ لبطلانه في الشرع كواطئ الجارية بالإباحة معتقدا لمذهب عطاء، وشارب النبيذ معتقدا مذهب أبي حنيفة». وأرشد إلى وجود نوع من المسائل تكون أقل درجة في الإنكار من غيرها من الخلافيات، فقال: «وإن لم يكن معتقدا تحريما، ولا تحليلا، والمدارك في التحريم والتحليل متقاربة أرشد للترك برفق من غير إنكار وتوبيخ؛ لأنه من باب الورع المندوب، والأمر بالمندوبات والنهي عن المنكرات هكذا شأنهما الإرشاد من غير توبيخ» [13].

 

وبالنظر إلى الترتيب الزمني للأئمة السابقين، نلحظ أن قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) قد قيدها الماوردي والفراء، ثم ذكر الغزالي ما يشبه [ص: 69] الإطلاق فيها، مع أنه قيدها بمسائل الأصول فيتم فيها الإنكار عنده، ثم عاد القرافي وابن مفلح والسيوطي فقيدوها، ومنعوا إطلاقها.

 

كما نلحظ أن السيوطي ذهب إلى أن مذهب أحد الطرفين إن كان بعيدا شرع الإنكار، وهذا مساو تماما لما في القول الأول من مشروعية الإنكار عند ضعف الخلاف.

 

القول الرابع: رأي الإمام عبد الله بن سليمان الجرهزي (ت 1035ه) [14]

 

فقد ذكر كلام السيوطي وزاد عليه مجموعة زيادات، ولذا يمكن أن نعد كلامه رأيا رابعا، وتتلخص هذه الزيادات في التالي [15] :

 

1- بين نوع الإنكار المنفي في قولهم (لا ينكر المختلف فيه)، فالإنكار المنفي إنما هو «باعتبار الإنكار الواجب، أما المندوب فيندب حتى في المختلف فيه برفق»، ومعنى ذلك «أن الإنكار المندوب لا ينفى عن المختلف فيه؛ بل يثبت لكل منكر أي حرام مجمع على حرمته، أو مختلف فيه، فيطلب ويدعى على وجه النصيحة إلى الخروج من الخلاف».

 

2- هذا الإنكار المنفي (الإنكار الواجب، الإنكار باليد) عن المختلف فيه إنما هو لغير المحتسب الذي نصبه الإمام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما المحتسب «فينكر وجوبا، على أن من أخل بشيء [ص: 70] من الشعائر الظاهرة ولو سنة كصلاة العيد، والأذان [16]، فيلزمه الأمر بهما»، وكون الحاكم له حق الإنكار في المختلف فيه ذكره صاحب «البحر الزخار»؛ إذ لا يد فوق يده وعموم ولايته [17].

 

ويلحظ مما سبق أن أيا من الفقهاء لم يصرح بأن المعيار المعتبر هو النص، بل حقيقة قولهم أن جعلوا نص المذهب مقدما على النص الإلهي أو النبوي الصحيح، وذلك لا لأن نصوص المذاهب تخالف النص، بل لأنه قد صار من المعلوم بالضرورة أن نصوص المذاهب ووجوهها وطرقها إن هي إلا محاولات استنباطية للحوادث والمسائل الفقهية من النص، وإن كان التعبير -عند بعضهم- عن هذه المسألة ب: «الإلزام المذهبي» مع أنه نص في النهاية غير سائغ من الناحية (المنهجية) الأدبية والعلمية أمام النص، على أنه يوجد في نصوص المذاهب اختلافات تعبر عنها الوجوه والطرق والاختيارات تئول في الأخير إلى الاختلاف في فهم النص، فلماذا تعسير الطريق والرجوع إلى نص غير معصوم تعددت وجوهه؛ لما فيه من خلاف في المذهب الواحد؟

 

ولا يفهم من هذه الملحوظة أن الأئمة يقدمون النص المذهبي على النص؛ بل المحمل الحسن الواجب لهم -وهو الواقع منهم- هو اعتقاد أن النص المذهبي يعبر عن الفهم للنص، فذهبوا إليه مباشرة دون أن يعبروا عن ذلك بالقول مثلا: معيار الإنكار هو مذهب المحتسب عليه في فهمه للنص. [ص: 71] وتدل العبارات الواردة في كلام الأئمة، من مثل: «أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ بحيث ينقض، (أن يكون الخلاف ضعيفا)، (ألا يكون معتبرا)، (وهو ما ليس له حظ من النظر...) » على معنى واحد هو أن الإنكار في المختلف فيه ينتفي إن كان الخلاف قويا، ويثبت إذا كان الخلاف ضعيفا (غير معتبر، بعيد المأخذ...)، ولكن الإشكال هو في معيار الضعف، فقد يكون الخلاف عندك ضعيفا، وعند غيرك قويا.

 

ومع ذلك فإن إجماع الأئمة منعقد على عدم الأخذ بإطلاق هذه القاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكما.

 

فهم [18] لم يجمعوا على معيار محدد في الإنكار لفظيا، حيث اختلفت عباراتهم فيه، ونلحظ أنه كلما تأخر عهد العالم كان أشد احترازا في ضبط القاعدة، وهو يثبت ما تقدم من أن الوضع البشري يعتريه القصور في التعبير عن القاعدة، وعلى الرغم من ذلك فإن حاصل المذاهب السابقة يكاد يكون واحدا، يتلخص في أن معيار الإنكار هو مذهب المحتسب عليه، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه.

 

ومما يدل على عدم الأخذ بإطلاق قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكما، أنه يقف حائلا بين هذا الرأي الذي يجعل للمذهب اعتبارا في الإنكار وبين صدق تطبيقه، أن كل خلاف مروي في كتب الفقه لا يعد خلافا، فهناك عدد لا يستهان به من مسائل الخلاف إنما ينقل فيه قول المخالف احتمالا؛ أي سمع عن فلان أنه قاله [ص: 72] نقلا عن صاحبه، وبينهما قرون، أو نقله أحدهم في كتاب عن صاحبه، والسند منقطع أو معضل بينهما، وقد يكون الانقطاع لأجيال، أو تقوله عليه لغل شخصي. وقد يورده أحدهم تخريجا [19]، أو احتمالا دون تأكد من صحة الخلاف عنه، ولا وسيلة للتثبت من قوله فيه، فلماذا نجعل المسألة متعلقة بخلاف فلان، وليس عندنا ما يدل على أنه خالف حقيقة.

 

ومن أمثلة هذا ما عزاه بعضهم إلى سفيان الثوري -رحمه الله- من جواز إمامة المرأة للرجال، وما عزاه آخرون إلى الإمام الطبري من جواز كون المرأة قاضية مطلقا في الحدود وغيرها، وما ذكروه عن أبي حنيفة من جواز درء الحد عن واطئ الخادمة، وما ذكروه عن أبي جعفر الطحاوي أنه أجاز الشرب من المسكر ما لم يسكر، أو ما نسب إلى أبي الخطاب ابن دحية أنه أفتى بقصر المغرب في السفر ركعتين [20]، ونحو ذلك مما يوجد في كتب الفروع الموسعة.

 

ويذهب ابن تيمية إلى أن ذلك يعود إلى أن: «القول المحكي قد يسمع من قائل لم يضبطه، وقد يكون القائل نفسه لم يحرر قولهم بل يذكر كلاما مجملا يتناول النقيضين ولا يميز فيه بين لوازم أحدهما ولوازم الآخر، فيحكيه الحاكي مفصلا ولا يجمله إجمال القائل، ثم إذا فصله يذكر لوازم أحدهما دون ما يعارضها ويناقضها مع اشتمال الكلام على النوعين المتناقضين أو احتماله لهما أيضا، وقد يحكيه الحاكي باللوازم التي لم يلتزمها [ص: 73] القائل نفسه، وما كل من قال قولا التزم لوازمه، بل عامة الخلق لا يلتزمون لوازم أقوالهم» [21]. ويقول عن نقل بعضهم: «وكثير من ذلك لم يحرر في أقوال المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله بل هو ينقل من كتب من صنف المقالات قبله» [22].

 

كما ذهب ابن القيم إلى أنه: «كثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها، وأيضا فلازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لازم النص حقا؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم قوله حق، وأما من عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمه، ولو علم أن هذا لازمه لما قاله، فلا يجوز أن يقال هذا مذهبه، ويقوله ما لم يقله» [23].

 

ومما يمكن أن يضاف أيضا إلى أدلة عدم الأخذ بإطلاق هذه القاعدة، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكما: أن خلاف العالم في مسألة ما قد تكون من زلات أهل العلم، أو من شواذ الأقوال، وهو ما حذر منه أهل العلم قديما وحديثا، وقد يستمرئ العالم زلته وهو لا يشعر، ولا ينقص ذلك من قدره لطبيعته البشرية، وهذا ما حذر منه الراشدون، فقد " قال عمر رضي الله عنه : «ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون» "، " وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : «إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، [ص: 74] والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق» " [24].

 

ومن أمثلة ذلك بيان ابن عباس رضي الله عنهما لزلة غيره، " فقد روى عكرمة عن ابن عباس : قال في مسألة فقهية قال فيها ابن مسعود بقول ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم، في الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. " ورواه البيهقي من طريقه من وجه آخر " عن سعيد بن جبير : سئل ابن عباس عن الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، قال: ليس بشيء إنما الطلاق لما ملك، قالوا فابن مسعود قال: إذا وقت وقتا فهو كما قال. قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لو كان كما قال لقال الله: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. " [25].

 

ومن ذلك أيضا " ما رواه أبو مسلم الخولاني أنه قدم العراق فجلس إلى رفقة فيها ابن مسعود فتذاكروا الإيمان، فقلت: أنا مؤمن. فقال ابن مسعود: أتشهد أنك في الجنة؟ فقلت: لا أدري مما يحدث الليل والنهار. فقال ابن مسعود: لو شهدت أني مؤمن لشهدت أني في الجنة. قال أبو مسلم فقلت: يا ابن مسعود، ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه [ص: 75] على ثلاثة أصناف: مؤمن السريرة مؤمن العلانية، كافر السرير كافر العلانية، مؤمن العلانية كافر السريرة؟ قال: نعم. قلت: فمن أيهم أنت؟ قال: أنا مؤمن السريرة مؤمن العلانية. قال أبو مسلم قلت: وقد أنزل الله عز وجل: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) فمن أي الصنفين أنت؟ قال: أنا مؤمن. قلت: صلى الله على معاذ. قال: وما له؟ قلت: كان يقول: اتقوا زلة الحكيم، وهذا منك زلة يا ابن مسعود. فقال: استغفر الله. " [26].

 

(وعن أبي عوانة قال: شهدت أبا حنيفة وكتب إليه رجل في أشياء فجعل يقول: يقطع يقطع. حتى سأله عمن سرق من النخل شيئا، فقال: يقطع. فقلت للرجل: لا تكتبن هذا. هذا من زلة العلم. قال لي: وما ذاك؟ قال قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا قطع في ثمر ولا كثر». قال: امح ذاك، واكتب: لا يقطع لا يقطع) [27].

 

ولذا ذكر القرطبي عددا من المسائل المنقولة عن أهل العلم والدين، وبين أنها زلات لا يجوز اتباعها، ومن ذلك قوله: «ذكر النسائي في كتابه: أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم، وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة في قول أحد مع السنة، وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم» [28]. وعن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: [ص: 76] دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مصنف هذا الكتاب زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب [29].

 

لذلك يمكن أن يقال: إذا أخذنا بالخلاف في كل شيء، فكيف تعد الزلة خلافا؟

 

ومما يدل -أيضا- على عدم الأخذ بإطلاق قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكما عند من قرر هذه القاعدة من ناحية عملية، أنهم ينكرون بعض مسائل الخلاف باليد عند الاقتضاء.

 

ويضاف إلى ذلك: التطبيق العملي للقرآن الكريم وهو السيرة النبوية الشريفة، وما يتبع ذلك من فهم للصحابة وعمل يوائم الشريعة؛ إذ عليهم نزل القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم يتلو عليهم آيات الله سبحانه وتعالى ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، ولم يوجد أحد منهم يعتبر المذهب الخاص به هو معيار الإنكار، بل كان النص عندهم هو معيار الإنكار ما دام ظاهر الدلالة، والحجة عليه لائحة، والفهم فيه غير بعيد المأخذ.

 

ونخلص من ذلك كله إلى أن القائلين بقاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) -رحمهم الله جميعا- لم يريدوا بها -عند تقريرها- التطبيق المطلق على كل مسألة مختلف فيها كما يتبادر من لفظها، بل قد يكون مرادهم [ص: 77] منها نفي الإنكار (لا إنكار) باليد، أو بالقول على سبيل التوبيخ والنعي الشديد... أما الإنكار بمعنى النصح، وبيان الحجج العلمية فهو مشروع عندهم جميعا، والنفي متوجه لمن ليس له ولاية الحسبة، أما من له ولاية الحسبة، فيحملهم على القول الصحيح في المسألة المختلف فيها

 

[30]، مع أن هذا قابل للتفصيل، ويخضع لمرونة في التطبيق بحسب الواقع.

 

كما قد يكون مرادهم من كلمة (الخلاف) الواردة في عبارة (في مسائل الخلاف) -وبعضهم سماها مسائل الاجتهاد، الذي ينتفي فيه الإنكار السابق- الخلاف القوي، أما الخلاف الضعيف فينكر فيه على من ضعف قوله باليد ممن يحق له ذلك أو باللسان على حسب كل. وهذا ظاهر من كلامهم إلا الإمام الغزالي، ففي قوله نوع تردد ظاهر، ومعنى هذا أنهم قسموا عمليا المسائل الخلافية إلى قسمين:

 

مسائل الخلاف: وهي ما كان أحد القولين فيها ضعيفا، حيث يكون فيها نص أو إجماع أو قياس جلي، وليست داخلة ضمن القاعدة.

 

ومسائل الاجتهاد: وهي ما كانت الأقوال فيها قوية، وهي المراد بالقاعدة، وهذا التقسيم بهذه الهيئة العملية صار تقسيما اصطلاحيا عند المتأخرين تحت الاسمين السابقين.

 

لقد قيد أهل العلم هذه القاعدة ولم يطلقوها كما يوهم ظاهر اللفظ؛ وذلك لخطورة القول بها على إطلاقها. [ص: 78]

 

آثار الاستدلال بقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف)

 

الفهم الخاطئ لهذه القاعدة والاستشهاد بها على إطلاقها دون بيان وتفصيل للمراد من مدلولها في العموم كقاعدة، ومن مدلول كلمة (الخلاف) أو كلمة (الاجتهاد) في الخصوص يوقع لبسا كبيرا؛ شأن كل احتجاج بالكلام المجمل دون بيان تفصيلي يتبعه.

 

وقد اشتكى كثرة من المحققين من ذلك حتى قال الشاطبي : «وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودا فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر... فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدا، وما ليس بحجة حجة، حكى الخطابي فى مسألة البتع [1] المذكور فى الحديث عن بعض الناس أنه قال: إن الناس لما اختلفوا فى الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه، حرمنا ما اجتمعوا وأبحنا ما سواه. قال: وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. قال: ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل [ص: 79] للزم مثله فى الربا والصرف ونكاح المتعة؛ لأن الأمة قد اختلفت فيها، قال: وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين. هذا رضي الله عنه مختصر ما قال، والقائل بهذا... قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه...» [2].

 

وهذا الفهم الخاطئ يؤذن بآثار خطيرة، منها:

 

1- تقليل الاعتماد على النصوص، وضعف النظر إليها؛ لأنه لا تكاد تخلو مسألة من خلاف، وذلك بخلاف المسائل الاجتهادية، فالخلاف فيها سائغ، والغلو في الاستدلال بهذه القاعدة يجعلها ترجع على أصلها -وهي النصوص- بالإلغاء والإبطال فتكون ندا للنص، وهذا ما جعل الأمير الصنعاني ينكر على من يستدل بهذه القاعدة في مقابل النص إنكارا شديدا فيقول: «فإن كان هذا منكرا في عصره – يعني النبي صلى الله عليه وسلم- ونهى عنه، فما الذي صيره معروفا بعد وفاته، حتى يقال: لا ننكر؟ هل بعد وفاته نسخ أو وحي يصير المنكر معروفا؟... إن هذا لشيء عجاب، أبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يستدرك عليه، ويثبت ما نفاه، ويبطل إنكار ما أنكره؟ ليت شعري ما الذي صير طاعته [3] بعد وفاته ليست بواجبة؟» [4].

 

2- تتبع زلل العلماء وشواذ الأقوال؛ إذ هي منقولة كخلاف... ولا بد من التحقيق الدقيق الذي يبين الفارق بين شاذ قول أهل العلم وخلافهم المعتبر. [ص: 80] 3- تسويق إلى التناول السطحي لاختلاف العلماء، مما ينتج عنه تسويغ كل من الرأيين الواردين في المسألة الواحدة، ولو كان الخلاف فيها ضعيفا أو شاذا، وهذا يؤدي إلى العمل بالرخص مطلقا، وتؤخذ الأقوال بالتشهي ولو كانت مجرد رأي فقيه،لا دليل له من النص الصحيح، مما يؤذن بانحلال عزائم المكلفين في التعبد، ويصير ما يزعم أنه الشريعة عبادة للهوى، كما قال الشاطبي : «الترخيص إذا أخذ به في موارده على الإطلاق كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد على الإطلاق، فإذا أخذ بالعزيمة كان حريا بالثبات في التعبد والأخذ بالحزم فيه... فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة في يده كالشاقة الحرجة، وإذا صارت كذلك لم يقم بها حق قيامها وطلب طريق الخروج منها، وهذا ظاهر، وقد وقع هذا المتوقع في أصول كلية وفروع جزئية كمسألة الأخذ بالهوى في اختلاف أقوال العلماء، ومسألة إطلاق القول بالجواز عند اختلافهم بالمنع والجواز» [5].

 

4- انهيار قواعد الإسلام؛ أصوله وفروعه؛ إذ أن أهل البدع إنما خالفوا في مسائل تصدق عليها هذه القاعدة، وهم لم ينكروا نصا بل حرفوا، وسموا تحريفهم تأويلا، ولا مفر من تطبيق هذه القاعدة عليهم عند قبولها على إطلاقها، مع تأثر بعض أجلة العلماء ممن لا يشك في دينهم ببعض بدعهم.

 

5- اجتثاث علم الجرح والتعديل؛ إذ إن كثرة من رجال الحديث قد اختلف العلماء في قبولهم وردهم، والتطبيق العملي لهذه القاعدة ألا يبحث عن الراجح في ذلك، بل من جرح أخذ بذلك، ومن عدل أخذ بذلك... دون إنكار وبحث للراجح. [ص: 81] 6- تضييع شرائع الإسلام؛ من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة، والتواصي، وأطر الظالم على الحق أطرا.

 

7- اندراس وسائل التقويم الداخلي دخل صفوف الحركات والجماعات الإسلامية، وذهاب أعظم معالم الدين؛ كالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الشوكاني : «هذه المقالة (أي: لا إنكار في مسائل الخلاف) قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرفناك، والمنزلة التي بيناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عز وجل وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته، ومعيار ذلك هو الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفا، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكرا، وإن قال قائل بما يخالف ذلك من أهل العلم فقوله منكر، يجب إنكاره عليه أولا، ثم على العامل به ثانيا» [6].

 

وحقيقة الأمر أن لآثار هذه القاعدة عند الأخذ بها على إطلاقها [7] أثرا بالغًا في انحراف المفاهيم العقدية الأساسية، مع أن الأمر واضح في أن القاعدة -بالنظر إلى أصل وضعها- لم يقصد بها الواضعون لها تعميم الإطلاق، كما هو ظاهر، وهذا ما جعل الشوكاني يقول مبينا خطورة إطلاق هذه القاعدة: «وأما ما سيأتي للمصنف في السير من أنه: لا إنكار في مختلف فيه على من هو مذهبه، فتلك مقالة تستلزم طي بساط غالب الشريعة» [8]. [ص: 82].

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply