وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله ( 2 )


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الخطبة الأولى:

أما بعد:

فإن الناس في أي زمان أو مكان لا يصلحون ولا تستقيم أمورهم وشؤونهم وهم فوضى لا سراة لهم، وجميع البشر على وجه الأرض جعلهم الله درجات فمنهم الحاكم والمحكوم والأمير والمأمور والرئيس والمرؤوس، وهذه سنة كونية من الله - عز وجل - في عباده، والمسلمون إذا طبقوا إسلامهم كاملاً ورضوا به حكماً في جميع شؤونهم فإنهم يعيشون في غاية العزة والسعادة والرفعة بإذن الله في الدنيا، ولهم في الآخرة من الله الأجر العظيم.

 

الإسلام خير كله على أهله العاملين به وغير العاملين، خير كله على البشرية جميعها، لم يترك فيه شيء إلا طرق، ولا مسألة أو مشكلة إلا وجد فيه الحل الأمثل. وإن من أهم الأمور التي يشطح فيها أبناء الإسلام خاصة في هذا الزمان وتزل بهم الأقدام وتتباين بهم حولها الآراء والاتجاهات والأهواء طاعة أولي الأمر وبيعتهم في جميع المجتمعات الإسلامية، ولو أنهم أنصفوا من أنفسهم واتبعوا كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - قراءة وتدبراً واستنباطاً بعد الفهم الصحيح الذي لن يكون إلا على أيدي العلماء المخلصين الخائفين من الله - عز وجل - والذين لا تطيش بهم الأهواء والاعتبارات أياً كانت، لو فعلوا ذلك لما تفرقوا شيعاً وأحزاباً كل بما لديهم فرحون.

 

وإننا في هذا البلد الطيب المبارك بإذن الله محسودون بين الأمم ويوشك أن تداعى علينا تلك الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، محسودون حسد غبطة بين المؤمنين في بقاع الأرض حيث يتمنون الحياة الكريمة الآمنة التي يحكّم فيها شرع الله بيننا ويريدون أن يكون حالهم كحالنا أو أفضل، ومحسودون حسد تمني زوال هذه النعم المتعددة التي نعيشها من قبل أعداء ديننا ابتداء من بني جلدتنا أصحاب الشهوات والشبهات والمنكرات والمعاصي ثم اليهود والنصارى والشيوعيين وجميع ملل الكفر ونحله ولن يرضوا عما نحن فيه وعليه ولن يقرّ لهم قرار أو يهدأ لهم بال في ليل أو نهار حتى يسعوا لتقويض معالم ديننا الإسلامي الحنيف سواء منهم وبأيديهم أو بأيدي بني جلدتنا. ولكن الله حافظ دينه وناصر لأهل طاعته وهو يدافع عنهم - عز وجل - وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

والذي أريده بعد هذه التوطئة هو الذكرى التي ينتفع بها المؤمنون وشكر الله - عز وجل - على جميع النعم التي أنعم الله بها علينا وأسبغها علينا نعماً ظاهرة وباطنة، ومن تلك النعم نعمة تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا الترابط والتآلف بين ولاة الأمر من الحكام والعلماء وبين المؤمنين الصادقين، ومنها بشائر الخير والبركة في كل يوم تطلع شمسه إذا بالأخبار السارة التي يفرح بها المؤمنون وتنشرح صدورهم ويزداد المنافقون والكافرون بها غيظاً وحقداً وكفراً ونفاقاً، هذا التلاحم والاعتزاز بالإسلام وأحكامه الذي يزيدهم عزة ورفعة ويشيع الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع، إن الشورى والاعتصام بحبل الله والتعاون على البر والتقوى من دعائم الأمن التي ننعم بها ونَتَفَيّؤُ ظلالها.

 

وأودٌّ الإشارة إلى كلمة لذلكم العالم الورع الزاهد الذي ألقى الله محبته في قلوب العباد وجعله الله سبباً من أسباب الخير في جميع بقاع العالم لما فيه صالح الإسلام وصلاح المسلمين وقدوة يقتدى به في العلم والورع والدعوة الصادقة المخلصة والحكمة التي حرمها كثير من الناس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال - تعالى -: يُؤتِى الحِكمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِىَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الألبَـابِ} [البقرة: 269]. ذلكم هو سماحة الوالد والعالم الفاضل عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - وجعل الجنة مثواه ونفع الله المسلمين بعلمه وفتواه إن الله سميع قريب مجيب من دعاه. اللهم آمين.

 

أما الكلمة فقد تناقلتها الإذاعات والصحف والمجلات حول الواجب على المسلمين نحو طاعة ولاة الأمر بالمعروف، وفيها الكلام الشافي المستنبط من كتاب الله ومن سنة رسول الله محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي ينبغي لكل مسلم أن يطلع عليه ليعرف الحق والصواب لما قد يرد عليه من غيره أو من داخل نفسه من استفسارات وتساؤلات، وخلاصة قوله - رحمه الله - بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أورد الآية القرآنية التالية وهي قول الله - عز وجل -: {يَـا أَيٌّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأمرِ مِنكُم فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيء فَرُدٌّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذالِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً} [النساء: 59]. ثم قال - رحمه الله -: هذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر، وهم الأمراء والعلماء وقد جاءت السنة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبين أن هذه الطاعة لازمة، وهي فريضة في المعروف، والنصوص من السنة تبين المعنى، وتفيد الآية بأن المراد طاعتهم بالمعروف، فيجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعاصي، فإذا أمروا بالمعصية فلا يطاعون فيها، لكن لا يأتي الخروج عليهم بأسبابها - أي بأسباب المعصية - لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من رأى من أميره شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعةٍ,، فإن من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية)). وقال عليه الصلاة السلام: ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، في اليسر والعسر، في المنشط والمكره إلا أن يؤمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة)). وسأله الصحابة لما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أنه يكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون)). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((أدوا إليهم حقهم واسألوا الله الذي لكم)).

 

وقال عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: ((بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)) [رواه البخاري ومسلم]. وهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً فيختل به الأمن وتضيع الحقوق ولا يتيسر ردع الظالم ولا نصر المظلوم وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر عظيم، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن لديهم قدرة فلا يخرجون، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم ا لخروج رعاية لمصالح العامة، والقاعدة الشرعية المجمع عليها أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين.

فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً ويكون عندها قدرة تزيله وتضع إماماً صالحاً طيباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن وظلم الناس واغتيال من لا يستحق الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم هذا لا يجوز، بل يجب الصبر والسمع والطاعة في المعروف ومناصحة ولاة الأمر والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله، وتكثير الخير، هذا هو الطريق السوي الذي يجب أن يسلك، لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشر وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر.

 

وقال - حفظه الله - عن الدعاء لولي الأمر: من مقتضى البيعة النصح لولي الأمر، ومن النصح الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة، لأن من أسباب صلاح الوالي ومن أسباب توفيق الله له أن يكون له وزير صدق يعينه على الخير ويذكّره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، هذه من أسباب توفيق الله له، فالواجب على الرعية وعلى أعيان الرعية التعاون مع ولي الأمر في الإصلاح وإماتة الشر والقضاء عليه، وإقامة الخير بالكلام الطيب والأسلوب الحسن والتوجيهات السديدة التي يرجى من ورائها الخير دون الشر، وكل عمل يترتب عليه شر أكثر من المصلحة لا يجوز، لأن المقصود من الولايات كلها تحقيق المصالح الشرعية ودرء المفاسد، فأي عمل يعمله الإنسان يريد به الخير ويترتب عليه ما هو أشر مما أراد وما هو أعظم وما هو أنكر لا يجوز له.

 

وقال في الامتناع عن الدعاء لولي الأمر: هذا من الجهل، الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات ومن أفضل الطاعات ومن النصيحة لله ولعباده، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: إن دوساً عصت قال: ((اللهم اهد دوساً، وات بهم، اللهم اهد دوساً وات بهم)). يدعو للناس بالخير، والسلطان أولى من يُدعى له، لأن صلاحه صلاح للأمة، فالدعاء له من أهم الدعاء، ومن أهم النصح أن يوفق للحق وأن يعان عليه، وأن يصلح الله له البطانة، وأن يكفيه الله شر نفسه وشر جلساء السوء، فالدعاء له بأسباب التوفيق وبصلاح القلب والعمل من أهم المهمات ومن أفضل القربات.

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وله الأمر كله وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله.

 

أما بعد:

فإن المقام لا يتسع لإيراد كلام سماحة الشيخ - رحمه الله -، ولكن ينبغي لطلبة العلم والحق والمعنيين بذلك أن يطلعوا على ذلك ففيه ما يشفي ويكفي، وواجب الجميع التعاون على البر والتقوى والنصيحة المخلصة الخالية من كل شائبة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والتكاتف والتآلف حول من ولاه الله أمرنا من الحكام والعلماء والأمراء والوزراء وغيرهم ممن له ولاية علينا في غير معصية الله - عز وجل -. وإن الكلام حول هذا الأمر يحتاج إلى خطب عدة لإيفاء الموضوع حقه الواجب على الجميع في ذلك، وأسأل الله أن يتحقق ذلك قريباً.

أورد أحاديث متعددة شاملة من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلاَّ وَحىٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) [متفق عليه]. وفي رواية: ((فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة)). وعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هذا: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) [رواه مسلم]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة)) [أبو داود والترمذي]. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلٌّوا)) [رواه مسلم]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم)). قال الراوي: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم؟ قال: ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)) [رواه مسلم]. تصلون عليهم: تدعون لهم.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((على المرء والمسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) [متفق عليه]. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) [رواه مسلم]. وفي رواية أخرى له: ((ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية)). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)) [البخاري]. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)) [متفق عليه]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية)) [متفق عليه]. وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) [رواه مسلم].وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:((إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه)) [أبو داود على شرط مسلم].

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply

التعليقات ( 1 )

خطبة ممتازة ومفيدة

21:47:08 2021-10-04

خطبة ممتازة ومفبدة يجب أن تنشر على أوسع نطاق . جزى الله خيراً كل من ساهم في نشرها .