الإسراء والمعراج


بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

أيها الناس: اتقوا الله - تعالى- واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم الكبرى, والآلاء الجسيمة العظمى، فإن نعم الله علينا سابغة, وآلاءه متواليـة متتابعة ، لقد جعلنا الله خير أمة أخرجت للعالمين، وفضل نبينا على سائر الأنبياء والمرسلين ، واختصه بخصائص لم ينلهـا أحد من البشر , ولن يصل إليها أحد ممن تقدم أو تأخر {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}. فمن خصائصه العظيمة -صلى الله عليه وسلم- ذلك المعراج الذي فضله الله به قبل أن يهاجر من مكة ، فبينما هو نائم في الحجر في الكعبة أتــاه آت فشق ما بين ثغرة نحره إلى أسفل بطنه , ثم استخرج قلبه فملأه حكمة وإيمانا تهيئة لما سيقوم به ، ثم أتي بدابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار يقال لها البـراق يضع خطوه عند منتهى طرفه ، فركبه -صلى الله عليه وسلم- وبصحبته جبريل الأمين حتى وصل بيت المقدس ، فنزل هناك وصلى , ثم عــرج بـه جبريل إلى السماء الدنيا ، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم ، قيل: مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ، ففتح له فوجد فيها آدم فقال جبريل: هذا أبوك آدم، فسلم عليه ، فسلم عليه فرد عليه السلام ، وقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ، وإذا على يمين آدم أرواح السعداء وعلى يساره أرواح الأشقياء مـن ذريتـه , فإذا نظر إلى اليمـين سر وضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، ثم عرج به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح . فوجد فيها يحيى , وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- وهما ابنا الخالة كل واحد منهما ابن خالة الآخر فقال جبريل: هذان يحيى, وعيسى فسلم عليهما فسلم عليهما فردا السلام وقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم عرج به جبريل إلى السماء الثالثة فاستفتح . فوجد فيها يوسف -عليه الصلاة والسلام- فقال جبريل هذا يوسف فسلم عليه ، فسلم عليه فرد السلام ، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم عرج به جبريل إلى السماء الرابعة فاستفتح . فوجد فيها إدريس فقال جبريل: هذا إدريس فسلم عليه ، فسلم عليه فرد السلام، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم عرج به جبريل إلى السماء الخامسة فاستفتح . فوجد فيها هارون بن عمران أخا موسى - عليه السلام - فقال جبريل: هذا هارون ، فسلم عليه فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ، ثم عرج به جبريل إلى السماء السادسة فاستفتح . فوجد فيها موسى فقال جبريل: هذا موسى فسلم عليه ، فسلم عليه فرد عليه السلام، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

فلما تجاوزه بكى موسى فقيل له: ما يبكيك؟ قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، فكان بكاء موسى حزنا على ما فات أمته من الفضائل ، لا حسداً لأمة محمد- صلى الله عليه وسلم- ، ثم عرج به جبريل إلى السماء السابعة فاستفتح . فوجد فيها إبراهيم خليل الرحمن -صلى الله عليه وسلم-، فقال جبريل هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه فسلم عليه فرد السلام وقـال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.

وإنما طاف جبريل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هؤلاء الأنبياء تكريما له وإظهارا لشرفه وفضله، وكان إبراهيم الخليل مسندا ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون ويصلون ثم يخرجون ولا يعودون، وفي اليـوم الثاني يأتي غيـرهم من الملائكة الذين لا يحصيهم إلا الله ثم رفع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله من البهـاء والحسن ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها. {إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصــر وما طغى}. ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة، فرضي بذلك وسلم , ثم نزل فلما مر بموسى قال: ما فرض ربـك على أمتك؟ قال: (خمسين صلاة في كل يوم). فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك وقد جربت الناس ، فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك ، فرجع النبي- صلى الله عليه وسلم- وما زال يراجع ربه - سبحانه وتعالى - حتى استقرت الفريضة على خمس صلوات.

فعاد - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس وصلى بالأنبياء . ولكنه قبل عودته ونزوله -صلى الله عليه وسلم- أدخل الجنة ورآها، ورأى النار وبعض من يعذب فيها، ورأى مالك خازن النار . وقدم للنبي في ليلته تلك أنواع من الشراب فاختار - صلى الله عليه وسلم - اللبن .

ومن العجيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى وهو في أثناء الإسراء من مكة إلى بيت المقدس رأى موسى - عليه السلام - يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة كما مر معنا ، وبالطبع أنه كان خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقت الصلاة، وهذه الأمور نؤمن بهاº لأنها وردت عن الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم- فسبحان من بيده ملكوت كل شيء . سبحان من يقول للشيء كن فيكون.

وفي الصباح أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخبر فكان ذلك امتحانا للناس في مكة . فما كان منهم إلا أن كذبـوا وضحكوا وصفقوا ، فازدادوا في الطغيان والتكذيب بل إنه ارتد بعض المسلمين عن دينهم حينما سمعوا بالقصـة. وقد سألت قريش النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وصف بيت المقدس ، فرفعه الله له فجعل ينظر إليه وينعته لهم فبهتوا وقالوا: أما الوصف فقـد أصـاب ، {ما كذب الفؤاد ما رأى  أفتمارونه على ما يرى}.

هذه أيها الإخوة: قصة الإسراء والمعراج باختصار كما جاءت في كتب السنة ، فإن بعض الناس يخلط بين الإسراء والمعراج , وبين الرؤيا التي رآها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام, والتي جاءت في كتب السنة, والتي رأى فيها ربه في المنام ، أو الرؤيا التي فيها أوصاف لبعض المعذبين في النار , وأوصاف للجنة وما فيها من الدرجات والمنازل التي أعدها الله لعباده المؤمنين ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما سئل: هل رأيت ربك ليلة المعراج؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (نور أنى أراه) أي أنه لم يرى إلا نوراً فكيف يراه! وقد ثبت في الأحاديث أن حجاب الله النور.

والأشد من ذلك ما ألف من تآليف موضوعة, وأحاديث مكذوبة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قصة الإسراء والمعراج يتداولها بعض الناس ولا يعرفون الغث منها من السمين ، والأولى بهم الرجوع إلى كتب السنة الصحيحة وقراءة القصة الصحيحة منها ، وترك ما دون ذلك ، فمن حدث بحديث كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أحد الكاذبين.

أسأل الله العلي العظيم أن يغفر لنا ذنوبنا, وإسرافنا في أمرنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

لقد كرم الله نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- بهذه الآية الكبرى -الإسراء والمعراج- التي كفر بها المشركون, وارتد بسببها بعض المسلمين الذين أسلموا حديثا ولم يتحملوا سماع هذه المعجزة التي كانت فيها عبرة وتمحيص , وكان فيها هدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق, وكان من أمر الله على يقين. فحينما عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصبح في المسجد الحرام جلس واجما ساكنا , فجاءه أبو جهل -عليه لعنة الله والملائكة والنـاس أجمعين- فقال: ما بك يا ابن أخي؟ فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمر فقال له: لو جمعت لك قريشاً تخبرهم؟ قال: نعم ، فجمعهم فأخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخذوا في الضحك والصفير والتصفيق فازدادوا كفرا وضلالا- والعياذ بالله- وارتد ضعفاء النفوس، أما الصديق فقال: \"إني أصدقه بخبر السماء ألا أصدقه في الإسراء\". فآمن من آمن على يقين من ربه, وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه .

أيها الإخوة: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليخفي خبر الإسراء والمعراج الذي تم في جزء من ليلة حتى ولو كان في ذلك ارتداد بعض المسلمينº ولأن هذا من الذكر الذي هو مكلف ببيانه قال- تعالى-: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين* وإنه لتذكرة للمتقين} فلا يستطيع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول شيئا على الله, ولا أن يمنع شيئا فرضه الله، وحاشاه بأبي هو وأمي أن يفعل ذلك -صلى الله عليه وسلم-: {ما ينطق عن الهوى* إن هو إلا وحي يوحي}.

ولكن أيها الإخوة: لم يرد في السير, ولا في السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بإحياء ليلة الإسراء والمعراج بذكر معين , أو بصلاة , أو بصيام يوم معين لأجل الإسراء والمعراج كما أحدثه كثير من الناس في الأيام الأخيرة , مثل الصلاة التي تسمى صلاة الرغائب بصفة مخصوصة, وذكر معين في أول خميس من رجب ، أو في صيام أيام منه , أو الاحتفال في ليلة معينة كليلة السابع والعشرين من شهر رجب على اعتبار أنها ليلة الإسراء والمعراج , وقراءة القصة التي فيها زيادات وأكاذيب لم تثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- والتي يتداولها بعض الناس، والأدعية المخصوصة التي تقال في تلك الليلة كلها ظلمات بعضها فوق بعض .

قال العلماء: إن هذه الأعمال التي تقام في رجب أمور غير مشروعة باتفاق أئمة الإسلام ، ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع . قال \"الحافظ ابن حجر\" في كتابـه [تبيين العجب بما ورد في فضل رجب]: \"ولم يرد في فضل شهر رجب, ولا في صيامه, ولا في صيام شيء معين منه, ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة\" .

أيها الإخوة: لقد سجلت كتب السير , وكتب السنة , بل القرآن العظيم هذه الآية العظيمة, ولم يسجل لها تاريخ معين , ولم يعرف في أي يوم , ولا أي شهر , ولا أي عام تم الإسراء والمعراج , ولم يرد في السنة تخصيص يوم , أو ليلة للاحتفـال بها . فهل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- جاهلاً بفضلها؟ أعوذ بالله من ذلك.

أما السؤال الثاني: فهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم فضل هذه الليلة ولكنه كتم هذا الأمر ولم يخبر الأمة به؟ أعوذ بالله أن نقول على الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا القول.

إن عدم ذكر تاريخ ليلة الإسراء والمعراج , وعدم إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة عنه , وعدم معرفة الصحابة بذلك التاريخ يدل دلالة واضحة على أنه كان يمر ذلك اليوم كغيره من الأيام والليالي ، إذا لماذا يفعل الناس الآن هذه البدع والمحدثات؟ أهم أهدى سبيلاً؟ كلا والله ثم كلا. ألا يعلمون هؤلاء الذين يفعلون هذه البدع أنهم يتهمون النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتقصير وعدم أداء الأمانة وتبليغ الأمة؟ ألا يعلم هؤلاء أنهم يكذبون بالقرآن بإحداث هذه البدع حينما قال - سبحانه وتعالى -: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}, فكأنهم يقولون: إن الدين لم يكتمل وبقي فيه بقية وهي هذه الاحتفالات والاجتماعات , أو التقرب إلى الله بما لم يشرعه ولم يبلغنا به النبي -صلى الله عليه وسلم-.

إن العبرة من هذه الآية وهذه المعجزة ثابتة بالقرآن والسنة ، ولو كان في الاحتفال بها في ليلة مخصوصة قربة إلى الله لقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك مثل ما قال للأنصار حينما رآهم يحتفلون بيومين . فقال لهم: (لقد أبدلكم الله خيرا منها يومي الفطر والأضحى). ولم يقل: وليلة الإسراء؟! ولو كان هناك ذكر , أو عبادة معينة في يوم , أو ليلة الإسراء والمعراج لقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وحض عليه مثل ما حض على قيام ليلة القدر , أو العشر الأواخر من رمضان , أو العشر الأول من شهر ذي الحجة , أو صيام الأيام البيض , أو صيام الاثنين والخميس , أو غير ذلك مما هو مسجل في كتب السنة النبوية .

فلماذا هذه البدع؟ لماذا هذه المحدثات؟ فما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع وجود المقتضي والداعي له، من السنة تركه، وعلينا باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما فعله أو أمر به ، وعلينا إتباعه - صلى الله عليه وسلم - فيما تركه أو نهى عنه.

وكما قررنا في مناسبات كثيرة القاعدة المعروفة \"أن العبادات توقيفية\". أي أنها لا تعمل ولا تشرع إلا بدليل صحيح صريح، والأصل في العبادات المنع حتى يثبت بالدليل بمشروعيتها . فما وسع النبي -صلى الله عليه وسلم - وصحابته - رضي الله عنهم أجمعين - يسعنا ، وعلينا بالتمسك بالهدي النبوي والإقتداء بالصحابة-رضي الله عنهم أجمعين- , وأن نترك ما أحدثه الناس , من احتفالات , وصلوات , وعبادات بدعية حتى ننال الفوز في الدنيا والآخرة. اللهم وفقنا لما تحب وترضى, واجعلنا من عبادك الصالحين.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply