خواطر الإجازة


 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، عباد الله يقول في الحديث الصحيح: ((نعمتان مغبون فيها كثير من الناس، الصحة والفراغ)) الحياة نعمة عظيمة ومنحة من الله كريمة ينبغي لنا أن نودع أيامها من الأعمال الجادة والمواقف الرائدة ما يعصمها من أن تصبح عبئا على أصحابها، وكابوسا على أبنائنا. إن المستفيدين من الحياة هم الذين بفضل الله أعدوا لكل يوم عمله ولكل شهر مشروعه وجعلوا من أوقات الراحة لحظات نافعة وفرصا نحو الخير دافعة.

وفي مواسم الإجازات يحسن الحديث عنها ويجمل الخطاب إلى أهلها حول استغلالها بالخير والنافع فتعالوا معاشر الإخوة لنستعرض بعضا مما يجول في الذهن من خواطر حول الإجازة.

إخوة الإيمان: من أكبر علامات المقت إضاعة الوقت، فليس الوقت من ذهب كما يقول المثل الشائع بل هو أغلى من الذهب واللؤلؤ ومن كل جوهر نفيس أو حجر كريم، إنه الحياة والعمر، والإنسان يفتدي نفسه بكل غال ونفيس، قال ابن مسعود: \" ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي \" نعوذ بالله من تناقص الأجل من غير زيادة في صالح العمل.

من أمضى يوما من عمره في غير حقٍ, قضاه أو فرضٍ, أدّاه أو مجد أصّله، أو فعل محمود حصّله، أو علم اقتبسه، فَقَدَ يومه وظلم نفسه وخان عمره.

أيها الشباب: من المحزن حقاً أن يعيش شباب في عمر الزهور واكتمال القوى لا يبالون في إضاعة أوقاتهم سدى بل إنهم يعتدون على أوقات الآخرين ليقطعوها باللهو والباطل والشؤون الساقطة والأمور المحتقرة يجب أن ننقذ شباب الأمة من هذا الذهول المهلك غفلة عن الغد وإغراق مميت في الحاضر، مسحورون بنضرة الشباب العارضة وتضيع الأيام والليالي من غير حساب ولا محاسبة. يقول - جل وعلا -: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون  [يونس: 8-7]

 

أليس من الغفلة والحرمان وسبيل فناء أمم أن يألف شباب أصحاء النوم حتى الضحى، أو ما بعده، تمرّ عليهم زهرة اليوم وهم َيغطَّون في نوم عميق قد بال الشيطان في آذانهم إذا قام أحدهم فإذا هو ثقيل الخطى خبيث النفس هزيل القوى كسلان أضاع يومه ما بين سهره ونومه.

أيها الإخوة: من أجل مزيد من حفظ الوقت والانضباط فيه علينا أن ندرك حكمة الإسلام في المداومة على العمل وإن طال فالمنقطع وذو الأمزجة لا يكاد يجدي، ولو كان كثيرا فالعمل الدائم يبدأ صغيرا ومع المداومة وقوة العزيمة يغدو كبيرا.

إن المداومة والمسارعة في الخيرات فيها اغتنام للوقت من غير تكاسل أو تثاقل ففي حديثه عن أبي هريرة أنه قال: ((بادروا بالأعمال سبعأً هل تنتظرون إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)) رواه الترمذي.

إن مما يحفظ الوقت التنظيم وحسن الترتيب فالوقت لا يتسع لكل شيء ومن شغل نفسه بغير المهم ضيع المهم وفوّت الأهم، ومن وصايا أبي بكر لخليفته عمر - رضي الله عنهما -: \" اعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار \"، ولهذا جاءت عبادات كثيرة موقوتة بأوقاتها، التقدم عليها لا يجزي والتأخر من غير عذر يوقع في المأثم والمغرم.

شباب الإسلام: تلكم أهمية الوقت فأين استغلالنا له إياكم والتسويف فإن (سوف) من جند إبليس، الموت يأتي بغتة والأكفان منسوجة والآجال عندكم غير معلومة، كم أَمَّل شاب وشابة وخططوا في هذه الإجازة، وقف الموت فجأة دون تلك الخطط والآمال، فأين العبرة والعظة؟ إذا ضمنا الغد فمن يضمن السلامة من المعوقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل أو فتنة جائحة؟ ((اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك))، حديث رواه الحاكم والبيهقي بإسناد حسن.

من ظن من الشباب أن المستقبل أكثر فراغا فليعلم أن هذا وهم، وسراب فكلما كبرت السن كثرت المسؤوليات، وزادت العلاقات، وضاقت الأوقات، وضعفت الطاقات، فالوقت في الكبر أضيق والجسم فيه أضعف فبادروا ساعاتكم ولا تتعلقوا بغائب مجهول وما التسويف إلا تفويت للحق وخسران لليوم وتضييع للغد.

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه   وأراه أسهل ما عليك يضيُع

 

إخوة الإيمان: من خواطر الإجازة التي ترد على البال أن نعلم أن في كل فراغ يمر بالإنسان فرصا للخير هي مشاريع زائدة وأفكار رائعة تجلب أجرا وتحط وزرا يجب على الإنسان استغلال فراغه فيها لتجعل أيامه عامرة بالخير غامرة بالنفع.

فأين نحن من صلة الأرحام؟ ولا سيما الأباعد، هذا الأمر الذي أهملناه وأصبح الحديث فيه غريبا في ظل ما عرفنا فيه من مادية وغفلة سيطرت على قلوبنا وعقولنا.

كم من قريب عققناه؟ وكم من رحم قطعناها؟ إن الإجازة فرصة لكم للم الشمل، إن الإجازة فرصة لِرَأب الصدع إن الإجازة خير وسيلة لصلة الرحم ثم المواصلة بعدها قال: ((إن الله - تعالى -خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال الله: نعم، أما ترضين أن أَصِلَ من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك)).

 

ومن مشاريع الإجازة أن كثيرا من أبنائنا ولله الحمد قد رزقوا مواهب وطاقات فأين نحن من تنميتها وتوجيهها إلى الخير؟ أين رعايتنا بموهبة حفظ القرآن والسنة؟ أين عنايتنا بهم بالميل إلى الثقافة أو نظم الشعر أو الكتابة؟ بل حتى المواهب الحرَِفية كالزراعة والصناعة ينبغي تشجيعها وإنماؤها، ما المانع في أن نستغل الإجازة في إشباع هذه المواهب ودعمها بأسباب القوة لتعود على صاحبها وعلى المجتمع بالخير العميم والنفع العظيم أين اهتمامنا بالقراءة أسلوبا وهدفا فردا وأسرة فلا نقرأ للمنام ولا نقرأ دفعا للسأم، بل نقرأ كل نافع ومفيد لنقوي فكرنا وفكر أبنائنا.

أيها المسلمون: من خواطر الإجازة والأفراد أننا عند الإجازة نرى بعض الأسر ينتظرون بفارغ الصبر لتبدأ رحلات سياحية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا بدعوى الترفيه وإنني إذ أدعو كل أب إلى الترفيه المباح الحلال له ولأبنائه فيجب أن يكون هذا الترفيه متفقا مع قيمه متكاملا مع عقيدته يبني ولا يهدم، يقدم ولا يؤخر فيزداد الأبناء بالتأمل في خلق الله من جبل ونهر وواد سهل وصحراء وبحر، كما يزدادون معرفة ببلاد الله الواسعة وعباده المنتشرين فوق الأرض، ولكن أن تصبح السياحة هدفا للأبناء والأسر، ومرضا لا عافية معه، وتعلقا بالشهوات والشبهات وسياحة في بلاد تخلع فيها الكرامة وينسلخ بها الحياء، ثم نبذل فيها الأموال الطائلة والأوقات الضائعة بل الأهم أن الدين والخلق يقلان ويضعفان في تلك السياحة لتنتهي بخسران عظيم وألم مقيم في التفريط في جنب الله العظيم.

 

أيها الشاب: الدين والصحة والنعمة أمور نرفض ويرفض كل ذي عقل أن تكون ثمنا لمتعة عابرة، أو رحلة جامحة، يعود صاحبها باقتناء السراب، وافتقاد مقومات الحياة السليمة، وخسران الدنيا والآخرة، وإننا حين نصرح بذلك نطالع بعين العجب والأسف إلى جرائدنا ومجلات الإعلان وقد أصبحت مرتعا لما نُحَّذر منه فحين نُقلبَّها لا نجدها ممتلئة بشروح مفصلة لما يتعرض له المسلمون في شرق الأرض وغربها من حروب فتاكة ودماء مهدرة وأراض منهوبة وحقوق مضيعة وتلك الوسائل من فرط تأثرها بهذه المآسي أصبحت تفرغ في أعمدتها حيزا كبيرا للإعلانات عن ماذا يا ترى؟! إنها الإعلانات السياحة والتخفيضات في التذاكر والإقامة في بلدان تغلب في أكثرها الفسوق والرذيلة، داعية الشباب والعائلات إلى السفر للخارج وبذل الأموال الطائلة لإضاعة الدين والعرض والوقت والصحة، بالله عليكم إخوة الإيمان ما الهدف من هذه الحملة الشعواء؟ ما الفائدة العلمية والعملية؟ إنهم يبذلون كل جهد في الدعاية لبلادهم لتصبح مهوى أفئدة أبنائنا وليصرف أغنياؤنا عندهم الأموال وتنتهك الأوقات إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

إن لنا فيما نراه من تجارب السياحة الخارجية في إجازات مضت ما هو كفيل بإعطائنا الدروس.

إذا كنا نشكو من وفرة المال فإن هناك إخوانا لنا من المسلمين يتضورون جوعا وتهلكهم المصائب ولا يجدون من يغيثهم إذا كنا نشكو من الفراغ فلنتذكر حديث نبينا محمد الصحيح حين قال: ((لن تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به)) إذا كنا نشكو من قلة الفرص لنا ولأبنائنا فإن سبل الخير متوفرة وموجودة، ولا عذر لأحد في تجاهلها من سياحة داخلية في بلادنا العامرة، وعمرة وزيارة ومراكز صيفية بناءة وحَِلق جماعات تحفيظ القرآن وغيرها من فرص الخير.

اتقوا الله رحمكم الله وقوموا مسؤولياتكم اتقوا الله في أماناتكم في أبنائكم وشبابكم وإجازاتكم.

ولنعلم أننا أمة إن تعاونت على البر والتقوى وربت عليها الأولاد والمجتمع فلن يكون بها مكان لسماسرة الترفيه المشبوه ولا لألبسة التحرر الفكري السلوكي وستجني بلادنا وأمتنا إن شاء الله أطيب الثمار عندما نحافظ على أبنائها وبناتها ونحرص على تربيتهم وندعو الله أولا وأخيرا لتوفيقهم إنه سميع مجيب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم. [الأنفال: 27-28]

بارك الله لي ولكم في الفرقان العظيم …

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه …أما بعد:

فيا أيها الناس عباد الله: إن الإجازة ثروة في الوقت وأولادنا ثروة العمر فهل نتركهم في هذه الإجازة نهبا لرفقة السوء تنزع منهم في الصيف ما اكتسبوه في دراستهم من علم وأخلاق؟

متى يبلغ البنيان يوما تمامه    إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

هل نترك أولادنا لرفاق شر يقضون معهم سواد الليل ليبثوا فيهم سواد الفكر؟

هل نتركهم إلى استراحات وأحواش وأزقة وشوارع تبعدهم من المساجد والجوامع؟

هل نغض الطرف عن سفرهم إلى خارج البلاد وليعودوا بأمراض الخارج الفكرية والكفرية والصحية؟

هل ننسى أن الجد عصمة من أمراض الفراغ وحصنٌ من التهتك والإغراق؟، وقديما قالت العرب: \" لئن كان العمل مجهدة فإن الفراغ مفسدة \"

ولئن كانت بلادنا قبلة المسلمين في صلاتهم بتوفيق الله، فنرجوه - سبحانه - أن يجعل شبابنا قدوة لشباب المسلمين، وإننا حين نوفق في توجيه أولادنا التوجيه السليم لاستغلال كل إجازة تمر عليهم فسنُحَصَّل من ذلك: الابن الرضي الذي ليس بجبار ولا عصي، البارّ بوالديه، الموقر لأهل الفضل، المحافظ على بلاده وأمته حدودا ووجودا دينا ودنيا.

نسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه وأن يكفينا شر معاصيه وأن يصلح شبابنا ويعمر بالإيمان أوقاتنا إنه سميع مجيب.

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply