خيرَة الله


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدُ لله حمداً طيباً كثيراً كما يجبُ ربُنا ويرضاه.

 

أما بعدُ:

أمةَ الإسلام: أحبابَ محمدٍ, - صلى اللهُ عليه وسلم - ، أتباعَ ملتِه وحملةَ رسالتِه وحراسَ عقيدتِه والسائرينَ على هديه وطريقتِه.

 

أيها الأخوةُ المتحابونَ بجلالِ الله، إن قلوبَنا أشدَ ما تكونُ حاجةً لأن توردَ على المأثورِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من ذكرٍ, ودعاء، يربي إيمانَها، ويكونُ يقينَها، ويزيدُ تعظيمَها لربِها ووثوقَها به.

 

يقولُ جابرُ بن عبد الله - رضي الله عنه -: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمُنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِها كما يعلمُنا السورةَ من القرآن.

 

فعش بقلبِك وأحضر إلى وجدانِك تلكَ الفِقرَات النيرةَ من ذاكَ الدعاء: اللهم إني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرك بقدرتِك، وأسأُلك من فضلِك العظيم، فإنكَ تقدرُ ولا أقدِر، وتعلمُ ولا أعلم وأنت علامُ الغيوب.

 

هذهِ العباراتُ المشرقةُ بإجلالِ اللهِ - عز وجل -، كم تربي في النفس من تعظيمِ الخالقِ - جل جلالُه -، كم تبينُ من عظمةِ الخالقِ، وتبينُ من ضعفِ المخلوق.

 

إن المخلوقَ مقيدُ بالعجز، محجوبُ بالجهلِ، إنكَ تقدرُ ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلم، أما اللهُ - جل جلالُه - فهو القادرُ على كلِ شيء، وهو الذي أحاطَ بكلِ شيءٍ, علماً، ولذا فإن العبدَ يلوذُ من عجزِه بقدرةِ الله، ومن جهلِه بعلمِ الله - عز وجل -، إن اللهَ عليمُ قدير.

 

كم هي الأمورُ التي ينظرُ إليها البشرُ بنظرِهم المحدود، ويقيسونَها بمقياسِهم القاصر، فيرونَ فيها ما يكرهون، ويستدفعونها فلا يقدرون، ويكونُ للهِ فيها من اللطفِ والخيَرَةِ ما تقصرُ عنُ عيونُهم، وتتطامن عنهُ علومُهم.

 

كم خارَ اللهُ لعبدِه وهو كاره! كم طوى اللهُ لعبدِه المنحَةَ في طي المحنَةَ!

انظر في صورِ خالدِة لا تبلى جدَتُها وقد ذُكرت في القرآن.

انظر إلى خبرِ نبيِ اللهِ يوسفَ - عليه السلام - ذلكَ الصبيُ المدللُ في كنَفِ أبٍ, رحيمٍ, مشفقٍ,ٍ, يخافُ على ابنِه أن يخرجَ في نزهةٍ,، ثم يُنتزَعُ من وسطِ هذا الدلالِ والرعايةِ ليلقى في غيابةِ الجُبِ ثم في ظُلمِ السجنِ.

 

ما هو مقياسُ هذا المصابِ في مقياسِ البشرِ القاصر، كيفَ ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهد؟

 

إنهم ينظرونَ إليه بإشفاقٍ,، صبيُ حرمَ حنانَ الأبوة، حرمَ عطفَ الوالد، حرمَ لذةَ التلذذِ بنعمةِ الحنان، ثم يتعرضُ بعد ذلك لخطفِ الرقِ وقيدِ السجن.

هل ينظرُ البشرُ إلى هذا المشهدِ إلا بهذه النظرة! ولكن كان علمُ الله، وحكمةُ الله، تدخرُ ليوسفَ شيئاً آخر، تدخرُ ليوسفَ النبوةَ والرسالةَ، وتدخرُ له حُكمَ مصِر، تدخرُ لهُ أن تكونَ خزائنُ مصرَ بيدِه، فإذا يوسفُ يخرجُ من السجنِ إلى الحكم، وإذا الأبُ الذي عميَ عليه حزناً يقرُ به عيناً، وإذا الأخوةُ الذينَ ألقوه في غيابةِ الجبِ يقولون له: {تَاللَّهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.

 

ما الذي كان سيبقى ليوسفَ لو بقيَ حالُه كما كان! سيبقى ابناً مدللاً لأبٍ, شيخٍ, تضعفُ قوتُه يوماً إثر يوم، ولكنَه يُنتزعُ من هذا الجو في مشهدٍ, ظاهرُه المحنةَ وفي طيِه المِنحةَ، إن خيرَةَ اللهِ كانت تدخرُ ليوسفَ ما كانت أفهامُ البشرِ تعجزُ عن إدراكِه أو استشفافِه، أعد النظرَ إلى البداياتِ ثم إلى النتائجِ، واعتبر خيرَةَ الله الذي يعلمُ ونحنُ لا نعلم.

 

ثم انظر إلى خَبرِ موسى - عليه السلام -، موسى الذي يعيشُ ربيباً لفرعونَ، يعيشُ في بلاطِ الملك، يعيشُ في نعيمِ الترف، يعيشُ لذةَ التمتعِ بكل متعِِ الملوكِ والفراعنة، ثم يقدرُ اللهُ عليه قدرَه فإذا الملأُ يأتمرونَ به ليقتلوه، وإذا به يخرجُ من المدينةِ خائفاً يترقب، ويصلُ على مدينَ لاغباً جائعاً يرفعُ بصرَه إلى السماءِ بذلةٍ, ومسكَنةٍ,: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلتَ إِلَيَّ مِن خَيرٍ, فَقِيرٌ}.

 

ماذا يقولُ المقياسُ البشريُ عن هذا المشهد!

 

ماذا يقولُ النظرُ القاصرُ عن هذه الفصولُ من خبرِ موسى؟ إنه إنسانُ فوتَ على نفسِه فرصاً كثيرة، وتعرضَ لمتاعبٍ, لم تكن أصلاً في طريقِه، هكذا يقولُ النظرُ القاصرُ المحدود.

 

أما حكمةُ اللهِ وخيرَةُ الله فكانت تدخرُ لموسى شيئاً آخر، تدخرُ لموسى ما هو أعظمُ من قصورِ الفرعون، وما هو أعظمُ من نعيمِ الترف، كانت تدخرُ له منصبَ الرسالة، وشرفَ النبوةَ، وأن يكلمَه ربُه بلا تُرجمان، وأن يكونَ من الخمسةِ الأوائلِ في تاريخِ البشريةِ كلِها، من أوليِ العزمِ من الرسل.

 

ماذا تساوي كلُ تلك المتعِ التي خسِراها في قصرِ الفرعون أمامَ خيرَةِ اللهِ المذكورةِ له.

 

ثم انظر بعدُ إلى قصةِ الخَضِرِ وموسى - عليهما السلام- يومَ ركبا السفينةِ فخرقها، لقد قال موسى بالعلمِ البشريِ: {أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَيئاً إِمراً}، ولكنَ الخَضِرَ الذي كان يستشرفُ حكمةَ الله يرى إلى خيرَةَ اللهِ في هذا المصابِ لأهلِ السفينة، لقد كان وراؤهم ملكاً يأخذُ كلَ سفينةٍ, صالحةٍ, غصباً.

 

ثم الغلامُ يقتلُ تحتَ سمعِ موسى وبصرِه، على يدِ من؟

على يدِ الخَضِرِ، فماذا يقولُ العلمُ والنظرُ البشريُ في هذا المشهد: {أَقَتَلتَ نَفساً زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ, لَقَد جِئتَ شَيئاً نُكراً} ولكنَ خيرَةَ اللهِ لأهلِ هذا الغلامُ يستشرفُها الخَضِرُ - عليه السلام - إن هذا الغلامُ لو عاشَ لأرهقَ والديهِ طغياناً وكفراً، فإذا قُتلَ أبدلهما اللهُ خيراً منه زكاةً وأقربُ رحماً.

 

إن النظرةَ البشرةَ القاصرة، تنظرُ إلى مشهدِ الوالدينِ يومَ ولِدَ الولدُ ففرحاً به، ويومَ قتلَ فحزناً عليه، لكنها لا تستشرفُ ما في طيِ علمِ اللهِ من حكمةٍ, وخيرَة.

 

ثم انظر إلى هذا المعنى العظيمِ على مستوى الجماعة.

 

انظر إلى مشهدِ المسلمينَ وهم يتسللون مستخفينَ يخرجونَ من مكةَ إلى المدينة، إن المشهدَ يريكهم وهم يخرجونَ مستخفينَ مشردينَ قد تركوا وطنَهم وهم له محبون، وتركوا أهلَهم ومالَهم وذوي أرحامَهم.

 

أي معنىً يوحي به ذلكَ المشهد، إنه الرثاءُ لهؤلاء المستضعفين الذينَ يتركونَ خلفَهم كلَ شيء، ويقدِمونَ إلى بلدٍ, لم يحسبوا في حسابُهم البشريُ أن هناكَ ما ينتظرُهم به من متعِ الدنيا. إنهم يخرجونَ من بلدِهم يتسللونَ مشردينَ خائفين في مشهدٍ, يثيرُ الرثاءُ إلى أرضٍ, أخرى وقومٍ, آخرين، ما الذي يمكن أن يوحيَ به هذا المشهد إذا أُخذ على حدتِه؟

 

جرد نفسَك عن بقيةِ المشهدِ وانظر إليهم، انظر إليهم وقد خرجَ كلُ منهم تاركاً دارَه، تاركاً مالَه، تاركاً أهلَه، ويممَ تلقاءَ المدينةِ، وليس هناكَ ما يُوعدُ به من مال أو مأوى، أي نظرةٍ, بشريةٍ, تنظرُ إلى هذا المشهد؟ هل يمكنُ أن يُفيضَ عليها ذلكَ المشهدُ إلا الرثاء لذلك المهاجرِ والرحمة له؟.

 

ولكن كانت خيرَةُ اللهِ المطويةُ في علمِه المحيط، تدخرُ لهم مشهداً آخرَ عظيما رائعاً، إنه مشهد صُنعِ تاريخِ البشرية، وانطلاقِ الرسالةِ في طورٍ, جديد، ووضعِ حجرِ الأساسِ لقيامِ الدولةِ الإسلامية، وإذا ذلكَ المشهد يولدُ نمواً متتابعاً يتمددُ في شكلٍ, سريع تكلأهُ رعايةُ الله، ويتنزلُ عليه نصرُه وعونُه حتى يمدَ ذراعيه تضربُ أمواجُ المحيطُ الأطلسيُ على غربِه وترتاحُ جبالُ الصينِ على شرقِه.

 

إن خيرَة الله كانت مذخورةً لهؤلاء الذين خرجوا مستضعفينَ لم يوعدوا بشيءٍ, من متاعِ الدنيا، وإنما وعدوا بالجنةِ.

 

ثم انظر إلى مشهدٍ, آخر.

 

انظر إلى مشهدِ المسلمينَ وقد أناخوا بالحديبية:

قلوبُهم تتقطعُ شوقاً إلى البيتِ العتيق أن تلتصقَ أحشاؤهم به، وأن تكتحلَ أعينُهم برؤيتِه، جاءوا على أملِ الطوافِ به، جاءوا على أملِ الصلاةِ في رحابِه، جاءوا ومعهم رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - لم يكونوا قلةً قليلة بل كانوا ألفاً وأربعمائة، كلُ منهم قد باعَ للهِ نفسَه.

 

وإذا بالمفاوضاتِ تدورُ بين محمدٍ, - صلى الله عليه وسلم - وكفارَ قريش، لتنتهي باتفاقيةٍ, كانت بنودُها في ما يظهرُ للمسلمينَ جائرةً، فحزنت القلوبُ وتألمت النفوس، وعز عليها أن تصدَ عن البيتِ وقد اقتربت منه، وتردُ عنه وقد اقتربت منه، وترجعُ عنه وقد قدمت إليه، رجعت وفي القلبِ حسرة، وفي القلب غصة، وفي العين عبرة، حتى يجيَ عمرُ - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحُرقةِ المؤمنِ ولهفتِه يقول: يا رسولَ الله ألسنا على الحق، أليسوا على الباطل، قال بلا، قال: فلم نُعطي الدنيةَ في ديننا؟ قال: إني عبدُ الله. يفعلُ ما يوحى إليه - صلى اللهُ عليه وسلم - ويصدرُ عن أمرِ ربِه.

 

إن النظرةَ البشريةَ لهذا المشهد تفيضُ على النفسِ الحزنَ أن يردَ هؤلاءِ ويرجعوا وفي أيديهم اتفاقيةُ جائرة، أن يرجعوا هذه السنة، ويعودوا السنةَ القادمةِ وليس معهم من السلاحِ إلا سلاحُ المسافر، وليس لهم فرصةُ إلا ثلاثةَ أيامٍ, يقيمونَها في مكة، ثم من لحق من المسلمينَ بالنبيِ - صلى اللهُ عليه وسلام - وهو من أهلِ مكةَ فإنَه يردُ إلى المشركين، أما من لحق بالمشركين مرتداً من المسلمين فلا يردَ إليهم.

 

لقد كانت اتفاقيةً فيما يبدو للناسِ جائرة، ولكنها كانت فتحاً مبيناً، فلم يمضي بعد هذه الاتفاقيةَ إلا زمناً يسيراً وإذا بالمسلمينَ يسيرونَ إلى مكةَ في قطعانٍ, كالليلِ البهيم، عشرةُ ألافِ سيفٍ, كلُها تحيطُ برسولِ الله - صلى اللهُ عليه وسلم -، تم تدخلُ مكةَ فاتحةً منتصرةً تتهاوى أصنامُها تحت أقدامِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: \"وَقُل جَاءَ الحَقٌّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً \".

 

لقد كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهؤلاءِ الذينَ رجعوا وفي قلوبِهم حسرة، وفي أنفسِهم لوعة، ولكن كانت خيرَةُ اللهِ مدخرةُ لهم في علم اللهِ المحيط.

 

ثم انظر بعد إلى آلاف الأسرى من الروم ومن الفرس:

 

ومن أبناء الممالكِ التي فتحَها المسلمون، هؤلاءِ الذينَ دخل الإسلامُ بلادَهم وهم كارهون، هؤلاءِ الذين عاشوا آلامَ الهزيمة، ومرارةَ الأسر، ثم كان عاقبةَ ذلك دخولُهم الإسلام، فإذا هم يتبوءون نعيمَ الهداية، ويحرزونَ فوز الآخرة، ثم لا أسفَ بعد ذلكَ على ما فات من الدنيا. لقد كان مشهدُهم في نظرِهم وهم يهزمونَ على أيدي المسلمينَ مشهداً يثيرُ الرثاء، ولكنَه كان في حقيقتِه أنهم كانوا يقادونَ إلى الجنةِ في السلاسل يومَ دخلوا هذا الدين فعرفوا لذة الانتماءِ إليه، ونعيمَ الهدايةِ في ظلالِه.

 

وهكذا لا تزالُ تجدُ في حياةِ الأفرادِ والجماعاتِ من الوقائعِ المماثلةِ ما يملئُ القلبَ ببردِ اليقينِ إلى خيرَةِ اللهِ - جل وعلا - التي قد تكونُ فيما يكرههُ عبده أو عبادُه.

 

كم رأينا ببصرِ أعيننِا داعيةً يضيقُ عليه في بلدِه فيخرجُ منها أو يُخرَجُ منها فيجدُ في أرضِ اللهِ مراغماً كثيرةً وسعة، يجدُ بلاداً تؤويه وتُعزُه وتنصُرُه وتمكنُ له.

 

كم رأينا داعيةً يُقتَلُ لإخمادِ ذكرِه، فيزيدُه اللهُ بهذا القتلِ شرفاً إلى شرفِه، ويزيدُ ذلك في ذكرِه ذكراً، ويزيدُ ذلك في عزِه عزاً، وإذا آثارُه تلقى بعد موتِه قَبولاً، كما قال سيد قطب - رحمَه الله -: إن كلماتِنا ستظلُ عرائسَ من الدمعِ هامدةً، فإذا أسقيناها بدمائِنا انتفضت وسارت فيها الحياة، وهكذا كان، لقد كان دمُ السيدِ القطب حياةً دافقةً في كلماتِه هزتها ودفقت فيها الحياة.

 

أيها الأخُ المبارك:

إن علينا أن نعيَ جيداً أنه قد يكونُ من خيرَةِ اللهِ للعبد ملاقاتُه لما يكرهُه، ولكن العبرةَ بالعاقبة، وقد قال اللهُ - جل وعلا -:\" وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبٌّوا شَيئاً وَهُوَ شَرُّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ\".

 

إن الإنسانَ عاجزُ عن معرفةِ المستقبل، بل الإنسانُ عاجزُ عن انتظارِ المستقبل: وكان الإنسانُ عجولاً.

 

ولذلك قد يقابلُ الإنسانُ ما يكرهُه، ولكن خيرَةَ اللهِ مطويةً في ذلك، وخذ مثالاً على ذلك، الإمامُ النوويُ - رحمَه الله -:

فقد بدأ حياتَه العلميةَ دارساً للطب، فبدأ يقرأُ كتابَ القانونَ لابنِ سيناء، فوقعَ في قلبِه كرهُ لهذا العلم، وبلادةُ عن فهمِه حتى ضاقَ به ذرعاً، فألقى كتابَ ابنِ سيناء جانباً، واتجَه إلى الذي هو خير، إلى العلمِ الشرعي، ففتحَ عليهِ فيه فتحاً مبيناً، فإذا أثارُه لا تزالُ إلى اليومِ تنطقُ بالدعاءِ له، كم تذكرنا ذلكَ الإمامَ النووي ونحن نتسأل: كم من مساجدِ المسلمينَ يُذكرُ فيها الإمامُ النوويُ عصرَ كلِ يوم فيقولُ إمامُ الحي: قال الإمامُ المؤلفُ - رحمه الله - تعالى -، ثم يقرأُ فصولاً من رياضِ الصالحين! كم يرفعُ لهُ من دعاءٍ, في كلِ يوم! أي فضلٍ, أحرزَه، وأي شيءٍ, قد فاتَه يومَ فاتَه كتابَ القانونِ لابنِ سيناء.

 

وهكذا في حياةِ الإنسانِ قد يخسرُ في تجارة، قد يفقدُ نصيباً من أعراضِ الدنيا يكونُ في ذلك توفيرُ لدينِه، وعصمةُ لعرضه، وحفظُ لإسلامِه: \" فَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَيَجعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً \".

 

ولذا فإن القلوبَ لابدَ أن تربى على التسليمِ لله، والتفويضِ إليه كما علمَ النبيُ - صلى اللهُ عليه وسلم - البراءَ في دعاءِ النوم الذي هو آخرِ ما يقولُ العبد: (اللهم إني أسلمتُ نفسي إليك، ووجهتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك) وكما قال مؤمنُ آل فرعون: \"وَأُفَوِّضُ أَمرِي إِلَى اللَّه \".

 

علينا أن نربيَ أنفسَنا على إحسانِ الظنِ باللهِ - جل جلالُه-.

قال الإمامُ ابنُ القيم - رحمه الله -: حسنُ الظنِ باللهِ يدعو إلى التوكلِ عليه، فإنكَ لا تتوكلُ إلا على من ترجوه، لابد أن يأويَ المؤمنُ من التفويضِ لله، وحسنُ الظنِ بالله، والثقةِ بالله، أن يأويَ من ذلك إلى رُكنٍ, شديد.

 

علينا بعدَ ذلك أن نعيَ قضايا:

 

أولُها وأهمُها: أننا عندما نرى الظلمَ يحدث:

 

فعلينا أن نتذكرَ أنه لا يحدثُ في غفلةٍ, من الله، ولا في جهلٍ, من الله، ولا في عجزٍ, من الله، انظر إلى نبيِ اللهِ يوسفَ - عليه السلام - يرسلُ إلى العزيزِ قائلاً: {فاسأَلهُ مَا بَالُ النِّسوَةِ اللَّاتِي قَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيمٌ} إن كيدَهُن لم يكن يحدثُ في غفلةٍ, من الله، لقد كدنَ لي وربي عليمُ بكيدِهن، ولذا فإن المؤمنَ إذا رأى ظُلمَ الظالمين، ينبغي أن يتذكرَ أن هذا الظلمَ لا يحدثُ في غفلةٍ, من الله: \"وَلا تَحسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُم لِيَومٍ, تَشخَصُ فِيهِ الأَبصَارُ \".

 

ثانيا: علينا أن ننظرَ إلى الهزائم لا على أنها الماحقةُ والقاصمة فتُورثُنا الإحباطَ، ولكن رب هزيمةٍ, كانت بدايةَ الانتصار، ورب هزيمةٍ, جاءت لتربي الأمةَ وتعدُها لتستقبلَ انتصاراً يليقُ بها.

 

ولذلك نتذكرُ هذه الأيامُ وفي هذه المحنُ عشيات استقلالِ البلادِ الإسلامية، يومَ دفعَ المسلمونَ دماؤَهم في حربِ المستعمرين، فلما حٌررت تلكَ البلادِ بدماءِ المسلمينَ قفزَ إلى الحكمِ طغمةٌ من الشيوعيينَ والعلمانيينَ والخونَةِ والعملاء، وجثموا على كراسيَ الحكمِ إلى اليوم، لقد كان المشهدُ في ظاهرِه وأولِه يورثُ الحسرة ويورثُ الألمَ أن يقطفَ الثمرةَ غيرَ من جاهدوا.

 

ولكننا الآن نستشرفُ حكمةً للهِ في ذلك، نعم لقد كانت الشعوبُ عندما تحررت من الاستعمارِ شعوباً مهزومةَ الوجدان، تعيشُ غَشيةَ الانبهارِ بالحضارةِ الغربيةِ، لم تكن معدةً ولا لائقةً لتتحمل تبعاتِ الحكمِ بشريعةِ الله - عز وجل - ربما قبلت الحكمَ بالشرع قبولَ المجربِ لا قبولَ المتعبدِ للهِ بذلك، ولذا امتُحنت بهذه الحكوماتِ المتعاقبةِ التي حكمتَها بكلِ أنواعِ الحكمِ إلا الحكمِ بالشريعة.

 

حُكمت الشعوبَ الإسلاميةِ بكل أنواعِ الحكمِ إلا الحكمِ بالإسلام، فذاقت من ذلكَ مرارةٍ, انعقدتَ في حلوقِها، وآلاماً استقرت في قلوبِها لتعلمَ أن كلَ خيارٍ, غير خيرَةِ اللهِ مفلسُ وخاسر، ولتطالبَ اليومَ بتحكيمِ شريعةِ الله، برغبةٍ, أشد وإلحاحٍ, أقوى.

 

ثم ننظرُ اليومَ إلى ما يحدثُ وإلى تفويتَ الفرصةَ على المطالبينَ بتحكيمِ الشريعة ليظل ممسكاً بالحكمِ طُغمُ العسكرِ التي تتسلقُ إلى منصاتِ الحكمِ بالأحذيةِ الغليظة، تستهينُ بالإنسانِ، وبقيمتِه كإنسانٍ, فظلاً عن قيمتِه كمسلم لتقامَ معسكراتِ الاعتقالِ، وتضمَ عشراتِ الآلاف، يؤخذُ أحدُهم هذه الأيامُ دون أن يستبدلَ ملابسَه، بل دون أن يأخذَ معَه الدواء الذي يستعملُه ولا يستغنيَ عنه.

 

نرى ذلك فنتذكرُ حكمةَ الله، ونقولُ لعل في ذلك حكمة، لعلَ الشعوبَ تُصنعُ بهذه المحن ليزدادَ عطشُها وتعطُشُها إلى اختيارِ حُكمِ الله، والإلحاحِ في طلبِه، والصبرِ على التضحياتِ في سبيلِه، لعل الأمةَ تربى بهذا لانتصارٍ, يليقُ بها يذخرُه اللهُ - جل جلالُه- لها.

 

لابد من عطشٍ, إلى تحكيمِ الشريعة، عطشُ يجعلُ الشعوبَ تختارُها خيارَ المتعبدِ للهِ بها، الذي يستهينُ كلَ ثمنٍ, يقدمُ في سبيلِها، إن الأمةَ تُصنَعُ بهذه المحن، وتُربى بها لتتهيأ لطلبِ الحكمِ بشرعِ اللهِ - عز وجل - مهما كلفَ من تضحياتٍ,، ومهما استلزمَ من تبعات، ومهما وِضعَ أمامَه من عقبات، لابد أن تعلمَ الأمةُ أن النصرَ ينبثقُ من الظلمةِ، ويأتي عند اشتدادِ الأزمة، وقد يتأخرُ لحكمةٍ, يعلمُها الله.

 

إن الشعوبَ المعرضةَ عن الله لا يُنعمُ عليها بشرعِه إلا بعد ابتلاءٍ, وتمحيص، قد يكونُ منهُ هذا الذي نعيشُه الآن، ولذا لم يؤيد النبيُ - صلى الله عليه وسلم - يؤمنُ برسالتِه ثم ينصرُها، ولكن أُيدَ - صلى الله عليه وسلم - بأتباعِه الذين تربوا معَه، وصنعوا معهُ الأحداثَ ابتغاء رضوانِ اللهِ - عز وجل -، وانبثقَ النصرُ للنبيِ - صلى الله عليه وسلم -، وانبثقَ النورُ من وسطِ الظلمة، إن اللهَ نظرَ إلى أهلِ الأرضِ فمقتَهم عربَهم وعجمَهم إلا بقايا من أهلِ الكتابِ فأرسل حينئذٍ, رسولَه.

 

إن علينا أيها الأحبابُ أن نستشعرَ ذلك، وأن نتذكرَ أن المحن التي نعايشُها في سنين ليست إلا ومضةً أو لمعةً في عمرِ الزمنِ الطويل، وأن نظرَنا وعلمَنا المحدودِ قاصرُ وكليلُ وكسيح، وأن هناك علماً للهِ محيطاً شاملاً هو فوقَ علمِنا وفوق إدراكِنا، وأن نتذكرَ ونحنُ نرى ونعايشُ ما نعايشُه اليومَ أن ربَنا - جل جلالُه- مطلعُ وعالمُ بما يحدث، وأن ما يجري لا يجري في غفلةٍ, من الله، ولا في عجزٍ, من الله - تبارك ربي وتقدس-، وأن نتذكرَ ونحنُ نعايش ما نعايشُ اليومَ أن الله أغيرَ على دينِه منا، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (أتعجبونَ من غيرةِ سعد، لأنا أغيرُ من سعد واللهُ أغيرُ مني).

 

علينا أن نتلقى ما نتلقاهُ اليومَ بحسنِ الظنِ باللهِ - عز وجل - بالتفويضِ إليه، بالركونِ إليه، باستشعارِ عظمتِه، بالتسليمِ لحكمتِه - جل جلالُه وتقدست أسمائُه-. هذه المعاني الإيمانيةُ يجبُ أن تربى في النفوسِ، وتزرعَ في القلوبِ، وتتُعاهدَ في الخواطرِ والوجدان.

 

أيها الأحباب: أختم هذه الكلمةُ بكلماتِ نورانيةٍ, انبثقت من المعاناةِ ومن الألم، قالها رجلُ يكتبُها بدمِه ويعصرُ معها دموعَه، ويسكبُ فيها آلامَه وآمالَه، أدعُكَ مع كلماتٍ, للأستاذِ السيدِ القطبِ - رحمه الله -رحمةً واسعة يقول: النصرُ قد يبطئُ على الذينَ ظُلموا وأخرجوا من ديارِهم بغيرِ حقٍ, إلا أن يقولوا ربُنا الله، ولكن هذا البطئُ لحكمةٍ, يريدُها الله.

 

قد يبطئُ النصرُ لأن الأمةَ لم تنضج بعدُ نُضجَها، ولم يتمُ بعدُ تمامَها، فلو نالت النصرُ حينئذٍ, لفقدتهُ وشيكاً لعدم قدرتِها على حمايتِه طويلاً.

 

قد يبطئُ النصرُ حتى تبذلَ الأمةُ آخرَ ما في طوقِها من قوة، وآخرَ ما تملُكهُ من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً إلا بذلتهُ هيناً رخيصاً في سبيلِ الله.

 

قد يبطئُ النصر حتى تتجردَ الأمةُ وتجربَ آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدَها بدونِ سندٍ, من اللهِ لا تكفلُ النصر.

 

قد يبطئُ النصرُ لتزيدَ الأمةُ المؤمنةُ صلتَها بالله وهي تعاني وهي تتألم وهي تبذل فلا تجدُ لها سنداً إلا الله، وهذه الصلةُ حينئذٍ, هي الضمانةُ الأولى لاستقامتِها على النهج فلا تطغى ولا تنحرفُ عن الحقِ والعدلِ إذا انتصرت.

 

قد يبطئُ النصرُ لأن الأمةَ المؤمنةُ لم تتجرد بعدُ في كفاحِها وبذلِها وتضحياتِها للهِ ولدعوتِه، فهي قد تقاتلُ لمغنمِ، وقد تقاتلُ لحميةٍ,، واللهُ - جل وعلا - يريدُ أن يكونَ الجهادُ له وحدَه وفي سبيلِه وحدَه.

 

قد يبطئُ النصر لأن في الشرِ الذي تكافحُه الأمةُ بقيةُ في نفوسِ الناس، فيريدُ اللهُ - جل جلالُه- أن يجردَ الشرَ منها ليتمحض خالصاً، ويذهبَ بعد ذلكَ وحدَه هالكاً.

 

قد يبطئُ النصرُ لأن الباطلَ الذي تحاربُه الأمةُ المؤمنةُ لم ينكشفَ زيفُه للناسِ تماماً، فلو غلبَه المؤمنون حينئذٍ, قد يجدُ له أنصاراً، وقد يجدُ من يأسفُ عليه من المخدوعين.

 

قد يبطئُ النصرُ لأن الأمةَ لا تصلحُ لاستقبال الحقِ والخيرِ والعدلِ الذي تمثلُه فيظلُ الصراعُ قائماً حتى تتهيأُ النفوسُ من حولِه لاستقبالِ الحقِ الظافرِ ولاستبقائِه.

 

من أجل هذا كلِه ومن أجلِ غيرِه مما يعلمُه اللهُ ولا نعلمُه.

 

قد يبطئُ النصرُ فتتضاعفُ التضحيات، وتتضاعفُ الآلام مع دفاعِ الله عن الذين آمنوا وتحقيقِ النصرِ لهم في النهاية. انتهى كلامُه - رحمه الله-.

 

 

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply