كيف ينمو التطرف؟


بسم الله الرحمن الرحيم

التطرف هو الغلو والشذوذ بالبُعد عن الوسطية في اتجاه اليسار البعيد أو اليمين الأبعد في السلوك الإنساني، أو المبادئ وما يعتقده الناس من قيم ومعتقدات دينيه أو دنيوية.

وتتسم بعض العلوم والنظريات المذهبية، والفلسفية، والاقتصادية، والاجتماعية بالتطرف تبعاً لمنظّريها وأرائهم وثقافتهم.

والتطرف قديم في هذا الكون منذ خلق الله آدم، ومستمر حتى نهاية الحياة، تتجلى مظاهره في صور عدة عند الناس، وهو ينمو ويتطور في الوسط الخصب المساعد على بقائه واستمراره.

ولا نستطيع أن نطلق على التطرف \"الظاهرة\" وإعطائه صفة العمومية والكلية لمحدودية هذا السلوك أو المبدأ أو المذهب، فهو موجود عند قلة من الأفراد، أو جماعة صغيرة من المجتمعاتº تؤمن بهذه الطريقة، وتميز شخصيتها عن الآخرين.

والتطرف بمعنى \"المغالاة\" في الفعل هو قمة التوصيف لمسمى الوصول إلى \"القمة\"، يتلوه ترجمة الدافع الداخلي للنفس البشرية في صوره وأسلوب غايته، وقبل بلوغ صفة التطرف عند الفرد أو الجماعة تسبقها درجة التشدد كمرحلة، وأقل منها الذاتية والأنانية وحب التملك كمرحلة تشكل الأساس في الجانب الانفعالي والوجداني في مرحلة تنشئة الطفل في محيط الأسرة والبيئة.

والثقافة السائدة في المجتمع، والجماعات المشكلة لفكر وفلسفة المجتمع، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية، والفهم الخاطئ عند البعض لمبادئ ونصوص المعتقدات الدينية بدافع من الغيرة الدينية، وحسن النيةº يؤدي بالبعض للوصول إلى صفة التطرف ثم الهدم والتدمير.

وبأسلوب العلم نضع هذه الصفة في معادلة علمية:

الذاتية والأناينة ( مع الجهل والفقر يؤدي إلى ) التشدد (مع التربية الخاطئة تؤدي إلى ) التطرف = الهدم والدمار، وهي النتيجة.

 ونؤكد على عدد من العوامل المساعدة لصفة التطرف مرافقة للوليد غير السوي، المسخ عن أقرانه في الشكل والمضمون، المرفوض اجتماعياً ودينياً، وأخلاقياً.

أولها: البيئة الأسرية المؤمنة بأفكار ومعتقدات وثقافة خاصة تنقلها عبر التنشئة إلى أبنائها.

وثانيها: وجود الفرد في بيئة تعاني من القهر والكبت، والفقر والجهل والإحباط، تربطه في محيطها ولا تسمح له بالانفكاك أو التحرر من قيودها، فيرضع من هذا المحيط الهواء الفاسد، والسوداويةº فينطلق مرغماً إلى صفة التطرف المغلف بالعدوانية تجاه الآخرين.

وثالثهما: أهمية دور الجماعات الخاصة في المجتمع - المذهبية الدينية، أو عصابات الإجرام المنحرفة السرية، أو التيارات المرتبطة بالغرب ثقافياً، وأيديولوجياً، وعملياً من أبناء الوطن الذين يسعون لتجنيد المراهقين والشباب لمصالح جهات أجنبية خارجية، ذات بعد استراتيجي طويل وبعيد وغامض، عن طريق الإغراء بالمال، والسفر للخارج، وحل مشاكلهم الحياتية، والوعود بكفالة تحقيق أمالهم وطموحاتهم في مجتمعهم -.

رابعاً: إغفال الدولة والصفوة الحاكمة لدور التنمية الاقتصادية، وتحقيق برامج اقتصادية واجتماعية وسكانية طموحة للقضاء على الفقر، والجهل، والمرض، ورفع مستوى الدخل للفرد، ومكافحة البطالة - العدو الأول لاستقرار المجتمع، والمساعد الأكبر في ظهور \"صفة التطرف\" - تكفل اتزان المجتمع نفسياً، واجتماعياً ليكون معافى من كل الأمراض.

خامساً: إحياء الدور الطليعي الكبير لمؤسسات التربية والإعلام في المجتمع، بأن تلعب دورها المنشود في التنشئة والإصلاح، وإعداد المواطن الصالح الإيحابي مع وطنه وقومه وقضاياه، وكسر القيود والحواجز والتسلط المعرقلة لتوجهات وأهداف وبرامج هذه المؤسسات، وأن يكون دور الدولة هو الإشراف والتوجيه والتمويل والتعاون لتضمن بذلك أداءها لرسالتها على أكمل وجه.

سادساً: المعالجة المبكرة لكافة الانحرافات السلوكية والثقافية والمذهبية والإجرامية، وعلى رأسها الفساد، وظواهر الثأر، وكبح عوامل مسببات التطرف من جذورها بأسلوب التخطيط ومنهجية علمية، وإشراك صفوة علماء الدين، والمفكرين، وعقلاء المجتمعº في الإسهام بمعالجة الصفات الضارة والمهددة لاستقرار وتماسك المجتمع ووحدته الوطنية، وهذا واجب وطني وديني على الجميع القيام به تحت إشراف الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، دون تقاعس، تهيئ له الحكومة البنية الأساسية، والمناخ الصحي للعمل.

هذه بعض العوامل المساهمة في خلق صفة \"التطرف\"، المرض الخبيث الذي تعاني منه أغلب المجتمعات والدول في العصر الحديث، كما أرى من واقع تجربتي وخبرتي بواقع الحال.

ومعالجة نمو هذه المشاكل والظواهر هو الحل الأمثل بالتصدي والعلاج، خير من التفرج والنظريات الشكلية التي نسمعها عبر ورش العمل العقيمة، والندوات الكلامية النظرية الاستعراضية لمقترح هذا، ومداخلة ذاك، وخيالية ذلك.

والأفكار لا بد من تنفيذها في الواقع قبل استفحال الخطر والوصول لمرحلة الندم، لأن التاريخ لا يرحم، له صفحة بيضاء، وأخرى سوداء، يدون على الأولى المخلصين والشرفاء، والثانية المجرمين والمنافقين.

وهي.. دعوة للجميع، حكاماً ومحكومين، وغداً لناظره قريب؟

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply