الآن نغزوهم ولا يغزوننا


 

بسم الله الرحمن الرحيم

كان - صلى الله عليه وسلم - يعمل حساب كل القوى المجاورة، ولا يغفل عن أي قوة منها، وقد صرح بعد غزوة الخندق بأن الخطة القادمة هي غزو قريش، فقد تغيرت موازين القوى، وأصبح المسلمون لهم القدرة على الهجوم أكثر من قبل، فسعى - صلى الله عليه وسلم - لبسط سيادة الدولة على ما تبقى من قوى حول المدينةº لأن ذلك له صلة بالإعداد لغزو قريش في مرحلة لاحقة، فقد قام - صلى الله عليه وسلم - خلال عام واحد -العام السادس- بغزوتين وأرسل أربع عشرة سرية غير ما قام به في نهاية العام الخامس الهجري، وهذه الأعمال والتحركات قصد منها المزيد من إنهاك قوى قريش وإحكام الحصار، وتقليم أظفارها من خلال اقتطاع كل ما يمدها بالقوة من حلفائها([2])، فقد استثمر رسول الله وأصحابه ما حققوه من نجاح في صد الأحزاب وإفشال خططهم، وردهم كيد يهود بني قريظة في نحورهم، فباشروا نشاطًا واسع النطاق ضد خصومهم على جميع الجبهات، فقد ضيقوا الخناق الاقتصادي على قريش من جديد، كما نفذوا العديد من السرايا لمعاقبة المشركين في الأحزاب من جهة أو للثأر من القبائل التي كانت قد غدرت بالدعاة، أو ناصبت الإسلام العداء، وقد تمثل النشاط العسكري الإسلامي خلال هذه الفترة فيما يلي:

 

أولاً: سرية محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء:

كانت العشائر النجدية من أجرأ العناصر البدوية الوثنية على المسلمينº لأن النجديين أهل قوة وبأس وعدد غامر، وقد رأينا كيف أن العمود الفقري لقوات الأحزاب الضاربة كان من هذه القبائل النجدية، حيث كان رجال هذه القبائل الشرسة يشكلون الأغلبية الساحقة من تلك القوة الضاربة، ستة آلاف مقاتل من غطفان وأشجع وأسلم وفزارة وأسد، كانت ضمن الجيوش التي قادها أبو سفيان لحرب المسلمين فحاصرهم أهل المدينة.

ولهذا فإن أول حملة عسكرية وجهها النبي - صلى الله عليه وسلم - لتأديب خصومه بعد غزوة الأحزاب هي تلك الحملة التي جردها على القبائل النجدية من بني بكر بن كلاب الذين كانوا يقطنون القرطاء بناحية ضربة([3])، على مسافة سبع ليالٍ, من المدينة، ففي أوائل شهر المحرم عام خمس للهجرة وبعد الانتهاء مباشرة من القضاء على يهود بني قريظة وجه - صلى الله عليه وسلم -([4]) سرية من ثلاثين من أصحابه عليهم محمد بن مسلمة لشن الغارة على بني القرطاء من قبيلة بكر بن كلاب، وذلك في العاشر من محرم سنة 6هـ([5])، وقد داهموهم على حين غرة فقتلوا منهم عشرة وفر الباقون، وغنم المسلمون إبلهم وماشيتهم([6]). وفي طريق عودتهم أسروا ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة، وهم لا يعرفونه فقدموا به المدينة وربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: ما عندك يا ثمامة؟، فقال عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان دين أبغض إليَّ من دينك فأصبح دينك أحب الدين إليَّ والله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك فأصبحت بلدك أحب البلاد إليَّ، وأن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله ولكني أسلمت مع محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -([7]). وقد أبر بقسمه مما دفع وجوه مكة إلى أن يكتبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام([8])، فاستجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجاء قومه بالرغم أنه في حالة حرب معهم، وكتب إلى سيد بني حنيفة ثمامة: أن خَلِّ بين قومي وبين ميرتهم، فامتثل ثمامة أمر نبيه، وسمح لبني حنيفة باستئناف إرسال المحاصيل إلى مكة، فارتفع عن أهلها كابوس المجاعة([9]). وفي هذه القصة دروس وعبر منها:

 

1- جواز ربط الكافر في المسجد.

2- جواز المن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة لما أسداه النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه من العفو والمن بغير مقابل.

3- الاغتسال عند الإسلام كما فعل ثمامة حين أسلم.

4- الإحسان يزيل البغض وينبت الحب.

5- يشرع للكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم أن يستمر في عمل ذلك الخير.

6- الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه([10]).

7- الإسلام يغير سلوك المؤمن حين يضع المسلم قدراته تحت إمرة الإسلام والمسلمين، كما فعل ثمامة بعدم إرساله القمح لأهل مكة إلا بإذن من الرسول - عليه السلام -.

8- ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان، وعند تركه للكفر، كل علاقاته السابقة، والتزامه بأوامر رب العالمين بعد إيمانه([11]).

 

ثانيًا: سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر:

تعتبر سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، استمرارًا لسياسية النبي - صلى الله عليه وسلم - العسكرية لإضعاف قريش ومحاصرتهم اقتصاديًّا على المدى الطويل، فقد بعث - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قبل الساحل، ليرصدوا عيرًا لقريش، وعندما كانوا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع، فكان قدر مزود تمر، يقوتهم منه كل يوم قليلاً قليلاً، حتى كان أخيرًا نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الجنود صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية، فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن([12]). يقول جابر - رضي الله عنه -  أحد أفراد

هذه السرية: (كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل)([13]) وقد سأل وهب بن كيسان جابرًا - رضي الله عنه - : ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت([14]).

وقد اضطر ذلك الجيش إلى أكل ورق الشجر، قال جابر - رضي الله عنه - : وكنا نضرب بعصينا الخبط([15])، ثم نبله بالماء فنأكله([16]) (فسمى ذلك الجيش جيش الخبط)([17])، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله عنهما - أحد جنود هذه السرية الشجاعة، وهو رجل من أهل بيت اشتهر بالكرم، فنحر للجيش ثلاث جزائر([18])، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه([19]).

فبينما هم كذلك من الجوع والجهد الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطئ، ويصف لنا جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم([20])، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر([21])، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاثمائة حتى سمَّنا، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب([22]) عينيه بالقلال([23]) الدهن، ونقتطع منه الفدر([24]) كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها([25])، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -([26]) فقال: «ما حبسكم؟ » قلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة([27])، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» قال: فأرسلنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه فأكله([28]). كانت هذه السرية على الأرجح قبل صلح الحديبية، وليس في رجب سنة ثمانٍ, كما ذكر ابن سعد([29])، وذلك لسببين: السبب الأول: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يغز ولم يبعث سرية في الشهر الحرام، والثاني: أن رجب سنة ثمان هو ضمن فترة سريان صلح الحديبية([30]).

وذكر ابن سعد والواقدي([31]) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثهم إلى حي من جهينة، وقال ابن حجر([32]): إن هذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيحº لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًا من جهينة، ويحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم([33]) أن البعث كان إلى أرض جهينة([34]).

 

وفي هذه القصة دروس وعبر منها:

1- حكمة أبي عبيدة - رضي الله عنه -  حيث جمع الأزواد، وسوى بين المجاهدين في التوزيع ليستطيع تجاوز الأزمة بهم، وذلك درس تعلمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمليًا أكثر من مرة.

 

2- كرم قيس بن سعد بن عبادة - رضي الله عنهما -، في وقت عصيب، ليس بيده يومها ما يخفف عن الناس، ففي رواية الواقدي: «أن قيس بن سعد - رضي الله عنه -  استدان هذه النوق من رجل جهني، وأن أبا عبيدة - رضي الله عنه -  نهاه قائلاً: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك([35])، فأراد أبو عبيدة الرفق به([36]).

 

وقد بدأ سعد ينحر وينحر حتى نهاه أبو عبيدة، فقال له سعد: يا أبا عبيدة أترى أن أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، لا يقضي عني تمرًا لقوم مجاهدين في سبيل الله([37])، وقال ذلك قيس لأبي عبيدةº لأنه قد اتفق مع رجل من جهينة على أن يشتري منه نوقًا ينحرها للجيش على أن يعطيه بدل ذلك تمرًا بالمدينة وقد وافق الجهني على تلك الصفقة.

 

وعندما علم سعد بن عبادة بنهي أبي عبيدة لقيس بحجة أنه لا مال له، وإنما المال لأبيه، وهب ابنه أربع حوائط أدناها يُجذ منه خمسون وسقًا([38]).

3- الحلال والحرام: إن المسلمين في هذه السرية بلغ بهم الجوع غايته، فكانت التمرة الواحدة طعام الرجل طوال يوم كامل في سفر ومشقة، ويمرون وهم على تلك الحال من فقد التمر وأكل الخبط على الجهني الذي اشترى منه قيس أو على قومه، فما يخطر بفكرهم أن يغيروا عليهم لينتزعوا منهم طعامهم، كما كانت الحال في الجاهليةº لأنهم اليوم ينطلقون بدين الله الذي جاء ليحفظ على الناس أموالهم في جملة ما حفظ وهم اليوم يفرقون بين الحلال والحرام الذي تعلموه من منهج رب العالمين([39]).

4- جواز أكل ميتة البحر: وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله - عز وجل -: (حُرِّمَت عَلَيكُمُ المَيتَةُ) [المائدة: 3]، وقد قال - تعالى -: (أُحِلَّ لَكُم صَيدُ البَحرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُم وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: 96]، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة (أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه) وفي السنن عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) حديث حسن. كما أن في أكل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من لحم الحوت الذي تغذى منه المسلمون مدة دليل على مشروعية أكل ميتة البحر([40]).

 

5- بعض الأحكام التي ذكرها الإمام النووي: قال النووي: في هذا الحديث جواز صد أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه، وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وألا يختص بعضهم بأكل دون بعض، والله أعلم([41]).

ثالثًا: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل:

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply