بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
الخطبة الأولى:
أيها المسلمون، إن من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية وأسمى غاياتها، بناء مجتمع قوي متماسك، لبنته الأولى والأساسية هي الأسرة. ولقد أحاط الإسلام عقد النكاح بالرعاية والعناية، وسماه الله تعالى في كتابه ميثاقًا غليظًا.
ومن هنا، فإن طائفة من أهل العلم قرروا قاعدة جليلة تفقهًا في نصوص الوحيين، وهي: (إن الأصل في الفُرقة بين الزوجين هو الحظر، إلا لداعي الضرورة، أو الحاجة الملحة، أو المصلحة الراجحة).
أما القول بأن الأصل في الطلاق الإباحة المطلقة دون قيد أو سبب، فهو قول فيه نظر ظاهر؛ فالطلاق ليس مجرد خيار يُلجأ إليه لأدنى سبب، بل هو حظر في الأصل، وجُعل مخرجًا اضطراريًا، ويدل على هذا الأصل التحريمي أمور عظام:
أولًا: إن الفُرقة بين الزوجين وهدم البيوت هو من أحب الأشياء إلى إبليس اللعين؛ ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ علَى المَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ منه مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فيَقولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فيَقولُ: ما فَعَلْتَ شيئًا، قالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فيَقولُ: ما تَرَكْتُهُ حتَّى فَرَّقْتُ بيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قالَ: فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أَنْتَ». فلو كان الطلاق مباحًا مستوي الطرفين بلا كراهة أو تحريم في الأصل، لما كان التفريق بين الزوجين هو الإنجاز الأكبر الذي يُدني الشيطان من عرش إبليس!
ثانيًا: الوعيد الشديد الشامل للرجل والمرأة في طلب الفرقة بلا سبب ملجئ؛ قال صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ».
وفي المقابل، وصف النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي يطلبن الفُرقة بلا سبب قاهر بوصف شنيع، فقال: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ»؛ وكل شيء وُصِف صاحبه بالنفاق في السنة فهو محرم شديد التحريم.
عباد الله، إن الإسلام حظر حتى المشاعر أو المطالب التي تؤول إلى هدم بيوت الآخرين استئثارًا وبغيًا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَسْأَلِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا».
إن مقاصد الشريعة قامت على بقاء المجتمع متماسكًا، وإنما شرع الله باب الطلاق وتفاصيله وأحكامه لتنظيم الفُرقة في حال تعذر الحياة تمامًا، ولم يشرعه تشجيعًا على انفصامها وهدمها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى. وبعد:
أيها الأخوة الفضلاء، قد يشكل على البعض ورود آيات في القرآن الكريم تأمر بالطلاق أو تنظمه، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}.
والجواب عن هذا الإشكال يتضح بالتفريق الدقيق بين أمرين: أصل إيقاع الطلاق، وطريقة وقوعه.
الأدلة والتحذيرات السابقة: تتكلم عن أصل الطلاق قبل إن يقع، وتبين حكمه وتمنع منه وتزهّد فيه ما لم تكن هناك ضرورة.
أما الآيات الكريمات (فطلقوهن): فهي تتكلم عن كيفية الطلاق وطريقته وسنّته فيما لو وقع وتقرر فعلًا لعجز الزوجين عن الإصلاح. فالآية ترشد إلى الطلاق السُّني الشرعي في طهر لم يمسسها فيه، ولا تعني أبدًا إن أصل الطلاق مباح في كل وقت بلا سبب.
مِثلُ ذلك كمثل تنظيم الشريعة لأحكام القصاص أو الديات؛ فوجود أحكام تفصيلية لها لا يعني إن القتل في أصله مباح، بل هو محرم، لكن إن وقع الجرم جُعلت له أحكام تضبطه.
أما ما اشتهر على ألسنة الناس من حديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق"، فهو حديث ضعيف من جهة الرواية، والمعنى الصحيح الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الأخرى التي ذكرناها هو إن الأصل فيه المنع والتحريم حتى تدعو إليه حاجة ملحة أو مصلحة راجحة، وحينها فقط يكون حلالًا دُفع به ما هو أشد ضررًا منه.
فاتقوا الله في بيوتكم، وعظّموا ميثاق الله بينكم، واعلموا إن بقاء الأسر وتماسكها غيظ للشيطان، وقوة للإسلام والمسلمين.
اللهم أصلح بيوت المسلمين، واجمع قلوب الأزواج على المودة والرحمة، واكفنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونزغات الشيطان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.