صلاح الدين الأيوبي في عيون معاصريه


 

بسم الله الرحمن الرحيم

ثلاثة يمكن أن نعتد برأيهم ، ونطمئن إلى حكمهم على صلاح الدين º لأنهم عاشروه، ولازموه، وكانوا أعرف الناس به وبشمائله : هؤلاء الثلاثة هم: القاضي الفاضل ، والقاضي بهاء الدين بن شداد ، والكاتب الشاعر عماد الدين الأصفهاني . وإذا ذهبت تقرأ ما كتبه هؤلاء الثلاثة عن السلطان ، فستقف معهم مبهوتا مأخوذا بعظمته ، مؤمنا بأن الشرق في وقت من الأوقات لم يكن يصلح له إلا رجل له نفس كنفسه ، وعزيمة كعزيمته . فما هي بعض نواحي العظمة في هذا السلطان ؟ وأيها أولى من سواها بزيادة الإعجاب والإعظام ؟

قد تقرأ كثيرا من نوابغ الحرب ، وقد تعجب كثيرا بما يظهرونه من الشجاعة والصبر ، ولكنك لم تسمع بعد إلا في فترات قليلة بالطبع أن جنديا جمع إلى نبوغه في ميدان القتال نبوغا في ميدان الأخلاق ، وبحسبك أن تعلم أن صلاح الدين كان هو الرجل الذي بنى حياته الحربية كلها على الوفاء ، وأنه كان أبعد الناس عن الطرق التي توصف بالغمــوض والالتواء .

وقد تقرأ كثيرا عن مشهوري الملوك ، وتعجب أحيانا بما يظهرونه من التواضع والنبل وكرم السلوك أن ملكا مهما بلغت سماحته ، وحكم عليه تواضعه أن أخضع نفسه للقانون ، وسوى في ذلك بينه وبين خصمه ، وإن كان خصمه من أصغر أبناء الشعب .

الحق لقد كان السلطان الناصر صلاح الدين ملكا تجتمع فيه كل هذه الخصال ، بل رجلا يمكن أن تكون سيرته مثلا عاليا لكل واحدة من هذه الخصال ، فلا تزنه فقط بواحد من عظماء التاريخ ، وإنما زنه بثلاثة أو أربعة منهم ، يختص كل عظيم منهم بناحية من نواحي العظمة لا يشركه فيها أحد سواه .

ومن أمثلة تواضعه ما ذكره ابن شداد بقوله : - قيل إن رجلا من خدم السلطان رمى رجلا آخر مثله بحذاء كان في يده ، فاجتاز الحذاء الخادم إلى السلطان نفسه في خيمته . فما كان من السلطان إلا أن أدار وجهه ، وانتحى به ناحية أخرى كي لا يحرجهما. إلى أن ابتعدا عنه حياء وخجلا منه !

هذا في زمن السلم : أما في أوقات الحرب فبحسبنا أن نعلم أن هذا السلطان كان ينقل الحجارة بيده ، ويحمل التراب على كتفه ، لا فرق في ذلك بينه وبين سائر الجند ، ولقد أورد الكتاب والأدباء أمثلة كثيرة على رأفته ورحمته على الفقراء والنساء والأطفال والعجزة في يوم حطين ما يكفي للدلالة على نبله إلى الحد الذي لايبلغه أحد سواه .

وقد ينسى له أعداؤه كل شيء ، ولكنهم لا يستطيعون أن ينسوا له كرمه ومروءته ، واتساع إنسانيته ، وذلك حين سمع بمرض عدوه اللدود ريتشارد قلب الأسد ، فأبت رحمته وشفقته إلا أن يبعث إليه بطبيبه الخاص . ومعه كل ما يستطيع أن يحمله من الدواء والعقاقير .

على أن الحياة نفسها لم تكن في نظر الرجل عدوا يؤسر ، وبلادا تقهر ، وحصونا تنهار، وحروبا تثار ، وإنما الحياة الصحيحة عنده هي كذلك علم ينشر ، وأدب يزهر ، وعقيدة تظهر وتتطهر ، ومن هنا جاء فضله على الحضارة الإسلامية والعقل الإسلامي في العصور الوسطى .

لقد كان متمسكا  بالسنة إلى أبعد حد ، فكان يكره الفاطميين ، ويبغض الفلاسفة من قلبه فقد قتل السهروردي حتى لا ينفذ سمه إلى العقيدة ، ويشكك في عقيدة أهل السنة .

أما ميوله الأدبية فقد ظهرت في حبه الشعر ، وتشجيعه للشعراء ، واستحسانه لما يسمع منه ، وتأثره وانفعاله بهذا الذي يسمع . بل قيل إن ديوان الحماسة لأبي تمام كان من حفظه ، وكان كثيرا ما ينشد بعض قصائده .

ومن الأبيات التي كانت تعجبه ، قول الشاعر في خضاب الشيب :

وما خضب الناس البياض لقبحه

فأقبح منه حين يظهر ناصله

ولكنه مات الشباب فسودت

على الرسم من حزن عليه منازله

وكان إذا قال : ولكنه مات الشباب : أمسك كريمته بيده، ونظر إليها وهو يقول : أي والله مات الشباب !!

وبتلك الأخلاق التي اشتهر بها الملك الناصر صلاح الدين، وبهذه السيرة التي عرفها المسلمون والصليبيون ، أصبحت شخصية جذابة استطاعت أن تؤثر في الخلقين الشرقي والأوربي . فأما الخلق الشرقي فقد شاع فيه الميل إلى التضحية وإنكار الذات ، وساده نوع من الزهد واستصغار شأن الدنيا . وأما الخلق الأوربي فقد تلخص عندهم في -نظام الفروسية - . وهو نظام أخذه الأوربيون باعترافهم عن المسلمين في أثناء الحروب الصليبية.

وفي وفاة هذا السلطان العظيم يقول ابن شداد :  -غاب ذهن السلطان في تلك الليلة وإلى جانبه الشيخ أبو جعفر يتلو القرآن ، فلما انتهى إلى قوله تعالى - هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة- سمعه يقول : صحيح. صحيح . ثم لما أتى قوله تعالى : -لا إله إلا هو عليه توكلت- تهلل وجهه بالبشر وسلم روحه إلى بارئها ! وتجهز الناس لدفن السلطان ، فدفنوه بقلعة دمشق ، ووقفوا يبكونه بكاء مرّا .

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply