التراث الأفريقي العربي بين الاندثار ومحاولات الإنقاذ


  

بسم الله الرحمن الرحيم

المؤشرات العامة حول مدى الارتباط بين الجزيرة العربية والقبائل الأفريقية من ناحية، وبين مدى التطور التاريخ الحضاري في الجزء الغربي من القارة الأفريقية من ناحية أخرى تفيد بأنها شهدت تفاعلات إيجابية وبدرجات مذهلة من حضارة إلى أخرى إلى أن استوعبتها الحضارة الإسلامية التي صارت توجه دفة الحياة هناك توجيها مباشراً وكاملاً.

فقد امتدت الدعوة الإسلامية واللغة العربية إلى الجزء الغربي من القارة الأفريقية وقامت على إثرها ممالك أفريقية إسلامية ساهمت بشكل ايجابي في نقل ونشر حضارة الإسلام، فساعد بذلك على ازدهار تلك المنطقة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ويُشار في هذا الصدد إلى ما لدولة المرابطين من مؤثرات قوية على انتشار الإسلام وثقافته في إمبراطورية غانا القديمة ومساهمتها في قيام ممالك إسلامية في كل من غانة ومالي وصنغي وبرنو وكانم.

وقد تفاعل الأفارقة المسلمون من رجال تلك الممالك مع هذا الإشعاع الحضاري الإسلامي العربي في غاية من الإيجابية والقبول، حيث ساهموا في ازدهار هذه الثقافة العربية الإسلامية، وكانوا أول من قاموا بتعريب ألسنتهم وانصهروا في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية تماماً حتى أتقنوها وبرعوا فيها، فخلفوا لنا ثروة علمية هائلة عُدّت من عيون التراث العربي الإسلامي، ممثلة في آلاف المخطوطات المكتوبة باللغة العربية في مختلف الفنون والعلوم، ومتفرقة في أنحاء المناطق والأمصار.

وإذا كانت المخطوطات تُعد من أهم أوعية المعرفة القيمة والنادرة، ومن كُبريات الشواهد المادية والتاريخية للاستدلال على المستوى العلمي والحضاري والفكري لأية أمة من الأمم، فإن منطقة غرب أفريقيا تزخر بالعديد من تلك الشواهد التاريخية الحية والنماذج الحقيقية عما وصل إليه العلماء الأفارقة المسلمون في مجال الإسهام الحضاري للثقافة العربية عبر عصور التاريخ المختلفة.

 

تاريخ المخطوطات العربية:

يرجع تاريخ المخطوطات العربية في غرب أفريقيا إلى وقت مبكر جداً، قبل القرن الثالث عشر الميلادي، إلا أنها شهدت ازدهاراً وتطوراً كبيرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وكثرت فيهما المؤلفات العربية وقامت حركات الجهاد الإسلامي في أغلب أنحاء المنطقة، والتي واكبتها ثورة علمية تجديدية مثل: حركة الشيخ عثمان بن فودي في منطقة شمال نيجيريا، وحركة الشيخ أحمد حم لب في مالي، وحركة الشيخ عمر بن سعيد الفوتي في فولتا جالو(السنغال) وحركة الشيخ محمد الأمير الكانمي في برنو (شرق شمال نيجيريا) وغيرهم، وكانت اللغة الرسمية لهذه الحركات والتنظيمات هي العربية وهي لغة المراسلات والقضاء وجميع العقود، كما أن اللغات المحلية مثل: الفلانية والهوساوية والبمبرا واليوربا والكانورية كانت تكتب بالحرف العربي، وما زالت آلاف الوثائق والمخطوطات بهذه اللغات مكتوبة بالحرف العربي.

 

كوارث وهجمات على التراث:

تعرض هذا التراث العربي الأفريقي الضخم إلى أكثر من كارثة، عبر العصور التاريخية المختلفة، فقد كان التدمير الذي تعرض له هذا التراث في القرن العاشر الهجري على يد\" هولاكو الأفريقي\" أكبر فظاعة من هجمات هولاكو التتار في العراق، وتذكر بعض المصادر التاريخية مثل (تاريخ تمبكتو) أن الهجمات التي شنّها سلطان مراكش على ملوك صنغاي قد أسفرت عن إحراق منازل العلماء ومكتباتهم التي كانت تحتوي على نفائس الكتب المخطوطات.

كما تعرّض لكارثة أخرى خلال حركة القضاء على تجارة الرق في الفترة ما بين القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر الميلاديº حيث دمّر الكثير من هذا التراث، إضافة لما تعرّض له إبان محاربة الممالك الهوساوية من قبل رجالات الجهاد في الإمبراطورية الصوكوتوتية، الأمر الذي أدّى إلى تدمير معظم وثائق ومؤلفات دول الهوسا، غير أن السلطان محمد بللو سرعان ما أدرك قيمة تلك الوثائق والمؤلفات فأقبل على دراسة ما تبقى منها، واعتمد عليها في إصدار كتب ومراجع عن تاريخ الهوسا، وكانت الكارثة الأخيرة التي حلت بالمخطوطات العربية قد جاءت من الهجوم الوحشي من القوات الاستعمارية الأوربية التي داهمت ودمرت المدن والإمبراطوريات الإسلامية الزاهرة في غرب أفريقيا.

 

محاولات الإنقاذ:

جرت عدة محاولات لإنقاذ التراث العربي الأفريقي من الكوارث والهجمات التي تعرّض لها، وهناك محاولات أخرى لبلورة ذلك التراث العلمي الضخم ليري النور ولتعم فائدته على نطاق أوسع، غير أنه يجب أن نسجل هنا - للأمانة العلمية وللتاريخ أن المبادرات الأولية لهذه المحاولات قد جاءت من الغرب، والأوساط العلمية في أوربا، وكان العالم الرحالة الألماني بارث (barth)(1849م) من بين المهمومين بهذا التراث وإنقاذه، وكان من نتائج جهوده العثور على مخطوطة في برنو بها أسماء ملوك برنو القدماء ومخطوطة بها أسماء ملوك كاتسنا من الهوسا، كما عثر على كتاب تاريخ السودان لعبد الرحمن السعدي، علاوة على عثوره على مخطوطات عربية عن تاريخ مملكة صنغي وأخرى عن تاريخ برنو وقام بنشرها جميعاً.

وكما جمع الأكاديمي الليبيري المسيحي عدداً من المخطوطات العربية في 1856م، وسافر بها إلى بلاد المشرق العربي، وساهم عدد من العلماء الفرنسيين في التنقيب عن المخطوطات العربية في البلاد الأفريقية الفرنفكونية ونقلوا عدداً منها إلى فرنسا، وتشير بعض المصادر إلى أن حوالي أربعمائة مخطوطة عربية لعلماء أفارقة تم نقلها إلى فرنسا، كما ساهموا في ترجمة بعضها إلى اللغات الأوربية المختلفة، كما ساهم العلماء الإنجليز في هذا المجال أمثال \"سيررتشموند\" (palmer) حاكم نيجيريا خلال فترة الاحتلال البريطاني، الذي نشر أكثر من (22) مخطوطة عربية في لاغوس عام 1928م.

أما الجهود الوطنية الأفريقية الخالصة في هذا المجال فقد كانت متأخرة بعض الشيء، وهي على قسمين، أولها: الجهود الفردية وثانيها: الجهود المؤسساتية.

وتمثل الجهود الفردية المكتبات الخاصة بالعلماء والدعاة الأفارقة المعنيين من الغيورين على التراث العربي الأفريقي، وتستهدف جمع تلك المخطوطات والوثائق العربية وغيرها من المكتوب بالحرف العربي والتي مازالت مبعثرة بأيدي الأفراد والأسر القريبة من العلماء والسلاطين، ولعل من أبرز بيوت العلماء الشهيرة باحتواء المخطوطات العربية بيت وزير صكوتو الوزير جنيد، وبيت الشيخ محمد ناصر الدين كبرا بمدينة كانو والذي يحوي أكثر من ألفي مخطوط، وقصر أمير كانو، وقصر السلطان أبو بكر بمدينة صوكوتو، وقصر شيخ برنو سلطان برنو بمدينة ميدوغري، وكلها بمناطق شمال نيجيريا.

غير أن المخطوطات الموجودة في هذه الأماكن تنتظر الجمع والحصر والتسجيل والإعداد الفني والحفظ والقيد، ليتمكن الباحثون والمحققون من الوصول إليها والاستفادة منها في مشروعات الأطروحات العلمية.

غير أن بعض تلك المراكز لا تجد العناية الكافية من الجهات الرسمية والبعض الآخر أنشأه متحمسون للتراث العربي لكن أموره وصل إلى أيدي أناس لا صلة لهم بالثقافة العربية الأمر الذي عرض تلك لمخطوطات للإهمال والتهميش، وللأسف الشديد عرضة للضياع وتسرب بعضها إلى أياد غير أمينة، وهي بين أحفاد أصحابها، ومن المفارقات العجيبة أن بعضها الآخر، أو نسخاً منها أو حتى أصولها محفوظة مرمّمة بأحدث الأجهزة والوسائل الحديثة في مكتبات لندن وباريس وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية!!

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply