حساب ختامي .. مع النفس


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

نحن نودع الآن عامًا هجريًّا قد أدبر، ونستقبل عامًا هجريًّا قد أقبل، والأيام تمر يومًا بعد يوم.ومثل المؤمن كمثل التاجر، الذي يعد كشف حساب سنوي ليعرف مقدار ربحه وخسارته. كذلك المؤمن يجب عند استقبال العام الجديد أن يعد كشف حساب عن السنة التي مضتº ويسأل الإنسان نفسه:

 

هل كان إلى الله أقرب وعلى طاعته أدوم؟

فيشكره على أن هداه إلى الإسلام وأعانه على العبادة، ويلوم نفسه عن التقصير، ويعقد العزم على تعويض ما فات، ويخطط للعام المقبل لزيادة الأعمال الصالحات ولتجنب المعاصي مستشعراً قول الله- تبارك وتعالى -: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ, وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 70].

وتعتبر محاسبة النفس من موجبات التربية الروحية، وتقويمها حتى تلتزم بالصراط المستقيم. وأمر الله - عز وجل - عباده المؤمنين الخشية من مخالفته، وتقويم ما قدموه من أعمال قبل الوقوف بين يديهº فقال - سبحانه وتعالى -: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} [التوبة: 94].

ولقد أشار الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك في كتابه الكريم فقال: {يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَّا قَدَّمَت لِغَدٍ, وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فأنساهم أَنفُسَهُم أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [الحشر: 18-19].

وأكد هذا المعنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) [رواه الإمام أحمد].

 

يعتقد المسلم بالمحاسبة الأخروية أمام الله - عز وجل -.

وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات عن يوم القيامةº حين يَنصَبُ الله موازين المحاسبة، ويقدم لكل إنسان كشف حساب. ودليل ذلك قول الله - عز وجل -: {وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظلَمُ نَفسٌ شَيئاً وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ, مِّن خَردَلٍ, أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما فوق الإزار وظل الحائط وخبر يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه) [ابن ماجة]. وأرسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رسالة إلى أبي موسى الأشعري، ورد بها: \"حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة\". وورد في الأثر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يضرب قدميه بالدرة إذا جن عليه الليل، ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟

فليتذكر المسلم أن له وقفة مع الله يوم القيامةº ليحاسبه عن البيعة التي في عنقه، عندما حمل الإسلام ونطق بالشهادتين، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم عاهد الله على الالتزام بفرائض الإسلام وأركان الإيمان.

وقال الحسن البصري: \"المؤمن قَوَّام على نفسه يحاسبها قبل محاسبة الله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة\".

 

الاستعداد ليوم القيامة

وفى هذا المقامº يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عَمِل به) [الترمذي].

والتزم الصحابة - رضوان الله عليهم- بهذه التربية الروحيةº فكانوا أشد الناس محاسبة لأنفسهم. والنموذج المتميز لذلك هو عمر بن الخطاب القوى في الحق الذي قال: \"حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية\".

يقول العلماء: من شق عليه حسابه في الدنيا خف عليه حسابه في الآخرة. فعندما يحاسب الإنسان نفسه فوريًّا، ويوميًّا، وأسبوعيًّا، وشهريًّا، وسنويًّا، يعرف مقدار التوفيق في الأعمال الصالحات التي تُرضي الله - عز وجل -º فيتحفز على الإكثار منها، ويزداد إيماناً مع إيمانه.

وعندما يعرف مقدار التقصير في جنب الله، يعاقب نفسه، ويتوب ويستغفر، ويجدد البيعة والعهد مع الله على ألا يعود إلى الذنوب مرة أخرى، ويُكثر من الأعمال الصالحات تكفيراً للسيئات.

 

يوم لا ينفع الندم

ويفرح المؤمن عندما يستلم كتابه بيمنه، ويتحسر الكافر ويندم يوم لا ينفع الندمº عندما يستلم كتابه بشماله. وقارن القرآن بين حالين الكافرين والمؤمنين الفالحين يوم الحساب أمام الله - عز وجل - يوم القيامة: {حَتَّى إذا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلِّي أَعمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرزَخٌ إلى يَومِ يُبعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصٌّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَينَهُم يَومَئِذٍ, وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ * وَمَن خَفَّت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلفَحُ وَجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُم فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَم تَكُن آيَاتِي تُتلَى عَلَيكُم فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَت عَلَينَا شِقوَتُنَا وَكُنَّا قَوماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخرِجنَا مِنهَا فإن عُدنَا فإنا ظَالِمُونَ} [المؤمنون: 99 ـ 107].

ويصور الرسول - صلى الله عليه وسلم - حال الناس يوم المحاسبة الأخروية أمام اللهº فيقول: (يكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى فيه) [رواه مسلم].

وإن تصور يوم المحاسبة أمام الله والميزان والصراط ودار القرار والجنة والنار، يردع الظالم عن ظلمه ليتب ويستغفر ويزداد من الأعمال الصالحاتº حتى يلقى الله بقلب سليم ونفس راضية مطمئنة.

فحاسب نفسك قبل أن تحاسب وتب قبل أن لا تستطيع أن تتب، وتمنَّ لقاء الله بالعمل الصالح والعبادة الخالصةº مصداقاً لقوله- تبارك وتعالى -: {فَمَن كَانَ يَرجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف: 110].

 

بيانات الكشف

هناك أعمال أساسية يجب أن يراجع المسلم فيها نفسهº وهي: الصلاة والصوم والزكاة والحج والنوافل والأخلاق الفاضلة والكسب والإنفاق وبر الوالدين وصلة الأرحام و.... وغير ذلك من الفرائض والواجبات والنوافل التي أمره الله ورسوله عنها.

وهناك تساؤلات يجب أن يشتمل عليها الكشفº أحصر بعضها لكم في نهاية مقالي، على سبيل المثال:

* هل ازدادت ثروتك الإيمانية وزاد رصيد حسناتك وثقلت كفة أعمالك الصالحة؟

- فإن كنت كذلكº فأنت من الرابحين.

* هل تحليت بخلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان الرسول قدوتك حقًّا؟

- فإن كنت كذلكº فقد كسبت شفاعته يوم الحساب.

* هل طهرت قلبك واستغفرت الله حتى تلقاه - عز وجل - بقلب سليم وبنفس مطمئنة راضية مرضية؟

- فإن كنت كذلكº فقد أَمِنت من هول يوم القيامة.

* هل سعيت في قضاء مصالح العباد لا تريد منهم جزاءً ولا شكورا؟

- فإن كنت كذلكº فقد زرعت في الدنيا، وإن شاء الله سوف تحصد في الآخرة.

* هل أنفقت مالك تتزكى؟ هلي أعطيت واتقيت الله وصدقت بالحسنى؟

- فان كنت كذلكº فسوف ييسر الله لك أمور الدنيا والآخرة.

* هل يسرت على الناس وساهمت في تفريج عنهم بالقروض الحسنة؟

- فإن كنت كذلكº فسوف تجني عوائد وأرباح هذا الاستثمار في الآخرة أضعافاً مضاعفة.

* هل جاهدت بنفسك وبمالك وبوقتك وبالكلمة الطيبة؟ وهل حدثت نفسك بالجهاد؟

- فإن كنت كذلكº فلك ثواب الصادقين المجاهدين الذين قال الله - عز وجل - فيهم: {إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَم يَرتَابُـوا وَجَاهَـدُوا بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيـلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

* هل اكتسبت طيباً وأنفقت قصداً، وقدمت فضلاً ليوم فقرك وحاجتك؟ وتجنبت الحرام الخبيث والإسراف والتبذير؟

- فإن كنت كذلكº فأنت من عباد الرحمن الذين يرثون الفردوس الأعلى.

* هل كنت بارًّا بوالديك، واصلاً للأرحام؟

- فإن كنت كذلكº فسوف يبارك الله لك في رزقك ويمد لك في عمرك.

* هل كنت من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ولم تَبخَل على دعوة الله بشيء؟

- فإن كنت كذلكº فلك ثواب عظيم، فثواب الدال على الخير كفاعله.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply