الأعمال الصالحة وثمراتها في الدنيا والآخرة


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدُ لله الذي وعدَ المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرةِ والأجرِ العظيم، أحمدُهُ - سبحانه - يختصٌّ برحمتهِ من يشاءَ، واللهُ ذو الفضلِ العظيم، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريك له، لهُ ما في السمواتِ وما في الأرض وهو العليٌّ العظيم، صلواتُ اللهِ وسلامهِ عليهِ وعلى آلهِ وأزواجهِ وأصحابهِ وأتباعهِ المُعظِمينَ لشعائرِ اللهِ وحُرماتهِ، أولئكَ لهم أجرٌ عظيم.

(أمَّا بعد) ((يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَولًا سَدِيدًا * يُصلِح لَكُم أَعمَالَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا)) (سورة الأحزاب: 71، 70).

معشرَ المؤمنين: إنَّ العملَ الصالحُ هو الذي يُزكِّي صاحبهُ، ويرفع لهُ ذكرهُ في الدنيا والآخرة، قال - تعالى -: ((مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ يَرفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُم عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ)) (سورة فاطر: 10).

قال مُجاهدٌ- رحمه الله -: العملُ الصالحُ يرفعُ الكلمَ الطيب. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الكلمُ الطيبُ هو ذِكرُ اللهِ، والعملُ الصالحُ هو أداءُ فرائضَ اللهِ، فمن ذَكرَ الله ولم يُؤدِّ فرائضهُ ردَّ كلامه. وقال الفراء: معناهُ أنَّ العملَ الصالحُ يرفعُ الكلامُ الطيب، فاللهُ - تعالى -لا يتقبلُ الكلمَ الطيب إلاَّ إذا كانَ معهُ عملٌ صالح، ذكر ذلك ابن حجرٍ,- رحمه الله - في فتحِ الباري ج 13 ص416.

إنَّ العملَ الصالحُ أيٌّها المسلون يُدخلُ المؤمنينَ في عِدادِ الصالحين، قال - تعالى -: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدخِلَنَّهُم فِي الصَّالِحِينَ)) (سورة العنكبوت: 9).

والإدخالُ في الصالحين هو متمنى الأنبياءَ- عليهم الصلاة والسلام- قال - تعالى - عن سليمانَ- عليه الصلاة والسلام -: ((وَأَدخِلنِي بِرَحمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)) (سورة النمل: 19)

وقال عن يوسفَ - عليه الصلاة والسلام -: ((أَنتَ وَلِيِّي فِي الدٌّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسلِمًا وَأَلحِقنِي بِالصَّالِحِينَ)) (سورة يوسف: 101).

فعلينا معشرَ المسلمينَ بالعملِ الصالحِ الخالص، سُئلَ سفيانَ الثوري - رحمه الله - ما العملُ الصالحُ، قال: ما لا تحبُ أن يحمُدكَ عليه أحد، ص415 المنتقى لابن عبد البر.

وقال بعضُ السلفِ: العملُ قرينٌ لا يُستطاعُ فراقه، فمن استطاعَ أن يكونَ قرينُهُ صالحاً فليعمل، فإنَّهُ لا يصحبهُ في آخرتهِ غير عمله. ص416 المنتقى لابن عبد البر.

وقال المُزنِي - رحمه الله -: رحمَ اللهُ من كان قوياً فأعملَ قُوّتهُ في طاعةِ الله، أو كانَ ضعيفاً فكفَّ عن معصيةِ الله. ص416 المنتقى لابن عبد البر.

قال حمَّادُ بن سلمة - رحمه الله -: ما أتينا سُليمان التيمي - رحمه الله - في ساعةٍ, يُطاعُ اللهُ - عز وجل - فيها إلاَّ وجدناهُ مُطيعاً، فإن كانَ في ساعةِ صلاةٍ, وجدنَاهُ مُصلياً، وإن لم تكن ساعةَ صلاةٍ, وجدناهُ إمَّا متوضئاً أو عائداً مريضاً، أو مُشيعاً لجنازةٍ,، أو قاعداً يُسبِحُ في المسجدِ، قال فكُنَّا نرى أنَّهُ لا يُحسنُ أن يعصي اللهُ - عز وجل -. ص297 ج3 صفة الصفوة لابن الجوزي.

قال - تعالى -: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيئًا وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ)) (سورة النــور: 55)

واللهُ - تعالى - هُو وليٌّ الصالحين، قال - تعالى -: ((وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ))، ومن تولاهُ اللهُ فُهو الغالبُ واللهُ ناصرهُ، فنعمَ المَولى ونعمَ النصير، ومن تولاهُ اللهُ فهُو المحفوظُ في نفسهِ ومالهِ وولده، قال - تعالى -عن الغُلامينِ اليتيمين: ((وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبٌّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنزَهُمَا رَحمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي ذَلِكَ تَأوِيلُ مَا لَم تَسطِع عَّلَيهِ صَبرًا)) (سورة الكهف: 82).

فلقد حُفظ كنزُ اليتيمين بسببِ صلاحِ أبيهما وإن لم يُذكرا بصلاح. قال القرطبي - رحمه الله -: فيه ما يدلُ على أنَّ اللهَ - تعالى - يحفظُ الصالحُ في نفسهِ وفي ولدهِ وإن بعدوا عنهُ. ص38 ج11 القرطبي.

 

أيٌّها المسلمون:

ولقد نوَّهَ النبيٌّ- صلى الله عليه وسلم - بشأنِ عبادِ اللهِ الصالحين، بأن يُسَلّم عليهم في كلِّ تشهدٍ, أخيرٍ, للصلاةِ، فعن شقيقٍ, بن سلمةَ قال: قال عبدُ الله بن مسعودٍ,- رضي الله عنه-: ((كُنَّا إذا صلينا خلفَ النبي- صلى الله عليه وسلم - قُلنا السلامُ على جبريلَ و ميكائيل، السلامُ على فلانٍ, وفلان، فالتفتَ إلينا رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - فقال: إنَّ اللهَ هو السلامُ، فإذا صلى أحدُكم فليقل: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ السلامُ عليكَ أيٌّها النبيٌّ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين- فإنَّكم إذا قُلتمُوها أصابت كل عبدٍ, للهِ صالحٍ, في السماءِ والأرضِ، أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله)) رواه البخاري ومسلم.

قال ابنُ حجر - رحمه الله -: الأشهرُ في تفسيرِ الصالحِ أنَّهُ القائمُ بما يجبُ عليهِ من حقوقِ اللهِ وحقوقِ عبادهِ، وتتفاوتُ درجاته. قال الترمذي الحكيم- رحمه الله -: من أرادَ أن يحظى بهذا السلامِ الذي يُسَلِّمُهُ الخلق فليكن عبداً صالحاً، وإلاَّ حُرم هذا الفضل العظيم. ج2 ص314 فتح الباري.

والعملُ الصالحُ يشملُ كلَّ عبادةٍ, لله - تعالى -في الأقوالِ والأعمالِ، أعمالَ الجوارحِ وأعمالَ القلوب، وفي فعلِ الواجباتِ والمستحباتِ من صلاةٍ, وصيامٍ, وزكاةٍ, وحجٍ, وعمرةٍ, وجهادٍ, ودعوةٍ, إلى سبيل الله، ونهيٍ, عن المنكر، وبرٍ, بالوالدين، وصلةٍ, للأرحام، وكلٌّ نفعٍ, خاصٍ, أو عام.

 

أيٌّها المسلمون:

ومن فضلِ اللهِ علينا أنَّ العبدَ إذا كان يعملُ الصالحاتِ ثم حصلَ لهُ عارضٌ منعهُ من العملِ الصالح، من غيرِ قصدِ التخلفِ عنه، أجرى اللهُ لهُ عملهُ على ما كانَ عليه قبلَ ذلكَ العارض، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً)) رواهُ البخاري - رحمه الله -.

أيٌّها المسلمون: إنَّ للعملِ الصالحِ ثمراتٌ في الدنيا والآخرة، من ذلكَ حصولَ الحياةِ الطيبةِ مع الجزاءِ الحسنِ في الدنيا والآخرة، قال - تعالى -: ((مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ, أَو أُنثَى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ)) (سورة النحل: 97)).

والحياةُ الطيبةُ قيلَ هي الرزقُ الحلال، وقيلَ القناعة، وقيلَ التوفيقُ إلى الطاعاتِ، وقيل السعادة، ذكرَ ذلكَ القرطبي.

قال ابن السماك- رحمه الله -: قليلٌ من توفيقٍ, أحبٌّ إليَّ من كثيرٍ, من عمل. ص416 المنتقى لابن عبد البر.

وقال ابنُ كثير: الحياةُ الطيبة تشملُ جميعَ أنواعِ النعمِ التي تنشرحُ بها الصدورُ في الدنيا والآخرة.

ومن ثمراتِ العملِ الصالحِ تكفيرُ السيئاتِ، قال - تعالى -: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم وَلَنَجزِيَنَّهُم أَحسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعمَلُونَ)) (سورة العنكبوت: 7).

ومن ذلكَ حُسنُ العاقبة، قال - تعالى -: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُم وَحُسنُ مَآبٍ,)) (سورة الرعد: 29).

ومن ذلكَ التبشيرُ بدخولِ الجنة، قال - تعالى -: ((وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم جَنَّاتٍ, تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ)) (البقرة: 25).

ومن ذلك حصولُ الدرجاتِ العالية، قال - تعالى -: ((وَمَن يَأتِهِ مُؤمِنًا قَد عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ العُلَى * جَنَّاتُ عَدنٍ, تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى)) (سورة طـه: 77. 76).

وقال النبي- صلى الله عليه وسلم - في الحديثِ القدسي: قال اللهُ - عز وجل -: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) واقرؤوا إن شئتم: ((فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرةِ أعين جزاءً بما كانوا يعملون)) رواه البخاري ومسلم.

قال علي- رضي الله عنه-: [إنَّ المؤمن إذا مات بكى عليه مُصلاهُ من الأرض، ومَصعد عملهِ من السماء]، ثم قرأ: ((فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ السَّمَاء وَالأَرضُ)).

أي فما بكت على الكفار بعد موتهم.

وقد سُئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن هذه الآية، ((فَمَا بَكَت عَلَيهِمُ السَّمَاء وَالأَرضُ))، هل تبكي السماءُ والأرضُ على أحد؟ فقال: نعم. إنَّهُ ليسَ أحدٌ من الخلائقِ إلاَّ له بابٌ في السماءِ ينزلُ منهُ رزقهُ، وبابٌ يصعدُ فيه عمله، فإذا مات المؤمنُ فأُغلق بابهُ من السماءِ فقدهُ فبكى عليه، وإذا فقده مُصلاهُ من الأرضِ التي كان يُصلي فيها ويذكرُ الله - تعالى - فيها بكت عليه، وإن قومَ فرعونَ لم يكن لهم في الأرضِ آثارٌ صالحة، ولم يكن يصعدُ إلى الله منهم خير، فلم تبكِ عليهم السماءَ والأرض. ص86 صعود الأقوال.

اللهمَّ اجعلنا من عبادكَ المؤمنينَ الذين يعملونَ الصالحاتِ وهُم مُحسنُون، ونعوذُ بكَ اللهمَّ من شرورِ أنفسنا، ومن سيئاتِ أعمالنا، ونسألُكَ العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة، أقولُ قولي هذا واستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ, فاستغفروهُ إنَّهُ هُو الغفورُ الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ الذي خلقَ الموتَ والحياةَ ليبلوكُم أيٌّكم أحسنُ عملاً وهو العزيز الغفور، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له ((يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصٌّدُورِ)) (سورة الحديد: 6)، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسولهُ خيرُ من أحسنَ عملهُ للهِ وشكره، فهو محسنٌ شكور- صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه- الذين يُسارعُون في الخيرات، يرجونَ تجارةً لن تبور، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ, إلى يومِ الدين، وسلم تسليماً كثيرا.

أمَّا بعد:

فيا أيٌّها المسلمونَ:

اتقوا الله - تعالى - واستقيموا إليهِ واستغفروهُ، وعليكم بالمسارعةِ إلى الخيراتِ، والمبادرةِ إلى العملِ الصالح، واحذروا التواني والكسل، الذي يصدٌّ به الشيطانُ عن خيرِ العمل.

أيٌّها المسلمون:

هُناكَ من الناسِ من يتهاونُ في العبادةِ ويُفرِّطُ في العملِ الصالحِ عُموماً، فيتكاسلُ في أدائهِ، ويُقصرُ فيه ويُضيِّعهُ أو يهملهُ ولا يعمله، فهُناكَ من الناسِ من ينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ أولاً يُؤدِّيها مع الجماعةِ في المساجدِ، أو يتركُ ذكرَ اللهِ ودعاءهِ واستغفارهِ، أو يُهملُ عيادةَ المرضى، وتشييعِ الجنائز، وزيارةَ ذوي القُربى، أولا يُبالي بتركِ المساهمةِ في أعمالِ البرِّ والخيرِ المُتعدي نفعها أو غيرُ ذلك.

أيٌّها المسلمون:

إنَّ التفريطَ في الأعمالِ الصالحةِ دليلٌ على قسوةِ القلبِ، وضعفِ الإيمان. وهذا التفريطُ لهُ أسبابٌ أذكرُ منها شيئاً لنكونَ على حذرٍ, منها: فمن ذلكَ الوقوعُ في شيءٍ, من المعاصي، إذ أنَّها سببٌ في منعِ الخيرِ والعملِ الصالح.

ومن ذلك كثرةُ الاشتغالِ بالأعمالِ الدنيوية، والاعتذارُ بزحمةِ الواجباتِ وضيقِ الأوقات، وعدمُ الفراغ. والحقيقةُ أنَّ الأوقاتِ والطاقاتِ والإمكاناتِ كلَّها مُلكٌ للهِ تعلى، وبيدهِ - سبحانه - يُقدِرُها حسبَ حكمته، فالله - تعالى - حينما يرى من عبدهِ المؤمنُ إقبالاً عليهِ، ورغبةً في طاعتهِ، وحرصاً على الخيرِ، فإنَّ اللهَ - تعالى - يتفضلُ عليه بالبركةِ في الوقتِ، والسداد في الرأي وحصولِ المطلوب. قال - تعالى -: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجًا * وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ, قَدرًا)) (سورة الطلاق: 3. 2).

 

أيٌّها المسلم:

إنَّ لربكَ عليك حقاً، ولنفسكَ عليكَ حقاً، ولأهلكَ عليكَ حقاً، فأعطِ كلَّ ذي حقٍ, حقه.

ومن أسبابِ إهمالِ العملِ الصالح إتباعُ الهوى، وعدمُ محاسبةَ النفسِ، قال النبيٌّ- صلى الله عليه وسلم -: ((الكيّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله)) رواهُ الترمذي - رحمه الله -.

وقال ميمون بن مهران: لا يكونُ العبدُ تقياً حتى يحاسبَ نفسهُ كما يحاسبَ شريكهُ من أين مطعمهُ وملبسه. جامع الترمذي ج4 ص638.

ومن أسبابِ إهمالِ العملِ الصالحِ نسيانُ الموت، وما بعدهُ من الأهوالِ، قال - تعالى -: ((مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأخُذُهُم وَهُم يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَستَطِيعُونَ تَوصِيَةً وَلَا إِلَى أَهلِهِم يَرجِعُونَ)) (سورة يس: 60، 59).

قال عطاءُ بن يسار- رحمه الله -: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدهِ، فأولُ شيءٍ, يأتيهِ عمله، فيقولُ أنا عملُكَ، فيقولُ أينَ أهلي وولدي، وما خولني اللهُ، فيقول: تركتَ ذلكَ وراءَ ظهركَ فلم يدخل معكَ قبرك غيري، فيقولُ يا ليتني آثرتُكَ عليهم إذ لم يدخل معي غيرك، لأن كنتَ لأهونُ الثلاثة عليّّّّّّ.

تزود قريناً من فعالكَ إنَما ***  قرينُ الفتى في القبرِ ما كان يفعلُ

 

وإن كنتَ مشغولاً بشيءٍ, فلا تكن *** بغير الذي يرضى به الله تُشغلُ

 

فلن يصحب الإنسانُ من بعدِ موتهِ *** إلى قبره إلاَّ الذي كان يـعملُ

 

ألا إنَّما الإنسانُ ضيفٌ لأهلهِ ***  يقيمُ قليلاً عندهم ثُـمَّ يـرحلُ

 

قالت عائشة - رضي الله عنها -: ((كان رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - يصومُ حتى نقولُ لا يفطرُ، ويفطرُ حتى نقولُ لا يصومُ، فما رأيتُ رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - استكملَ صيامَ شهرٍ, إلاَّ رمضان، وما رأيتهُ أكثر صيامٍ, منهُ في شعبان)) رواه البخاري ومسلم- عليهما رحمة الله-.

وفي روايةٍ, للنسائي - رحمه الله -: ولما سُئل- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك قال: ((ذاك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه بين رجبٍ, ورمضان)).

وفي هذا دلالةٌ على استحبابِ أوقاتِ الغفلةِ وعمارتها بالطاعة، فبادروا أيٌّها المسلمون بفعلِ الخيراتِ والإكثارِ من الأعمالِ الصالحات.

نسألُ اللهَ - تعالى -أن يجعلنا من المُسارِعين في الخيرات، والمسابقينَ في عملِ الصالحات، وأن يُعيذنا من شرورِ أنفسنا، ومن عملِ السيئات.

اللهمَّ أحسن عاقبتنا في الأمورِ كُلَّها، وأجرنا من خزيِّ الدنيا وعذابِ الآخرة.

عباد الله:

إنَّ اللهَ وملائكتهُ يُصلون على النبيِّ، يا أيٌّها الذين آمنوا صلٌّوا عليه وسلموا تسليما.

اللهمَّ صلي وسلم على عبدكَ ورسولِكَ نبينا محمد، وارض اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ, إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوكَ وإحسانكَ ورحمتكَ يا أرحم الراحمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ وانصرِ المسلمين، وأذلَّ الشركَ واخذلِ المشركين، اللهمَّ وانتقم من الكفرةِ والملحدينَ الذين يصُدٌّون عن دينكَ ويكذّبون رسولكَ، ويُؤذُونَ عبادَك المؤمنين، اللهمَّ أيّد بنصركَ المبين عبادكَ المُجاهدينَ في سبيلكَ، اللهمَّ انصرهم على عدوِهم حتى يصبحوا ظاهرين.

اللهمَّ أصلح ولاة أُمرنا وولاةَ أمور المسلمين.

اللهمَّ اكفنا بحلالكَ عن حرامك، وأغننا بفضلكَ عن من سواكَ، وبطاعتكَ عن معصيتك، وأعنَّا اللهمَّ على ذكركَ وشُكرك، وحسنَ عبادتك، اللهمَّ زينَّا بزينةِ الإيمان، واجعلنا هُداةً مهتدين، غيرَ ضَالينَ ولا مُضلين، بمنِّكَ وإحسانكَ يا رب العالمين. اللهمَّ إنا نسألُكَ علماً نافعاً ورزقاً واسعاً، وعملاً صلحاً متقبلاً.

ونسألُكَ اللهمَّ رضاكَ والجنة، ونعوذُ بكَ من سخطكَ والنار، اللهمَّ إنا نعوذُ بك من عذابِ جهنمِ ومن عذبِ القبر، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن فتنةِ المسيحِ الدجال. اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا وأنت خيرُ الراحمين، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين، رَبنا عليكَ توكلنا، وإليك أنبنا، وإليكَ المصير، ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا، واغفر لنا ربنا إنَّك أنتَ العزيزُ الحكيم، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنَّك رءوفٌ رحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذابَ النار.

سُبحان ربِّكَ ربِّ العزةِ عمَّا يصفُون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين

وصلى اللهُ وسلم على نبينا محمدٍ, وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين. 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply