صراع الخير في النفس .. هل ينتصر ؟


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن القرآن الكريم حينما يتكلم عن النفس البشرية، ينظر إليها بمنظار كاشف محيط، يقرأ كتابها المستور، ويظهر سرها المكنون بعلم من لا يعزب عنه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، يحدثنا القرآن عن نفوس ترتعش بين الخير والشر، وتتردد بين الإقدام والإحجام، فإما أن تنهض، وإما أن تنتكس وتغوص في الحضيض.

يروى أن الوليد بن المغيرة مال إلى اتباع الرسول فعيره بعض المشركين، وقالوا له أتترك دين الأشياخ من قريش وتضللهم. وتزعم أنهم في النار؟؟ قال الوليد: إني أخشى عذاب الله، فقال من عيَّره أنا أضمن لك الجنة، وأتحمل عنك ذنوبك، واعطني شيئاً من المال، فقبل الوليد ذلك، وخسئت نفسه وانتكس ونزل قول الحق - سبحانه -: أفرأيت الذي تولى\" (33) وأعطى\" قليلا وأكدى\" (34) أعنده علم الغيب فهو يرى\" (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى\" (36) وإبراهيم الذي وفى\" (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى\" (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى\" (39) وأن سعيه سوف يرى\" (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى\" (41) (النجم).

وأسدل الستار على هذا المتولي، الذي تردى والتهمته مخالب الشر، فلم ينجُ بنفسه أو ينقذه اعتقاده، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، ويقص علينا القرآن صراعاً آخر حول العمل الصالح، حيث تكبو النفوس أو ترتفع، فتحدثنا سورة القلم عن رجل صالح له بستان يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، يؤدي زكاته ويعطي منه الفقير والمسكين، ويبارك الله فيه، ولكن هذه النفس الطيبة توفاها الله واختارها إلى جواره فورث بنوه البستان والجنة مثمرة يانعة، تؤتي أكلها ولم تظلم منه شيئاً.

ولكن نفوسهم غلب عليها الجشع والنهم وحركتها وساوس الشر فأزمعوا فيما بينهم على منع الزكاة وعدم إعطاء الفقير والمسكين، وقالوا معللين ذلك بفهم سقيم، ومنطق عليل: نحن القائمون بالحرث والتسميد والزرع، فبأي حق نعطي المساكين والفقراء وهم لم يفعلوا شيئاً؟ وبيَّتوا أمرهم بليل ولم يعلنوه.

وهنا صراع النفس بين الخير والشر ونسير مع السياق القرآني المصوِّر إذ يقول: \"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين 17 ولا يستثنون 18 \"(القلم)، أقسموا وأكدوا العزم على ذلك فكانت نتيجة هذا البغي: \" فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون 19 فأصبحت كالصريم 20 \" (القلم)، أهلكت الجنة ولم يبق من ثمرها شيء ولكن الآثمين البله، مازالوا يتنادون ليجمعوا الثمارَ ويأخذوا الحصاد فرحين مطمئنين \" فتنادوا مصبحين 21 أن اغدوا على\" حرثكم إن كنتم صارمين 22 فانطلقوا وهم يتخافتون 23 أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين 24 وغدوا على\" حرد قادرين 25 فلما رأوها قالوا إنا لضالون 26 بل نحن محرومون 27 \" (القلم)، وعرفوا الحقيقة، ولكن بعد فوات وقتها، ولم يبق إلا الندم، شأن المفرطين المستهترين \" فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون 30 قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين 31 عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون 32 \" (القلم).

وتأتي المحن لترجع النفس وتنبه الغافل وتوقظ الوسنان، وتعطي الدروس والتجارب، وترجع الأمر إلى من بيده حقيقة الأمر ويعرف الإنسان ضعفه وهوانه وقيمته الحقيقية بالإيمان وبسواه، ونستلهم درساً آخر من دروس التاريخ، حيث يحدثنا ابن هشام وابن كثير أن فضالة بن عُمير بن الملوح، أراد قتل الرسول وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله: \"أفضالة\"؟

قال نعم يا رسول الله.

قال ماذا كنت تحدثُ به نفسَكَ؟

قال: لا شيء، كنت أذكر الله.

قال فضحك النبي.

ثم قال: \"استغفر الله\"، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبُه.

فكان فضالةُ يقول: والله ما رفع يده عن صدري. حتى ما من خلق الله شيء أحب إليَّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلمَّ إلى الحديث؟

فقلت: لا.

وانبعث فضالة يقول:

قالت هلمَّ إلى الحديث فقلت لا

يأبى عليك الله والإسلام

لو ما رأيت محمداً وقبيله

بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بينا

والشرك يغشى وجهه الإظلام

وانتصرت نفس فضالة وحل النور في قلبه.

إن الصراع بين الخير والشر في النفس دائم ما دامت النفس، ولابد أن يُحسب هذا، وتنمي لمحات الخير في النفس حتى تقوى، وتهيمن وتسود، كما أنه لابد من إغلاق منابع الشر أو إضعافها حتى يستقيم الإنسان على الخير ويعود، وصدق الله: ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها 10 (الشمس)، نسأل الله لنا ولأمتنا التوفيق والسداد.

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply