انطفأت الشمعة ولكن …


 

بسم الله الرحمن الرحيم 

في زمن تغيب عنه المصلحة العامة، يتفجر فيه العداء والبغض بين الناس، وقد كان لقصتنا هذه الأثر على انعكاس واقع قرية انشغل أهلها بتلبية مصالحهم الخاصة بعيداً عن العمل المشترك الذي يحقق للناس الأمن والاحترام المتبادل، فبينما كان أهل القرية يتشاجرون بسبب أطماعهم وشهواتهم، وهم أصحاب قرية واحدة من بطون مختلفة، كان أبناؤهم في واد آخر،

فإن الأبناء مهما اختلف الآباء لا يبالون في اختلافاتهم فإن لهم حياة خاصة بهم، فرغم ما كان يقع فيه الأهالي من اختلافات، كان أبناؤهم يلعبون معاً ويشارك بعضهم بعضاً الحزن والسرور. وذات يوم بينما كان الأهل منشغلين في اختلافاتهم كالمعتاد، اتفق الأطفال على تنظيم رحلة مشتركة يصاحبهم فيها كل أطفال القرية، وقد أسروا ذلك لئلا يعلم أهل القرية بما يخططون له فيفسدوا عليهم أمرهم، وهكذا انطلق الأطفال دون علم أصحاب القرية واتجهوا إلى جهة مجهولة لا يعرفونها، فهمّهم الأوحد هو البعد عما فيه أهل القرية من اختلافات نابعة عن الأطماع الشخصية التي أدت إلى تفريق أهل القرية إلى شيع وجماعات شتى، وهكذا خرج الأطفال بقلوبهم الصافية، وابتساماتهم البريئة مسرعين إلى خارج القرية ولم يصحبوا معهم إلا القليل من الطعام والماء، وأخذوا يصعدون الجبال وينزلون الوديان، ويقطعون المسافات بفرح وسرور وهم يضحكون تارة ويغنون تارة ويتمازحون فهم الآن في عالم آخر عالم لا يعرف إلا الحب والتعاون، فقد شعر الأطفال أنهم أصبحوا بعيدين عن واقع أهلهم الذي سئموه، فإن أهل القرية لا يعرفون إلا الشجار والنميمة والغيبة والأطماع الخاصة بعيداً عن حياة التعاون والحب والأخوة، فقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يشعر بها الأطفال بالسعادة الحقيقية فهم الآن طلقاء يعملون ما يشاؤون، ويلعبون مع بعضهم البعض دون أي ضابط أو مانع، وبينما هم على هذه الحال، إذ وقفوا على باب مغارة كبيرة، لا يكاد يرى ما في داخلها من شدة الظلمة التي تخيم في المكان، فوقفوا على باب المغارة وحملهم الفضول على دخولها، ولكنهم ما كادوا يخطون الخطوات الأولى حتى توقفوا، فقد حال الظلام دون متابعة مسيرهم، فعادوا إلى خارج المغارة ولكن ثمة شيء يحملهم على الدخول، فقد دب فيهم الحماس وأخذ يشجع بعضهم البعض على مراجعة الدخول ولكنهم بحاجة إلى سراج أو ما شابهه ليتمكنوا من دخول المغارة المظلمة، وبينما كانوا يفكرون في كيفية الحصول على سراج أو ما شابهه إذ خطر في بال أحدهم فكرة وهي أن يرجعوا إلى تلك الخيمة الصغيرة التي مروا عليها في طريقهم منذ وقت يسير ويأخذوا من أهلها سراجاً، فاستحسن الأطفال هذه الفكرة وأرسلوا اثنين منهم إلى تلك الخيمة ليرجعوا إليهم بسراج، بينما جلس الآخرون ينتظرون رجوع صاحبيهم، وهكذا أخذ الطفلان يركضان فرحَين مستبشِرَين الخير واثقَين من تحقيق هدفهم، وما هي إلا بضع دقائق معدودة حتى وصلا تلك الخيمة، فوقفا على بابها وأخذا يناديان على من بداخلها، هل من أحد هنا، فسمعا صوتاً ضعيفاً لا يكاد يسمع: من أنتم؟ فقالا نحن طفلان جئنا لغاية. فسمعا الصوت الضعيف من جديد:

 طفلان تفضلا!

 فدخل الطفلان الخيمة فوجدا عجوزاً كبيرة مستلقية على سرير قديم، فنظرا إليها وقد أمتلكهما شعور بالخوف فلم يحدثا أي صوت ووقفا خائِفَين من تلك العجوز التي أوهنها المرض، وهدها الهرم حتى أصبح مظهرها بالنسبة للطفلين مرعباً.

 المرأة العجوز أدركت ما حل بالطفلين فبادرتهما بصوتها الضعيف الذي امتلئ حناناً ودفأ، يا بنّيا لا تخافا فأنا امرأة عجوز مريضة أرقد في سريري وأبقى هكذا حتى يرجع زوجي العجوز من المدينة ومعه الطعام والدواء، ولكن ما الذي جاء بكما إلى هنا؟

 الطفلان بعد أن زال عنهما الخوف وشعارا بالاطمئنان: جئنا لنأخذ سراجاً.

العجوز: سراجاً!

الطفلان: نعم.

العجوز: ولمَ؟

الطفلان: نريد أن نجتاز مكاناً مظلماً.

العجوز: مكاناً مظلماً! وأي مكان هذا؟

الطفلان وقد عيل صبرهما: هل تريدين أن تعطينا سراجاً أم نذهب ونبحث عن سراج في مكان آخر؟

العجوز مستدركة: لا يوجد عندي سراج، ولكن عندي شمعة كبيرة قد تفي بالغرض.

الطفلان: حسناً هل تمنحينا إياها؟

العجوز: بكل سرور.، فها هي على ذلك الصندوق.

الطفلان: يأخذان الشمعة ويشكران المرأة العجوز، ويهما بالخروج، لكن المرأة العجوز تستوقفهما بقولها: ولكن يا بنيا إحذرا تلك المغارة الكبيرة المظلمة وإياكم أن تدخلاها فهي خطيرة جداً وقد دخلها أقوام في قديم الزمان لم يخرجوا منها حتى الآن، الطفلان: لا عليك فسوف نتدبر أمرنا.

وهكذا أخذ الطفلان الشمعة وأسرعا بالرجوع إلى أصحابهما وقد حققا نجاحاً كبيراً.

الطفلان يصلان إلى المغارة فيجدا أصحابهما ينتظرونهما على أحر من الجمر.

الأصحاب: هل أتيتم بالسراج؟

الطفلان: لا ولكننا أتينا بشمعة كبيرة.

الأصحاب: هذا جيد.

مجموعة الأطفال بعد أن أشعلوا الشمعة يدخلون المغارة بسرور فها هي الشمعة ضوؤها يبدد الظلام وينير الطريق أمام الأطفال، الأطفال يسيرون في المغارة الكبيرة وينظرون إلى جدرانها الممتلئة بالتصاوير والكتابات الغريبة ـ يتأمل الأطفال المغارة بدهشة واستغراب، فلم يسبق لهم أن شاهدوا مثل هذه الأمور الغريبة، وبينما يسير الأطفال في تلك المغارة العجيبة وإذا بهم يصلون إلى فتحة صغيرة في الأرض لا تكاد تتسع إلا لشخص واحد، الطفل الذي يحمل الشمعة بيده يُنزل الشمعة في تلك الحفرة فيجد أنها تمتد إلى الداخل، الأطفال ينظرون إلى هذه الحفرة ويتساءلون: ترى ما في هذه الحفرة؟

لا أحد يعرف، فهو مكان مجهول ولم يحدث أن أحداً حدثهم عن تلك المغارة، ولكن حب الفضول لدى الأطفال حملهم على استكشاف ما في تلك الحفرة، فقال بعضهم لبعض: هيا ندخل تلك الحفرة وننظر ما في داخلها.

الطفلان يتذكران حديث العجوز فيصرخان قائلَين: كلا إنها مكان خطير قد أعلمتنا بذلك العجوز التي أخذنا منها الشمعة.

بعض الأطفال: لا عليكما فإننا قادرون على الرجوع، فانظروا هذه الشمعة معنا ونستطيع مداركة أمرنا.

البعض الآخر: ولكن ماذا علينا لو انطفأت الشمعة، أو انتهت؟

الأطفال المتشجعون: لا عليكم فسوف نخرج سريعاً قبل أن تنطفئ الشمعة ولن يحصل لنا بإذن الله شيء ولكن هيا تشجعوا.

الأطفال يجشع بعضهم بعضاً، ثم يحزمون أمرهم ويعزمون على دخول الحفرة.

وهكذا بدأ الأطفال ينزلون الحفرة الواحد تلو الآخر حتى أصبحوا جميعاً داخل الحفرة وما أن انتهوا من الدخول وإذا بهم يفاجؤون بأن الحفرة تمتد إلى الداخل ويتفرع عنها عدة طرق، يقف الأطفال محتارين ينظر بعضهم إلى بعض، أي طريق نسلك؟

البعض هذه الطريق. البعض الآخر: بل هذه، حتى استقر أمرهم على رأي واحد، إنها هذه الطريق.

فقد اختاروا طريقاً أوسع مدخلاً، وأعمق ملجأ، الأطفال يسيرون في تلك الطريق وإذا به يتفرع إلى طرق كثيرة، الأطفال يسلكون طريقاً من هذه الطرق غير مبالين بالأمر، فقد شدهم ما يشاهدون من مناظر غريبة عجيبة، وبناء محكم جميل، وحجارة مزخرفة رائعة المنظر، وبينما هم كذلك إذا بطفل منهم يستوقفهم ويذكرهم بالعودة ويخوفهم من انطفاء الشمعة، فلو انطفأت الشمعة لكان أمرهم صعباً بل قد يموتون جميعاً وهذا هو الراجح.

الأطفال ينظرون إلى الشمعة وهي تحترق ثم يعاودون تشجيع أنفسهم لا عليكم فإن الشمعة لا زالت كبيرة وتخدمنا وقتاً طويلاً، وهكذا تابع الأطفال سيرهم، وكلما مروا على طريق دخلوا طريقاً آخر، فإنه مكان مليء بالمفاجآت والأمور الغريبة التي تشد الكبار فكيف بالصغار!

الأطفال بعد فترة من الوقت شعروا أن عليهم الرجوع من حيث أتوا، فقد أشرفت الشمعة على الانتهاء، وأصبح الوقت متأخراً، ولا زال أمامهم مسير طويل من أجل الرجوع، فهم يريدون الرجوع إلى القرية قبل غروب الشمس ودون شعور أهل القرية بهم حتى لا يوبخون من قبل أهلهم، الأطفال بعضهم لبعض هيا بنا نعود فقد أدركنا الوقت، وقد أشرفت الشمعة على الانتهاء، الأطفال حسناً هيا بنا.

وبهذا ينهي الأطفال مسيرهم ويهمون بالرجوع، ولكن ثمة مشكلة؟ يا إلهي أين الطريق؟ من هنا، كلا من هنا، الأطفال يرتبكون ويتساءلون من أي طريق قدمنا؟ إنها طرق كثيرة، لا نعرف من أيها دخلنا، إننا في مصيبة ماذا علينا أن نفعل؟ الأطفال لا يعرفون ماذا يفعلون، فقد اختلفوا فيما بينهم، ولم يعودوا يفكرون، فقد أمتلكهم الخوف وأصبحوا ينظرون إلى بعضهم البعض نظر الذي تيقن الموت، لا يستطيعون الانفصال عن بعضهم البعض فالمكان مظلم ولا يوجد معهم إلا شمعة واحدة، حتى الشمعة لم يعد يستعان بها، فهي الأخرى على وشك أن تلتقط آخر رمق فيها، الأطفال ترتفع أصواتهم بالبكاء، وتعلوا صيحات الاستنجاد من أفواههم الطاهرة، وكلما تأملوا الشمعة وهي تذوب، كلما ارتفعت أصواتهم وعلا استنجادهم، ولكن تسمع إذ ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي، وبينما هم على هذه الحال تنطفئ الشمعة، ويعم الظلام الدامس، ولم يعد يرى بعضهم بعضاً، تزداد صرخاتهم، ويشتد بكاؤهم، ويمسك بعضهم بأيدي بعض خوفاً من أن يتفرقوا، الأطفال في مكان مظلم لا يهتدون فيه سبيلاً، ولا يُسمع لهم عويل، الخوف يملئ قلوبهم، والحزن يخيم عليهم، يجلس الأطفال في هذا المكان الغريب ينتظرون الموت فقد يأسوا من الحياة، الأطفال يصرخون ويقولون متحسرين ماذا فعلتم بنا يا أهل القرية أين أنتم فقد شغلتكم مصالحكم عنا، وها نحن نموت ولا زالت مشاكلكم هي هي، إنها لحظات الموت التي يودع أصحابها بها الحياة، فإنهم مساكين لا تجد الكلمات ما تعبر به عن ما يعانيه هؤلاء الأطفال في هذا المكان السحيق المرعب المظلم.

أما أهل القرية فقد أوشكت الشمس أن تغيب ولا زالوا يتشاجرون ويلقي بعضهم التهم على بعض فإن مصالحهم فوق كل اعتبار، وبينما هم في خضم الخصام إذ سمعوا صوتاً يقول لهم، يا قوم: أين أطفالكم؟

فيجيبون: إنهم يلعبون.

الصوت: أين؟

هنا، بل هنا، بل بل … يا ويلنا أين الأطفال؟ إنها لحظات حاسمة يقول بعضهم لبعض: أدركوا أطفالكم، وهكذا أخذوا يركضون في هذه الطريق وهذه الطريق، منهم من يصعد الجبال، ومنهم من يفتش في الوديان، ولكن لا سبيل، الأمهات يفقدن صوابهن وأخذن بتوبيخ الرجال، الرجال محتارون خائفون أين أبناؤنا؟ لا جواب.

تملك أهل القرية الحزن، وانتابهم الندم، فقد شغلهم حب الدنيا عن أبنائهم فلذات أكبادهم وزينة الدنيا، يركضون في كل حي، ويفتشون هنا وهناك ولكن لا سبيل.

أما الأطفال فقد ارتفعت أصواتهم، واشتد بكاؤهم حتى خبت أصواتهم ولم يعد بمقدرتهم فعل أي شيء.

قد أيقنوا الموت واستسلموا له، وأخذت الحسرة تكبر في صدورهم والحزن يملئ قلوبهم على ما وصل إليه حالهم وما أوصلهم إلى ما وصلوا إليه، فلم يعد أمامهم سوى التطلع إلى رحمة الله، فهو الذي معهم ولا يفارقهم وبيده وحده إنقاذهم، وهكذا أخذوا يسبحون ويستغفرون ويسترجعون علهم يموتوا على ذكر الله فيفلحوا في الآخرة وقد خسروا الدنيا.

 

أما أهل القرية فلم يعرفوا لليأس طريقاً، ولم يهدأ لهم بال، ولم يتوقفوا عن البحث، فقد توحد صفهم، وتعاونوا فيما بينهم، ونسوا ما كان منهم من خلافات وأحقاد، فقد أدركوا أن الدنيا بزينتها لا تسوي أطفالهم الذين هم فلذات أكبادهم، فلا زالوا يفتشون ويفتشون في كل مكان هنا وهناك وهنالك، حتى وصلوا إلى تلك الخيمة، خيمة العجوز المسكينة، يقف أحدهم ويصرخ بأعلى صوته: يا أهل هذه الخيمة هل مر عليكم اليوم أطفال؟

العجوز بصوت ضعيف وقد تذكرت الطفلين: نعم وأخشى أن يكونوا ذهبوا إلى تلك المغارة الكبيرة.

أهل القرية: أي مغارة؟

إنها هنالك على بعد ساعتين من هنا.

العجوز هيا أسرعوا قبل أن يموت الأطفال، ولكن عليكم أن تتزودا بالمصابيح والحبال فإنها مغارة كبيرة مظلمة خطيرة.

أهل القرية حسناً جزاك الله خيراً.

أهل القرية يسرعون نحو المغارة بأقصى سرعة يستطيعونها، أهل القرية أمام المغارة وقد غابت الشمس وازداد ظلام المغارة ظلاماً، أهل القرية يشعلون السرج، ويجعلون من ليل المغارة نهاراً، يدخل أهل القرية المغارة، يفتشون هنا وهنالك، ويصرخون أين أنتم يا أبناءنا؟ ولكن لا جواب فقد استسلم الأطفال ولم يعودوا يسمعون شيئاً.

 أهل القرية يصلون إلى الفتحة ويضيئونها ويدخل أناس منهم الفتحة ويسعون فيها هنا وهنالك، وإذا بهم يسمعون تسبيح الأطفال، يا بشرى إنهم الأطفال، نعم إنهم الأطفال، ويا فرحة ما بعدها فرحة، فقد دبت الحياة في الأطفال من جديد بعد أن غمر قلوبهم اليأس، وعمت الفرحة أهل القرية وأخذوا يعانقون ويقبلون أطفالهم، ودموع الفرحة ترتسم على جوههم، يفرح الجميع بسلامة الأطفال، وقد أيقنوا أن ما يجمعهم في هذه القرية أكثر مما يفرقهم، وأنهم لا فرحة لهم إلا بتجمعهم واتفاقهم، وأن من أخطر الأسباب التي تحول دون سعادتهم وضياع أبنائهم تفرقهم واختلافهم، وتمسكهم بالدنيا، يأخذ أهل القرية أطفالهم ويعدون بهم إلى القرية بفرح وسرور ولسان حالهم يقول: لا خلاف بعد اليوم، ولا أنانية، ولا تفرق.

وهكذا أدرك أهل القرية أخطار التنازع وما يؤدي إليه، عاد أهل القرية بأبنائهم وقد تألفت قلوبهم، وتوحد صفهم، واجتمعت على الخير كلماتهم، وكأنما خرجوا إلى الحياة من جديد ……

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply