عودة إلى الله


 
 
بسم الله الرحمن الرحيم 

يقول الله - سبحانه وتعالى -: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)

وهذه القصة من أروع قصص العودة لله

مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد امتلأ بطلبة العلم حتى لم يبق فيه مكان، ولكنهم ينتظرون شيخهم ومعلمهم وقد تأخر على غير عادته..

وبينما هم في الانتظار إذا هو قادم عليهم، عليه وقار الصالحين، رؤيته تذكرك بذكر الله رب العالمين، فجلس بينهم في المكان الذي اعتاد الجلوس فيه، ثم أطرق إلى الأرض مفكرا ثم رفع رأسه وقال: يا أبنائي الأعزاء، ظللت طول عمري أعلمكم وأفقهكم أمور دينكم، أما اليوم فسأحدثكم عن شيخكم الماثل أمامكم:

لقد كنت في العراق وأنا في ريعان شبابي رئيس حرس الأسواق، وكنت أُراقب حركة الأسعار والتجار، وكنت فظا غليظ القلب لا يحبني أحد ولا أحترم أحدا..

وبينما أنا أجول في السوق رأيت رجلا من التجار طويل القامة، كبير الهامة عريض المنكبين، قد لبس الحرير وأسبل عمامته تفوح منه رائحة الطيب وحلى أصبعه بخاتم ضخم، البطر والطرف باد على محياه، وبين يديه رجل فقير قد جثا على ركبتيه يتوسل ويتضرع ويبكي، ثيابه ممزقة لا تكاد تستر جسمه، نحيل، غائر العين، أصفر الوجه، مشقق اليد من التعب والكدح، وهو يقول:

يا مولاي لماذا أخذت مني سبعة دراهم وهي محصلة يومي وتعبي، ردها علي إنني أحتاج إليها هذه الليلة، ففيها عشاء بنياتي، فإن أخذتها مني سيبات بنياتي طاويات من الجوع في هذا البرد الذي لا يرحم، رُد علي دراهمي يرحمك الله يُخلفك الله خير منها... أمهلني..

وكلما تذلل المسكين بين يديه شمخ الغني بأنفه ورفع رأسه إلى السماء وكأنه يكلم جدارا أو حجرا لا إنسانا فيه قلب وروح..

ويقول: تأثرت بهذا المنظر فجئت إلى الغني وقلت: ما شأنك وهذا؟

فقال: وماذا يحشرك أنت فيما بيننا؟ انصرف إنك لا تعرف هذا، إنه مكار خبيث أقرضته منذ سنة سبعة دراهم وهو يفر مني كلما رآني حتى قابلته اليوم بالسوق فأخذتها منه....

يقول: فقلت له: سبعة دراهم وأنت قد أغناك الله، ردها عليه فلما قلت له ذلك أبى وتكبر وطغى، يقول: فصفعته صفعة طنت لها أذناه وانقدحت لها عيناه ثم أدخلت يدي في جيبه وأخرجت الدراهم ووضعتها في يد الفقير، فقلت له: انطلق.. فانطلق فرحا يلتفت يجري، قلت له:

يا هذا إذا تعشت بنياتك هذه الليلة فقل لهن يدعون لمالك بن دينار، يقول فلما أصبح الصباح وبينما أنا في السوق أحسست في قلبي أن الله قد قذف فيه حب الزواج، فأخذت أعرض نفسي على الناس ولكن من يزوجني؟ فأنا الفظ الغليظ مدمن الخمر لا يرغب بي أحد، فيقول فلما طردني الناس ذهبت إلى سوق الجواري فاشتريت جاريةً مسلمةً مؤمنة ثم أعتقتها وجعلت عتقها مهرها، ثم تزوجتها، فكانت نعم المرأة عارفة لربها مطيعة لزوجها، كنت أرى فيها الخير والبركة من يوم أن حلت بداري، فقد تركت الخمر، وأقبلت على الصلاة والذكر والطاعة وأخذت أستغفر الله ورق قلبي ولان، وأصبحت أحب الخير والدعوة للخير، ورزقني الله منها بنية صغيرة كنت أرى فيها سعادة الدنيا أراها تلعب أمامي في الدار وتتلقاني إذا جئت وتنام بجواري في الليل وتلاعبني وألاعبها، فأقضي أوقاتي معها في الدار...

وبينما أنا كذلك ذات يوم، وهي تلعب بين يدي إذ خرت في حجري ميتة لا أدري ماذا حدث؟ فاضت روحها وأنا أنظر إليها فكاد قلبي أن ينخلع من مكانه فقلتُ: ويحي بنيتي قرة عيني ماذا أصابك؟

فحملتها وقد تدلت رقبتها على يدي، وأخذت أذهب في البيت فاستقبلتني أمها، ما الذي حدث للبنية؟ فقلت:

لا أدري تلعب بين يدي فخرت ميتة، فجلست أنا وأمها نبكي..

وكلما التفت في الدار بعد أن دفنتها وصليت عليها وجدت ذكراها، هذه ألعابها وتلك ملابسها، إذا جاء الطعام تذكرتها، وإذا جاء المنام تذكرتها حتى أخذ مني الحزن كل مأخذ فأصبحت لا أشتهي الطعام والشراب..

وإذا جاء الليل وما أدراك ما الليل أظل أراقب نجومه حتى أنام من الإعياء والتعب..

وذات ليلة، ولما بلغ مني الحزن كل مبلغ، ودب بي اليأس يرافقه الحزن قلت: لأشربن هذه الليلة حتى أموت، فأحضرت الشراب وجلست أشرب حتى خررت على الأرض صريعا لا أدري كيف ولا أدري متى..

وبينما أنا في ذنبي ومعصيتي لم أرض بقضاء الله ـ ولكن الله أرحم الراحمين ـ

رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن الأرض قد تشققت عن العباد كالجراد المنتشر، يشارك في هول يوم القيامة كل شيء، السماء تنفطر الجبال تدمر كل شيء.. الخلائق تجري، وأنا أجري أحس بلهيب خلف ظهري

فلما التفت رأيت ثعبانا ينفث نارا، يجري خلفي، إلى أين المهرب؟

إلى من أفر؟ يقول: وأنا أجري في عرصات يوم القيامة، والثعبان خلفي وألهث من التعب، وجدت جبلا وحيدا يعترض طريقي، وفي الجبل شرفات وفتحات تطل منهن بنيات، فلما رأينني صرخن: يا فاطمة أدركي أباك

يا فاطمة أدركي أباك، يقول: فإذا بنيتي الصغيرة تطل من شرفة في الجبل فتراني فتقول: أبي ثم أشارت إلى الثعبان فوقف، فمدت يدها إلي وأصعدتني عندها، ثم جلست بين يدي وهو تقول:

يا أبتاه (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) يقول: وتكررها واستيقظت من نومي وكأني أسمع صوتها يتردد، فسمعت آذان الفجر \"حي على الصلاة ـ حي على الفلاح\" يقول: فأفقت واستغفرت وتبت إلى الله، وحمدت الله أن أحياني إلى الدنيا من جديد ثم ذهبت واغتسلت وتوضأت ثم ذهبت إلى المسجد الجامع، أُصلي خلف الإمام الشافعي وإذا به في الصلاة يقرأ قول الله - تعالى -: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) يقول: فانتفض قلبي وفاضت عيناي، وكأنني أنا الوحيد المعني بها وأنا المخاطب بها وذلك من رحمة الله، فاستحييت من الله حق الحياء.. فلما انتهت الصلاة واستدار الإمام الشافعي أخذ يفسر لنا قوله - تعالى -: (ألم يأن للذين آمنوا) ويقول: عباد الله إنا الله يستحثنا إلى التوبة... فهو يقول: (ألم يأن) وهي مشتقة من الآن فكأنه يقول: الآن، الآن توبوا قبل أن تفوت هذه اللحظة فيندم الإنسان، الآن الآن إلى التوبة، إلى ذكر الله إلى الخشوع، يقول: فتبت إلى الله، واستغفرت لذنبي وتجلت عندي رحمة الله الذي لم يأخذني بمعصيتي فأمهلني حتى تبت وأنبت وذهبت إلى زوجتي وقلت لها: هيا بنا نشد الرحال لمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أطلب فيها العلم، فوفقني الله إلى كثير منه وعوضني الله خيرا من بنيتي

عوضني أبناء المسلمين يشدون إلي الرحال من مشارق الأرض ومغاربها يجلسون بين يدي طول النهار وزلفا من الليل يطلبون العلم، فحمدت الله- تبارك وتعالى -على نعمته

وآخر دعوانا أن الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

 

 

أضف تعليق

هذه التعليقات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وهي وجهات نظر أصحابها

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply